أفكار ومواقف

صفقة القرن بعقل بارد

رغم أنها واقع معاش، فإن الصفقة كما بلورتها الوثيقة المعلنة شكلت صدمة، ولكن لنفكر بها بعقل بارد، وذلك لنحاول الوقوف على المرجعية الفكرية للقائمين عليها، والحقيقة أنهم صريحون وعلنيون فيما يصدر عنهم.
تقوم الصفقة في تصوري على “عقيدة”، إن أرض “إسرائيل” الدولة المعاصرة هي أرض “الله” الموعودة، وهذه العقيدة دينية سياسية أساسها موجود في “توراتهم”، فمثلا ورد في سفر التكوين 15:18-21: “وفي ذلك اليوم قطع الرب مع ابرام عهداً، وقال :لنسلك أعطي هذه الأرض من نهر مصر إلى النهر الكبير، نهر الفرات – أرض القينيين والقنزيين والقدمونيين والحثيين والفرزيين والأموريين والكنعانيين والجرجاشيين واليبوسيين”، وقال أيضا له : “أنا الرب الذي أخرجك من أور الكلدانيين لأعطيك هذه الأرض للاستيلاء على ذلك”. يعني وببساطة أرض الميعاد بين النيل والفرات ليست أرضهم ولكن الاستيلاء عليها جائز بل هو أمر رباني.
وقد انعكست هذه العقيدة في نصوص صفقة القرن على النحو التالي : في السطر الأول من الوثيقة ساوت الصفقة بين الفلسطينيين والإسرائيليين في المعاناة وبهذا أسقطت عن الإسرائيلي وصف المحتل، فلم يعد هو محتلا ولا عادت أرض فلسطين محتلة، وأسقطت بذلك أيضا ما يقارب سبعمائة قرار للأمم المتحدة ومائة قرار من مجلس الأمن حول فلسطين فيها إجماع تقريبا على وصف “إسرائيل” بأنها دولة احتلال، وقد دعت تلك القرارات لانسحابها من أرض الضفة العام 1967، واعتبرت الصفقة أن الأمم المتحدة فشلت في إيجاد حل وأن الاحتلال ماض لا جدوى من الرجوع عنه بحجة النظر للمستقبل.
منحت الصفقة للفلسطينيين دولة موعودة هي في حقيقتها لا تعدو أن تكون كيانا دون سيادة ولا حدود، ومنعتها من إقامة علاقات دولية من اتفاقيات ومعاهدات، لماذا؟ حتى يسهل إزالتهم في المستقبل في أي وقت من طريق دولة “إسرائيل”.
وأيضا الصفقة ــ وهذا امر في غاية الأهمية ــ بينت الأراضي التي ستضمها “إسرائيل” من أراضي الضفة، ولكنها لم تحدد نهائيا حدود دولة “إسرائيل” ذاتها، وكيف تحددها؟ وقد حددتها توراتهم بأنها من النيل إلى الفرات، والقدس الموحدة عاصمة لإسرائيل، وأعطت الفلسطينيين “عاصمة” ليست في القدس الشرقية ولكن شرقي القدس.
الصفقة لا ترى في الفلسطينيين سوى عائق في سبيل تحقيق “إسرائيل اليهودية”، وأذكر هنا أن ترامب ذاته اصدر العام الفائت مرسوما اعتبر اليهودية قوميةً بذاتها، ولهذا عملت الصفقة بجد على حصر غير اليهود في كيان يسهل الانقلاب عليه في أي وقت عندما يكون الوضع الديمغرافي جاهزا لدولة “إسرائيل”، فجمعتهم وربطت بينهم بطرق وممرات يسهل السيطرة عليهم عسكريا وأمنيا.
الصفقة أسقطت عن الفلسطينيين صفة النزوح أو اللجوء، وأنكرت حق عودتهم لوطنهم، ولكنها أعطتهم حق الهجرة أو اللجوء أو الاستيطان في أي مكان يريدونه بعيدا عن دولة “إسرائيل”، وهذا الحق ليس لمن خرج فقط بل لمن هو موجود الآن في فلسطين، لا بل أنها رحبت من خلال ما سمته بالاندماج الاقتصادي بخروج الفلسطينيين من أرضهم.
ما أريد قوله إن صفقة ترامب الجديدة تشكل وعدا على شاكلة وعد بلفور، هو وعد صادر ممن لا يملك لمن لا يستحق، وقد يكون مثله مرفوضا من أغلب دول العالم الآن، لكنه مثل وعد بلفور يقوم على الضم المقسط، وعلى النمو الفيروسي للاحتلال ببطء وجلد وتخطيط وتفكير، وهذه المرة صار واضحا أن لا حدود لهذا الزحف أو على الأقل أن حدود فلسطين التاريخية ليست بالضرورة نهاية طموح هذا الزحف، نعم هذا الوعد لأجيال قادمة وزمن قادم فقد كان ما يملكه اليهود من أرض العام 1921 يقارب 22000 كم مربع، واليوم تسيطر “إسرائيل” على ما نسبته 78 % من أرض فلسطين التاريخية، قد يبدو هذا الكلام معروفا، ولكن إن كان معروفا فإنه غير مدرك، وإن كان مدركا فإنه غير متدبر، ولهذا فإن على الأردن دولة وشعبا ومؤسسات التعامل مع الصفقة، باعتبارها تحديا وجوديا لكيانها وشعبها وهذا يتطلب أعلى درجات المسؤولية في التعامل معها، ولكن يظل السؤال كيف للأردن ان يتعامل مع المعطيات المباشرة والمرجعيات الفكرية لهذه الصفقة، وفي هذا كلام قادم جنابك!!

انتخابات 2020
28 يوما
#الأردن_ينتخب
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock