أفكار ومواقف

صفر في صفر…

في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، كان في بلدة الطفيلة تاجر ظريف، جاء ليمارس فيها مهنته من إحدى البلدات المجاورة. وقد وُصف التاجر بأنه رجل لبق دمث، يرحب كثيرا بزبائنه الذين يأتون من المدينة والبلدات المجاورة، والبدو الذين يؤمون البلدة كل أسبوع او اثنين ليؤدوا صلاة الجمعة في مسجدها الوحيد آنذاك، وليشتروا حاجاتهم من السكر والملح والكاز، وأحيانا الحبال والخيطان وبعض الحوائج الأساسية الأخرى.
التاجر الذي أتقن فنون العلاقات العامة من غير أن يدرسها في معهد أو جامعة، أو التقلب في مواقع البيروقراطية التي تدرب أركانها على الابتسامات الملونة حسب نوع العميل أو المراجع، هذا التاجر استطاع أن يجذب عشرات الزبائن من البدو الذين يقطنون مشارف المحافظة وأعالي جبالها التي وفرت رعيا مناسبا لقطعان ماشيتهم وإبلهم طيلة أواخر الصيف، وقبل أن يستديروا لواجهة المنطقة الغربية عند مطلع الشتاء.
فما إن يصل الزبائن الذين يتوافدون أيام الجمعة من كل أسبوع، حتى يكون صاحبنا قد استعد لاستقبالهم بالترحاب والقهوة والشاي، وسؤالهم عن أحوالهم وأوضاعهم قبل أن يعرض عليهم بضاعته ويشجعهم من خلال التأكيد على أنه لن يطالبهم بالدفع حتى نهاية موسم الربيع، الأمر الذي يدفعهم إلى أخذ المستلزمات الضرورية، وإضافة بعض السلع التي قد تبدو كمالية؛ مثل الكعيكبان والحامض حلو والحلاوة.
التاجر الذي لا يعرف الكثير من القراءة والحساب، يخرج عند كل زيارة لزبائنه دفترا سميكا مجلدا احتفظ به على الرف الموالي لكرسيه، يرسم عليه رموزا لا يفهمها غيره؛ فلا هي كتابة ولا هي حساب، بل هي تخصه وحده، وتخلق عند المتسوقين انطباعا بأن حساباتهم ومصاريفهم مدونة في دفتره الذي اكتظ بالعلامات والإشارات التي تبدو أقرب إلى الكتابة الهيروغليفية.
وما إن ينتهي فصل الربيع، حتى يجمع الرجال حصيلة شقائهم وتعبهم طوال العام، فيسوقوا جديانهم وخرافهم وفائض السمن واللبن والصوف والشعر إلى البلدة على أمل بيعه والتصرف بما يتحقق منه في توسيع أعمال الرعي وادخار بعض المال لما قد تخبئه الأيام. وهناك، يفاجئهم التاجر الذي لا تفوته شاردة أو واردة، ويدخل في المزايدة، ويشترى المعروض بالسعر الذي دفعه آخر المزاودين.
وبعد أن يؤمن الخراف والجديان في حظيرته، ويودع اللبن والسمن في مخزنه، ويدفع بالصوف والشعر إلى المستودع الخاص، حتى يطلب من أهل بيته أن يعدو وجبة غداء على شرف البائع، يُخرج بعد تناولها دفتر الحساب، ويبدأ يتمتم ويسمي السلع التي أخذها الزبون سلعة سلعة، مع أسعارها. ويبدأ عملية الجمع الصامت التي لا يسمع منها البائع غير صفر في صفر يساوي صفر… إلخ.
وبعد استغراق في الحساب والمراجعة، يقول لزبونه الذي جلب له كامل إنتاج العام، كلمة واحدة هي: “خالصين”؛ أي أن كل ما جئت به إلى السوق اليوم يساوي في قيمته الأشياء التي تسلفتها من دكاني خلال العام.
وقد ظل التاجر يعتاش على تعب وشقاء الفلاحين ومربي الماشية الذين تعبوا وشقوا من دون أن يكون لتعبهم مردود حقيقي عليهم.
اليوم تخطر ببالي قصة التاجر هذا وأنا أقرأ خبر التعديلات التي أجرتها الحكومة على أسعار مشتقات النفط، وإجراءات الرفع والخفض التي شغلتنا بها خلال أكثر من عامين؛ فتارة تخفض سعر الديزل وتبقي على المشتقات الأخرى، ومرة ترفع أسعار البنزين وتبقي على غيره، في وصفة لا يملك أحد تفكيكها.
في مثل الظروف التي نمر فيها، يحتاج المجتمع إلى أن يثق بصناع القرار. والثقة التي تسعى الحكومة لكسبها لا تتأتى إلا بإجراءات تحترم عقل المواطن. فإذا كان الرفع بنسبة مئوية، فينبغي أن تنسحب هذه النسبة على كل المشتقات؛ أما أن نرفع سعر البنزين تارة والكاز تارة أخرى، فهو سلوك يذكرنا بتاجر بلدتنا اللبق الذي استولى على قلوب زبائنه، لكنه أفرغ جيوبهم بمعادلته التي لم يستطع أحد أن يتعرف على حدودها ومدخلاتها، فاستسلم الجميع لإيقاع تمتماته وهو يردد على مسامعهم “صفر في صفر يساوي صفر”، وليكتشفوا بعد عقود أن الرجل لا يعرف القراءة ولا الحساب، وأن الدفتر المركون على الرف المحاذي لكرسي الإدارة لا أرقام فيه ولا مواد، بل خربشات لإيهامهم بأن تاجرهم ليس كتاجر البندقية.

تعليق واحد

  1. متاهات
    منتهى الاجحاف والاستخفاف بالمواطن المسكين…..ألا يستحق المواطن الأردني أن يعامل معاملة المواطن المحترم…..إلى متى….؟؟؟؟؟!!!!! مع كل الاحترام والتقدير لمعالي الدكتور صبري….لما يتحفنا به من جميل القول شكلا ومضمونا…..لنا الله….

  2. تاجر الطفيلة
    سقاالله يا دكتور على ايام تاجر الطفيلة اقل ما فيها كان الزبون يضيف وياكل مناسب . اما تجار اليوم الله المستعان .

انتخابات 2020
26 يوما
#الأردن_ينتخب
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock