ترجمات

صعود دكتاتوريات “كوفيد”

أنور محاجنة، كريستال ويتستون* – (فورين بوليسي) 16/10/2020

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

في جميع أنحاء العالم، تعمل سلطات الطوارئ على تقويض الديمقراطية -أحيانًا بدعم شعبي.

  • * *
    بينما كانت أعداد الوفيات في ارتفاع بسبب الوباء طوال فصل الربيع، اتخذت العديد من البلدان إجراءات صارمة للسيطرة على انتشار “كوفيد-19”. أعلنت الحكومات حالات الطوارئ الوطنية وحظر السفر، وحظرت التجمعات الكبيرة. سمحت مثل هذه الاستجابات، مهما كانت ضرورية من منظور صحي، للسياسيين بتقويض الديمقراطية وحقوق الإنسان. وتم استخدام الوباء لتبرير سياسات المراقبة وتجاوز الضوابط والتوازنات، والتي قوبل بعضها بالموافقة من الجماهير التي تحتشد حول العلَم الوطني. ومع ذلك، أثارت هذه العمليات من إحكام القبض على السلطة أيضًا مقاومة في كل من الولايات المتحدة، وإسرائيل، وبولندا، والمجر والصين -والسؤال الآن هو: إلى متى سيخفف تأثير التحشيد حول العلم من حدة الغضب العام؟
  • * *
    في الولايات المتحدة، سمّى الرئيس الأميركي دونالد ترامب الوباء كسبب لزيادة القيود وتشديدها على الحدود والحد من طلبات اللجوء. وفي آذار (مارس)، أوقفت الولايات المتحدة عملية إعادة توطين اللاجئين مؤقتًا. ثم استؤنِفت إعادة التوطين في نهاية تموز (يوليو) بأعداد مخفضة. فاعتبارًا من 18 أيلول (سبتمبر)، أعيد توطين 10.192 لاجئًا فقط في السنة المالية 2020، مقارنة بـ22.500 في السنة المالية 2018. وإضافة إلى ذلك، في تموز (يوليو)، اقترح ترامب رفض طالبي اللجوء لأسباب تتعلق بالصحة العامة. وبحلول 11 تشرين الأول (أكتوبر)، وافق 40 في المائة فقط من الأميركيين على تعامل ترامب مع الوباء، ومع ذلك فإن معظم الجمهوريين (81 في المائة) وأكثر من نصف الديمقراطيين (49 في المائة) وأغلبية من المستقلين (62 في المائة) يوافقون على القيود المؤقتة المفروضة على الهجرة من أجل إبطاء انتشار الوباء.
    بطبيعة الحال، لم يثبت أن الجمهور الأميركي مستعد لقبول جميع سياسات ترامب المفترضة المتعلقة بالوباء. خلال الصيف، حاول الرئيس تشويه سمعة متظاهري حركة “حياة السود تهم” وردعهم على أساس أن التجمعات سوف تسهم في نشر “كوفيد-19”. ولم يوقف ذلك المتظاهرين في جهودهم لزيادة الوعي حول عمل الشرطة وعدم المساواة. وبعد ذلك، وصف ترامب المتظاهرين بالإرهابيين، وانتقد خطة مدينة نيويورك لكتابة عبارة “حياة السود تهم” في الجادة الخامسة، ووصفها بأنها “رمز للكراهية”. وقام بإرسال العملاء الفيدراليين إلى بورتلاند بولاية أوريغون ردًا على الاحتجاجات، وهدد بفعل الشيء نفسه مع مدن أخرى. ومع ذلك، كان لاحتجاجات “حياة السود تهم” تأثير كبير. والآن يعترف 45 بالمائة من الجمهوريين بأن السود يُعاملون بشكل مختلف في الولايات المتحدة. ومع هبوط شعبية ترامب في استطلاعات الرأي قبل الانتخابات الرئاسية المقرر إجراؤها الشهر المقبل، يبدو أن الغضب الشعبي قد تجاوز تأثير التحشيد حول العلم.
    في إسرائيل، احتشد المؤيدون حول جهود رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو لاستخدام أدوات جمع المعلومات الاستخباراتية لتتبع مواطني البلد من دون موافقتهم. وقبل “كوفيد”، كان نتنياهو على الأرجح في طريقه إلى الخروج من منصبه. لكن الزعيم استخدم الأزمة للدعوة إلى استخدام سلطات الطوارئ ثم دفع لاحقًا من أجل مشروع قانون جديد لتمديد تعليمات الطوارئ. وتم تعليق اجتماعات الكنيست للحيلولة دون اجتماع المعارضة.
    منذ ذلك الحين، قدمت منظمتان رقابيتان التماسات إلى المحكمة العليا الإسرائيلية ضد مراقبة مرضى “كوفيد” بواسطة الهواتف المحمولة، بحجة أنها تنتهك الحقوق المدنية. ونظم المتظاهرون قافلة سيارات احتجاجية على إغلاق الكنيست. وأرسل الآلاف شكاوى إلى وزارة العدل ضد ما اعتبروه اعتداء على حقوق الخصوصية. وفي تموز (يوليو)، خرج المتظاهرون إلى الشوارع للمطالبة باستقالة نتنياهو. ووصلت أعداد المشاركين في الاحتجاجات (المستمرة منذ تموز (يوليو)) إلى عشرات الآلاف في نهاية كل أسبوع. ورداً على الاحتجاجات المستمرة، أصدرت حكومة نتنياهو قانونًا يحظر الاحتجاجات الجماهيرية أثناء إغلاق “كوفيد-19” في البلاد. ويحتفظ نتنياهو بالسلطة منذ العام 2009، لكن رد الفعل على سياساته بشأن فيروس كورونا قد يكون القشة الأخيرة.
    في المجر وبولندا غير الليبراليتين، استخدم الرئيسان فيكتور أوربان وأندريه دودا قوانين الطوارئ لتوطيد سلطتيهما. وقد فعّل أوربان “الحكم بمرسوم”، وهو ما مكنه من سن القوانين من دون ضوابط. ومورس المزيد من تكميم الصحافة وتم حظر الاحتجاجات، على أساس احتواء الوباء. واستخدم دودا الوباء لمنع المعارضة السياسية من تنظيم أحداث ضمن حملاتها الانتخابية قبل إجراء الانتخابات الرئاسية في حزيران (يونيو) وتموز (يوليو)، لكنه استمر في إقامة أحداث حملته الخاصة. ولكن، مع احتشاد المجريين حول الحكومة، حصل أوربان على نسبة تأييد بلغت 74 بالمائة في نيسان (أبريل) -بعد إعلان الحكم بالمراسيم- وظل الرقم مرتفعًا (62 بالمائة) حتى بعد القيود الشديدة التي فرضها على الصحافة والمجتمع المدني. وفاز دودا بإعادة انتخابه.
    تمكنت المجتمعات المدنية المقاوِمة من إبطاء المزيد من الاستيلاء على السلطة في المجر وبولندا. وبعد انتهاء ممارسة “الحكم بمرسوم” في حزيران (يونيو)، نزل المجريون إلى الشوارع. وعندما استبعدت الحكومة رئيس تحرير “إندكس” -باعتبار “إندكس” آخر منفذ إعلامي مستقل رئيسي في المجر- اندلعت احتجاجات جديدة. وأعاد حكم أصدرته محكمة العدل الأوروبية مؤخرًا تمكين المجتمع المدني هناك من خلال رفع القيود عن التمويل الخارجي، وإفساح المجال أمام استمرار تقدم المنظمات المدنية. وفي بولندا، بعد أن شيطن دودا الأشخاص المثليين وثنائيي الجنس والمتحولين جنسيًا خلال حملته الانتخابية، رسم النشطاء “أشكال قوس قزح” على تماثيل معروفة في وارسو. وتجمع الآلاف للاحتجاج على اعتقال النشطاء. وعلى الرغم من حظر التجمعات العامة، احتجت النسويات لمنع البرلمان من إصدار تشريعات من شأنها أن تقلل الوصول إلى الإجهاض، وعلى الاعتداء الجنسي على الأطفال.
    كما تشهد الصين -على الرغم من طبيعتها الاستبدادية- مقاومة منتظمة للحكومة، على الرغم من أن الإجراءات الجماعية عادة ما يتم سحقها بسرعة. في أوائل العام 2020، أسكتت الحكومة الأطباء والصحفيين والناشطين لدى محاولتهم لفتهم الانتباه إلى عدم كفاءة حكومة الرئيس شي جين بينغ في التعامل مع “كوفيد”.
    والآن، مع عودة الحياة في الصين إلى طبيعتها تقريبًا، ربما يحتشد المواطنون حول الحكومة. وتشير استطلاعات الرأي في الصين القارية إلى وجود ثقة قوية في النظام. لكن المعارضة واضحة في هونغ كونغ، على الأقل. وقد تم حظر الاحتجاجات هناك لأسباب تتعلق بالصحة العامة، لكنها عادت إلى الظهور في أيار (مايو) عندما أدت التغييرات التي أجريت في المجلس التشريعي في هونغ كونغ إلى تقليص الحكم الذاتي. وتستهدف قوانين “الأمن القومي” الجديدة المتظاهرين المؤيدين للديمقراطية، وقد استخدمت لمنع المرشحين التشريعيين المؤيدين للديمقراطية من الترشح للانتخابات التي كانت مقررة في أيلول (سبتمبر). وتم تأجيل الانتخابات لمدة عام كامل بسبب الوباء. ويواصل سكان هونغ كونغ الاحتجاج ضد الحكومة على الرغم من المخاطر، والتي أصبحت تشمل الآن مواجهة محاكمات سرية في البر الصيني الرئيسي.
  • * *
    خلق الوباء فرصًا للقادة السياسيين لتعزيز قبضتهم على السلطة من خلال تدابير الطوارئ التي تهدف إلى السيطرة على انتشار الفيروس. وتأتي هذه الصلاحيات مع قيود أقل من المعتاد، وقد يتم تمديدها لتتجاوز الأزمة التي كان من المفترض أن تُستخدم لإدارتها.
    لدى الدول غير الديمقراطية مثل الصين مبررات كافية لتكثيف قمعها لحقوق الإنسان والحريات المدنية. وحتى الدول الديمقراطية مثل إسرائيل والولايات المتحدة استخدمت حالات الطوارئ هذه كغطاء لممارسة أعمال غير ديمقراطية. ومع ذلك، بالنظر إلى الحريات السياسية الأكبر المتضمنة في المؤسسات الديمقراطية -حتى في البلدان غير الليبرالية، مثل المجر- فقد كان القادة السياسيون في الديمقراطيات هم الذين واجهوا القسم الأكبر من المقاومة.

*د. أنور محاجنة: أستاذ مساعد في كلية ستونهيل. د. كريستال ويتستون: أستاذ مساعد في قسم العلوم السياسية بجامعة سام بولاية هيوستن.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: The Rise of the COVID Dictatorships

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock