أفكار ومواقف

صفقة إعلان نهاية أوهام “السلام”

فوق ظلمه وفجوره واستهزائه بكل القوانين الدولية والإنسانية، كان ترامب وإدارته المتصهينة مخادعين ومستهترين بعقول العالم وهما يقدمان ما أسمياها «صفقة القرن» على أنها خطة للسلام والتفاوض مع الطرف الفلسطيني، فيما كانت هي بالواقع إعلانا واضحا وفاضحا عن انتهاء المفاوضات ومنح كيان الاحتلال الإذن رسميا لشرعنة احتلاله وضمه للضفة الغربية وباقي الأراضي العربية المحتلة وإغلاق ملف المطالبات العربية والدولية بتحقيق السلام في هذا الصراع.
كان التوصيف دقيقا ومباشرا من قبل بعض مرشحي الانتخابات الأميركية من الحزب الديمقراطي وحتى من صحف إسرائيلية لصفقة ترامب بأنها خطة ضم للأراضي المحتلة لا خطة سلام ومفاوضات. لذلك – كما يبدو- لم يكن ترامب حريصا على حضور الطرف الفلسطيني بحفل الإعلان، بل ولم يكن مستعجلا على رد القيادة الفلسطينية التي منحها أربع سنوات لدراسة «الصفقة» والرد عليها!
تفاصيل الصفقة الأميركية الإسرائيلية صممت بدقة ليرفضها الطرف الفلسطيني، حيث تقدم في الجانب الدعائي منها وصفة تنازل مذلة عن كل الحقوق الفلسطينية لا يمكن أن يقبلها أي أحد، وذلك لتفتح الباب للجانب الرئيسي والجوهري بالصفقة وهو إطلاق يد كيان الاحتلال برعاية أميركية بشرعنة وتنفيذ الضم والابتلاع لكل الضفة الغربية المحتلة ليس فقط بمستوطناتها وغورها بل بكل شبر فيها.
وواهم من يعتقد أن الفتات الذي تحدثت عنه صفقة ترامب من «دولة» فلسطينية موعودة يمكن أن يرضي نتنياهو وكيانه رغم كل التشويه والاجحاف والتقطيع فيها، فحتى مثل هذا المسخ للكيان الفلسطيني المزعوم بالصفقة غير مقبول في عقلية الاحتلال الذي يرى أن الفرصة التاريخية الراهنة في ظل الانحياز الأميركي الأعمى والهوان العربي تمكنه اليوم من إسدال الستار على «أوهام» السلام الذي يشترط عودة أي جزء من الأرض المحتلة والانتقاص من «أرض إسرائيل الكبرى».
لن يكون ترامب ولا الاحتلال الإسرائيلي الآن بوارد السعي لمحاولة فتح أبواب التفاوض أو حتى محاولة حلحلة الموقف الفلسطيني الرسمي، ولو من باب المشاغلة والتمويه برغبة حقيقية في المفاوضات والسلام. هذان الطرفان سيكونان معنيين فقط ببدء ترجمة جوهر «الصفقة» بما هو ضم وابتلاع للأرض رسميا والعمل على إغلاق ملفات الصراع الأخرى وعلى رأسها اللاجئون، والعمل بالتزامن مع ذلك على فتح قنوات التطبيع والاختراق الإسرائيلي للمحيط العربي بعد أن بات اللعب على المكشوف!
القرار الأول المتوقع بعد إعلان صفقة ترامب رسميا هو قرار حكومة الاحتلال المرتقب بإعلان ضم المستوطنات وغور الأردن لكيان الاحتلال خلال أيام لاقتناص «الفرصة التاريخية» التي بشّر بها نتنياهو، والسيناريو هنا يفترض أن يتصدى الشعب الفلسطيني لهذه النكبة الجديدة بالانتفاض وبقرارات «تصعيدية» من السلطة الفلسطينية لتبدأ الآلة العسكرية الصهيونية بحربها المفتوحة لردم أوهام الشرعية الدولية ووعود السلام المزعوم وترسيم «النصر» الإسرائيلي المتوهم على الأرض.
هذه «الصفقة» بأجلى صورها، ليس بين طرفين متصارعين بل بين طرف واحد هو إدارة ترامب المتصهينة وكيان الاحتلال لإعلان النصر على الأمة العربية وعلى الشرعية الدولية وعلى الحق بإطلاقه.
كل هذا التخطيط الأحمق والمتعجرف والإرهابي من إدارة ترامب المتصهينة أسقط من حساباته أهم عامل في الصراع، وارتكب ذات الخطأ الاستراتيجي الذي ارتكبه قبله الطغاة والمحتلون في التاريخ، حيث أسقط من حساباته إرادة الشعب الفلسطيني والأمة العربية، لا النظام الرسمي العربي، والتي لا يمكن لها أن تفرّط بأقدس مقدساتها وحقوقها الوطنية والقومية طال الزمن أم قصر.
والرهان على إرادة الشعب الفلسطيني وأمته العربية وقوة الحق ليس نوعا من المثالية ولا الخيال، فالطاقات النضالية الكامنة كبيرة، ولا يمكن لترامب ولا لنتنياهو أن يقفا بوجهها لإعادة تصحيح التاريخ واستعادة الحقوق.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock