ترجمات

صعود اليمين الشعبوي في تركيا

إلماس توبجو* – (موقع قنطرة) 21/6/2022

هيمنت الراديكالية اليمينية والقومية على السياسة التركية لعقود. وها هو تجمع شعبوي يميني جديد -يدعى “حزب النصر”- يعيد إحياء هذا الاتجاه. فما الفرق بينه وبين بقية القوميين؟ وما موقفه من اللاجئين في تركيا؟

  • * *
    19 أيار (مايو) عطلة رسمية في تركيا. وهو يوم يزخر بالرمزية، يحتفل الأتراك فيه بعيد الرياضة والشباب، ويحيون ذكرى مؤسس الجمهورية التركية “مصطفى كمال أتاتورك”. ففي 19 أيار (مايو) من العام 1919، شن مؤسس الجمهورية حرب الاستقلال ضد قوات الحلفاء، والتي استمرت حتى تأسيس الجمهورية في العام 1923، كما تقول كتب التاريخ التركية.
    بالنسبة لأوميت أوزداغ، زعيم “حزب النصر” الجديد، كان يوم 19 أيار (مايو) فرصة مثالية للإعراب عن التأييد للقومية. فيه زار الرجل البالغ من العمر 61 عاماً ضريح أتاتورك في العاصمة التركية أنقرة مع مجموعة من المؤيدين، ووقف مع المارة أمام النصب التذكاري الضخم. وحرص الأشخاص الذين تعرفوا عليه على التقاط صور سيلفي معه. وقال له رجل عابر: “يا معلمي، من الجيد أنك موجود”. حتى أن إحدى النساء قبّلت أوزداغ على جبهته.
    أصبح أوميت أوزداغ هو النجم في الأسابيع الأخيرة. وأينما ظهر، يتشكل حشد حوله في وقت سريع. ويرغب الجميع في رؤيته، ويريد الكثيرون التعبير عن دعمهم له، لأن أوميت أوزداغ يتناول بصورة متعمدة القضايا التي تقلق العديد من الأتراك: التضخم المتسارع، والقوة الشرائية المتضائلة، والمخاوف الوجودية، و”العزلة” المزعومة في بلدهم بسبب اللاجئين.
    اللاجئون السوريون يصبحون كبش الفداء
    وفقاً للأرقام الرسمية، يوجد حالياً نحو 3.8 مليون لاجئ سوري مسجل في تركيا، بينما يظل الرقم الفعلي غير مؤكد. وإضافة إلى ذلك، يوجد في البلد لاجئون من أفغانستان، والعراق، وباكستان وغيرها من الدول، والذين يقدر عددهم وفقاً للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين بحوالي 320 ألفاً. ويفترض أن عدد حالات اللجوء غير المبلغ عنها أكبر من ذلك بكثير.
    وقد سُمع أوميت أوزداغ في العديد من الأمسيات في الأسابيع الأخيرة وهو يقول: “لا نريد لشعبنا أن يكافح ضد الجوع والفقر بينما تنفق ضرائبنا على السوريين والأفغان والباكستانيين”. ويجد التنديد باللاجئين صدى جيداً لدى العديد من الأتراك لأن الناس خائفون. فقد بلغ معدل التضخم مؤخراً حوالي 70 %. ويعاني السكان من زيادة هائلة في الأسعار. ولا يبدو أن هناك حلا واضحا في الأفق.
    القرب الأيديولوجي من “الذئاب الرمادية”
    في الواقع، ليس أوميت أوزداغ “منقذاً” جديداً أيضاً، فقد كان جزءاً من المؤسسة السياسية لفترة طويلة جداً. غير أن النغمة التي أصبح يستخدمها الآن هي الجديدة.
    ينحدر أوميت أوزداغ من عائلة ناشطة سياسياً. كان والده من المقربين من ألب أرسلان توركيش، مؤسس حزب الحركة القومية (MHP)، الذي يشتهر في ألمانيا بمنظمته “الذئاب الرمادية”، ويملك أيضاً شبكات في ألمانيا تخضع للمراقبة من قبل المكتب الاتحادي لحماية الدستور في ألمانيا. وكانت والدة أوزداغ ناشطة أيضاً في حزب الحركة القومية. وكانت أول رئيسة للفرع النسائي في الحزب.
    ولد أوزداغ في اليابان، حيث كان والده يعمل في السلك الدبلوماسي في أوائل الستينيات. ودرس العلوم السياسية والفلسفة والاقتصاد في جامعة لودفيغ ماكسيميليان في ميونخ.
    وكان أوزداغ عضواً في حزب الحركة القومية أيضاً؛ أولاً في الفرع الشبابي، وبعد ذلك في اللجنة التنفيذية، إلى أن طرد من الحزب في العام 2016 بعد انتقاده قيادة الحزب علناً. وقبل ذلك بعام (أي في العام 2015)، كان حزب الحركة القومية قد دخل في تحالف مع إردوغان، مما مكن حزب العدالة والتنمية من الفوز بالأغلبية عند إعادة انتخابه. وبالنسبة لأوزداغ، كانت فكرة دعم حكومة إردوغان مصدر استياء كبيرا.
    وعلى إثر ذلك، قام هو وبعض المنشقين عن حزب الحركة القومية بتأسيس الحزب القومي المحافظ “الحزب الجيد”. وبعد اختلافه مع القيادة، استقال في العام 2021 وأسس في نهاية المطاف حزبه الخاص “حزب النصر”.
    تحريض اليمين يحظى بالكثير من الموافقة
    لم ينطلق حزب أوزداغ الجديد فعلياً إلا منذ بضعة أشهر فحسب، بعد أن بدأ بإصدار بيانات يمينية متطرفة وعنصرية ومعادية للاجئين. ومنذ ذلك الحين تحسنت معدلات قبوله بين الناس بشكل كبير. وفي آخر استطلاعات للرأي أجريت في بداية شهر أيار (مايو) 2022، تجاوز التأييد الذي تمتع به الحزب نسبة 2 %، وهو رقم مرتفع بالنسبة للمعايير التركية.
    حسب البروفيسور كمال بوزاي من الجامعة الدولية للعلوم التطبيقية في مدينتَي دوسلدورف وكولونيا الألمانيتين، والذي يراقب القوميين الأتراك المتطرفين لسنوات، فإن اللون الأيديولوجي لحزب النصر واضح: “أجندة حزبه قومية متطرفة؛ خطابه وأساليب العرض الخاصة به شعبوية يمينية للغاية”، كما يقول بوزاي في مقابلة معه.
    يعتمد أوزداغ على عناصر قومية شعبية. ويضيف بوزاي أن النزعة القومية التركية -أو الطورانية- تلعب دوراً مهماً في أيديولوجية الحزب. وبالنسبة للقوميين الأتراك المتطرفين، طوران هي النموذج لدولة متجانسة إثنياً لجميع الشعوب التركية من البلقان إلى غرب الصين، والتي يجب أن تنشأ تحت القيادة التركية.
    وفقاً للخبير بوزاي، يعرض أوزداغ أيضاً هذه العناصر التاريخية الشعبية القومية في بيان حزبه. ومن الجدير بالذكر أن أوزداغ، بعد أن أسس حزبه، زار مباشرة قبر ألب أرسلان توركيش، الزعيم السابق للذئاب الرمادية، ليربط حزبه مباشرة بإرثه وتقاليده.
    أوزداغ من أشد منتقدي حزب العدالة والتنمية
    لا يتساهل أوميت أوزداغ حين يتعلق الأمر بالحزب الحاكم أيضاً. ومؤخراً، اشتبك كلامياً مع وزير الداخلية التركي سليمان صويلو. فقد انتقد صويلو أوزداغ بشدة، بسبب تمويل حزبه لفيلم مناهض للاجئين “الغزو الصامت”. وقد وصل الوضع بين الرجلين إلى درجة أن أوزداغ، ولدهشة الجمهور التركي، تحدى وزير الداخلية في مبارزة. إذ هدد أوزداغ: “إذا كان وزير الداخلية رجلاً بما فيه الكفاية، فليواجهني”.
    وبفضل تصريحات مثل هذه، بدأ أوزداغ فجأة بكسب العديد من منتقدي الحكومة، حتى أولئك الذين يسمون أنفسهم الديمقراطيين الاشتراكيين. واندلع جدال حاد على وسائل التواصل الاجتماعي؛ حيث قال العديدون إن أوزداغ ليس عنصرياً على الإطلاق. فقد كان يدافع عن قيم الوطنية التركية السليمة. ونتيجة لذلك، تلقى أوزداغ أيضاً الدعم من أكبر حزب معارض، “حزب الشعب الجمهوري” (CHP).
    الفرق بين “حزب النصر” و”حزب الحركة القومية”، وأيضا “حزب الوحدة الكبرى”
    هل يستطيع حزب النصر الذي يتزعمه أوزداغ إثبات نفسه وتوطيد دعائمه؟ بالنسبة للباحث السياسي بيرك إيسن من جامعة سابانجي، ما يزال من المبكر التنبؤ بذلك. وسوف يستغرق الأمر بضع سنوات لتقييم إمكانيات الحزب، بعد أن تعرف سياساته التي ينتهجها في مجالات أخرى.
    تاريخياً، انقسم القوميون الأتراك المتطرفون مرة من قبل. فقد انشق جناحهم الإسلامي في العام 1993 لتأسيس “حزب الوحدة الكبرى”. وبالنسبة لهم، يشكل الإسلام جزءًا أساسياً من الهوية التركية.
    أما بالنسبة لأوميت أوزداغ وحزبه، فلا يلعب هذا الأمر دوراً رئيسياً، كما يقول كمال بوزاي. والاختلاف الآخر بين القوميين المتطرفين يتمثل في موقف “حزب النصر” المناهض للحكومة. فبينما يدعم “حزب الحركة القومية” و”حزب الوحدة الكبرى” إردوغان وحكومة حزب العدالة والتنمية، يعارض أوزداغ الحكومة، كما يذكرنا بوزاي.
    إضافة إلى ذلك، لطالما حافظ هؤلاء القوميون المتطرفون القدامى، حزب الحركة القومية وحزب الوحدة الكبرى، على روابط وثيقة مع ما تسمى “الدولة العميقة”، “الدولة داخل الدولة” في تركيا وهياكلها السرية شبه العسكرية. بينما يشير بوزاي إلى أنه من الواضح أن أوميت أوزداغ قد نأى بنفسه عنها.
    أوجه التشابه مع الشعبويين الأوروبيين اليمينيين
    حسب رؤية الباحث السياسي بيرك إيسن، فإن “حزب النصر” يظهر أوجه تشابه مع الشعبويين الأوروبيين؛ ليس فقط بسبب الأطروحات المناهضة للاجئين، وفقاً لإيسن، الذي يواصل الشرح: “بالنسبة لأوزداغ، تتألف تركيا من معسكرين؛ من جهة توجد الحكومة والمعارضة بوصفهما النخبة السياسية، التي تقبل ضمناً بأن يجتاح اللاجئون تركيا. أما البقية فهم الأشخاص الذين يريد أوزداغ إنقاذهم بواسطة “حزب النصر”. وفي الواقع، من المثير للدهشة أن مثل هذا الحزب الشعبوي قد استغرق الكثير من الوقت للظهور.
    وهنا، يشير إيسن إلى التحالف بين حزب العدالة والتنمية الحاكم وحزب الحركة القومية وحزب الوحدة الكبرى القوميين المتطرفين. فقد دعم كلاهما إردوغان منذ العام 2018 ووافقا على سياسته تجاه اللاجئين، على الرغم من وجود الكثير من المعارضة لذلك بين مؤيديهم. ومن الصعب الآن معرفة ما إذا كان بإمكانهما الاستمرار في الحفاظ على مؤيديهما إلى جانبهما أو خسارتهم لصالح حزب النصر. بيد أن ثمة أمراً واحداً مؤكداً: سوف تستمر قضية اللاجئين في شغل المجتمع التركي.

*إلماس توبجو: صحفية مقيمة في تركيا. نشر المقال في “دويتشه فيله”، وترجمته لموقع قنطرة يسرى مرعي.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock