ثقافة

صدور كتاب “دروب غير مطروقة في فلسطين”

عزيزة علي

عمان- صدر عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر، كتاب جديد للقنصل البريطاني السابق جيمس فين، قام بترجمته جمال ابو غيدا، وكتب تقديما للكتاب، المؤرخ الفلسطيني جوني منصور.
يوضح مترجم الكتاب ابو غيدا، أنه لم يقوم بترجمة كل فصول الكتاب، بل اختار بعض الفصول التي تتحدث عما يزيد على “250”، قرية وبلدة فلسطينية جرى تهجيرها لاحقا في العام 1948. وتتناول هذه الفصول بالوصف مناطق لم يسبق أن كتب عنها أحد الرحالة في فلسطين مثل “بير السبع، وغزة”، وغيرها، ما يمنح للمهتمين والمهتمات محتوى بالغ الثراء حول المعلومات الديموغرافية والاجتماعية والجغرافية في فلسطين في أواسط القرن التاسع عشر، وعشية نكبتها ونكبة سكانها الذين بات أحفادهم الآن لاجئين في شتى أنحاء العالم.
جاء الكتاب في تسعة فصول، يتحدث الأول عن “عبر نهر الأردن والعودة من الغرب، أما الفصل الثاني، فهو شمالا إلى بيسان وقدس وراس العين، والفصل الثالث جنوبا إلى السهل الفلسطيني وشريطة الساحلي، والرابع من الخليل إلى بير السبع، ومن الخليل إلى يافا، والفصل الخامس يتحدث عن أرض بنيامين، والفصل السادس، من سبسطية إلى حيفا، والفصل السابع، مرج ابن عامر والمناطق المجاورة، والفصل الثامن غابات الجليل الأعلى، والفصل التاسع من القدس إلى البتراء، والعودة عن طريق البحر الميت.
وفي تقديمه للكتاب يقول د. جوني منصور: “يأخذنا فين في سلسلة من الجولات والرحلات في طول فلسطين وعرضها وشرقي نهر الأردن، ويقدم لنا وصفا تفصيليا للأماكن التي يمر بها، أو يبيت فيها ليلا، أو يمضي ساعات وأياما فيها، وسيلاحظ القارئ أن التفاصيل التي يقدمها تتعدى كونها تفاصيلا شكلية أو مظهرية، إلى معلومات جوهرية وداخلية وتحليلية لطبيعة الناس والمجتمع الذي يلتقي به”.
ويشير منصور إلى أن فين يربط في هذه النصوص مواقع كثيرة بأسماء شبيهة لها وردت في الكتاب المقدس، وهذا يعني سعيه إلى تعزيز العلاقة التاريخية لليهود بالمكان الذي يقوم بزيارته ويحمل اسما مشابها أو قريبا، وكل هذا من دون أن يلتفت ولو لبرهة إلى وجود شعب ينبض بالحياة مرتبط بأرضه ارتباطا عضويا قويا من خلال إنتاجه وعنايته بالشجر والحجر والبشر، حتى النشاط الزراعي الذي يقوم به السكان الأصليون لفلسطين لا يعيره أي اهتمام، سوى أنه يشير إلى أن الأرض التي تخرج منها المحاصيل بكميات كبيرة هي أرض ذات صلة تاريخيا ودينيا بالشعب المختار”.
ويقول منصور: “من أجل ذلك جمع فين هذه المعلومات الدقيقة عن نوعية الأراضي ومحاصيلها وجودتها وكميات الأمطار الهاطلة، من أجل أن تستفيد منها مؤسسات الحركة الصهيونية والاستيطانية لتحديد أماكن ومواقع شراء الأراضي أو الاستيلاء عليها في العام 1948، وما بعده”.
أما السكان الذين يعيشون في هذه الأرض وعليها، ومن أجلها فنظرة فين لهم كانت “استعلائية مليئة بالغطرسة والفوقية والإنكار لوجودها، وهذه النظرة في المجل ما هي إلا جزء من مكون النظرة الاستعلائية الكولونيالية أي (الاستعمارية)، هي التي لا تأخذ بعين الاعتبار السكان الأصليين، لدرجة أنهم غير مرئيين بالنسبة لها”.
ويؤكد منصور أن فين في نصوصه، “ينفي الحضور والوجود التاريخي للفلسطينيين الذين أصروا على العيش في أرضهم منذ فجر التاريخ”، أما نظرته لليهود فكان ينظر إليهم على اعتبارهم “صناع التاريخ”، وأنهم أصحاب حق تاريخي ناتج من هذا الفعل، وهذا دفعه إلى إخراج السكان المحليين-الأصليين خارج لعبة الصناعة التاريخية، وهذا بحد ذاته إنكار كلي، وغطرسة ونظرة فوقية متعالية.
ويبين منصور أن فين سعى في نصوصه إلى إخضاع هذه المنطقة الطبيعية الممتدة والمتصلة مع جوارها إلى منطقة ذات تاريخ منفصل، وهذه محاولات استشرافية صرفه جرى تأسيسها فكريا ونصيا لتخدم المشاريع الاستعمارية التوسعية للدولة الغربية”.
كما أن هذا الكتاب، وفقا منصور، “يعزز حضور المكان التوراتي، معتبرا إياه المكان نفسه الوارد ذكره في العهد القديم، وإن الاسم الحالي هو تحريف للاسم القديم، وهو الأسلوب نفسه والنمط الذي تبنته وما تزال حكومات إسرائيل المتعاقبة منذ احتلال فلسطين في العام 1948، في اعتبار الأسماء العربية والفلسطينية مقتبسة من الإراث التوراتي واليهودي، فتقوم بتعديلها أو إلغائها لصالح الأسماء العبرية واليهودية والإسرائيلية”.
ويضيف منصور، تحمل رحلات وجولات فين الواردة في هذا الكتاب سمات متنوعة جدير بنا الاطلاع عليها، وأقصد “بنا”، كل من له اهتمام في مسألة أدب الرحلة والاستكشاف في القرن التاسع عشر، وللفائدة، فهذا الأدب الذي ازدهر ونما لدرجة أن مئات من المؤلفات قد نشرت حول فلسطين، “الأرض المقدسة”، بقلم رحالة أوروبيين وأمريكيين وغيرهم، ومستكشفين ومبشرين ومجرد زوار وسياح وحجاج وصلوا إلى هذه الأرض وخطوا بأقلامهم بعضا من انطباعاتهم، ومشاعرهم ومعرفتهم.
وخلص منصور، إلى أن فين بوظيفة قنصل بريطانيا في إحدى أهم المدن في الدولة العثمانية، وإحدى أهم المدن بالنسبة للمسيحية، وهي “القدس”، جاء بناء على معرفة سابقة له مع وزير خارجية بريطانية في مطلع أربعينيات القرن، وكان معروفا باهتمامه باليهود لأسباب عدة، إلا أن بعضا من صفاته تساعد في فهم غاياته الرئيسة، فهو يتكلم باللغتين العربية والعبرية، وكان ملما بالعربية أكثر من العبرية التوراتية، إذ إن اليهود لم يتكلموا العبرية الحديثة، وإنما تعاملوا معها كلغة توراة فقط، وكان معظمهم يتكلم اللغات المحلية، حيث أماكن إقامتهم، وشرائح واسعة منهم تكلمت الايديشية.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock