أفكار ومواقف

صفقة أم صفعة و”سايكس بيكو” جديد!

في العام 1916 فرضت الدولتان الكبريان آنذاك (فرنسا وبريطانيا) على المنطقة تقسيما جديدا، غيرتا بموجبه خريطة منطقتنا، وتقسيما عرف باتفاقية سايكس بيكو نسبة لمهندسي الصفقة من كلا البلدين.
ذهب المستعمر بعد سنين، ولكن الحدود التي اقيمت بقيت قائمة وأخذت جغرافيا معينة فنتج عنها حدود بين دول بلاد الشام (سورية، لبنان، الأردن وفلسطين)، ووقتها انتدبت بريطانيا نفسها على الأردن وفلسطين وكذا فعلت فرنسا مع سورية ولبنان.
اليوم، بعد مرور قرن و3 سنوات على الاتفاقية يبدو ان سيد الغرب الجديد (الولايات المتحدة الاميركية) بات بحاجة لوضع بصمته في حدود المنطقة، بعد ان نهب خيراتها واستولى على نفطها واستطاع رهن مقدرات الاوطان لصالحه.
اليوم ايضا، وفِي ظل سيطرة المحافظين الجمهوريين على السلطة في واشنطن من خلال الرئيس دونالد ترامب، وتغلغل اللوبي الصهيوني في مفاتيح القرار الاميركي، بات تفكير واشنطن محصورا بالطريقة التي تستطيع من خلالها تأمين وجود الكيان الصهيوني واستمراره، والحفاظ على أمنه وازدهاره، وهذا يتأتي بنظره من خلال ابعاد كل عوامل الضغط التي كان يتعرض لها جراء حركات المقاومة التي كانت احيانا تقلق راحة الكيان الصهيوني وتوجعه حينا.
الإدارة الأميركية ومن خلفها اللوبي الصهيوني تتحدث يوميا ومنذ تولي ترامب سدة البيت الأبيض عن صفقة أسمتها صفقة القرن، وتظهر المعطيات الأولية التي تسربت عنها بأنها تخالف قرارات الشرعية الدولية، والأممية، وترفض الاعتراف بالحق الفلسطيني بإقامة دولته المستقلة على تراب أرضه وعاصمتها القدس.
المؤشرات القادمة من واشنطن تقول أن الإعلان عن صفقة القرن بات وشيكا، وربما لا يفصلنا عنها سوى ايام لا تتعدى 60 يوما على اكثر تقدير، وتلك الصفقة تقوم على فكرة تذويب الحدود بين الدول، ودمج الكيان الصهيوني في المنطقة من خلال انفتاح اقتصادي تعتقد واشنطن انه سيكون بداية الطريق لاندماج ديمغرافي سياسي، ثقافي وحتى اجتماعي لاحقا.
المعطيات تقول إن الصفقة التي نفذ جزء كبير منها على ارض الواقع من خلال نقل سفارة واشنطن للقدس والاعتراف بها أميركيا كعاصمة للكيان، والتضييق على المصلين في الاقصى وتدنيسه بشكل يومي، كل ذاك يرمي لتثبيت الصهاينة في القدس ولاحقا تقسيم الأوقات بين الصهاينة والفلسطينيين كما حصل في المسجد الإبراهيمي في مدينة الخليل، يتبع ذلك منح مناطق كسلوان وغيرها للفلسطينيين لإقامة عاصمتهم عليها، ومنح إشراف ذاتي محلي دولي على المسجد الاقصى وكنيسة القيامة، وهذا ترافق مع تفتيت الجغرافيا الفلسطينية من خلال عدم القدرة لاحقا على إقامة دولة متماسكة الاطراف، يتبعها تسهيلات اقتصادية لدول المنطقة واندماج اقتصادي بينها، بحيث تذوب الحدود ويصبح بالإمكان الانتقال بشكل سلس للبضائع ولاحقا البشر.
ما ذكر هو ما يدور بعضه على الأقل في خلد الادارة الأميركية واللوبي الصهيوني في واشنطن، وربما نسجت الولايات المتحدة لدول المنطقة احلاما وردية تترافق مع اموال طائلة (لن تتعدى تلك الأموال 70 – 80 مليار دولار على ابعد تقدير)، بيد ان التخطيط الدفتري لا يمكن سحبه على ارض الواقع، فهناك قضايا لا تموت وأبرزها القضايا الحقوقية، فحق الشعب الفلسطيني في ارضه لا يموت مع الزمن وحق اللاجئين حق أممي لن تنفع الضغوطات الاميركية الهادفة لخنق (الانوروا) وتقليص الدعم لها في إقناع من يحمل مفتاح بيته في صدره ان ينسى.
طريقة الضغط على الدول اما سياسيا او اقتصاديا للقبول بما جاءت به واشنطن من أفكار لن يأتي بنتيجة، ورفع وتيرة خنق الدول اقتصاديا لجهة قبول ما تقدمه واشنطن من حلول متبوعة باغراءات مالية لن يقنع احدا، والتفكير بزيادة الضغط الاقتصادي على الفلسطينيين وغيرهم لا يقنع شعوبها بقبول تقسيمات جديدة للمنطقة.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock