أفكار ومواقف

صفقة القرن.. هل انتهت فعلا؟

الأجواء العربية والعالمية لم تعد مشبعة بالحديث عن صفقة القرن كما كانت في الاسابيع والاشهر القليلة الماضية، فقد خبا الحديث عن الصفقة وقلت التسريبات حول مضامينها وبنودها واحتمالات تأثيرها على شعوب وأنظمة وبلدان المنطقة. تراجع الحماس للصفقة يعود لعوامل عديدة ليس اقلها مقاومة ورفض الاطراف المعنية لها وتغير المشهد السياسي في إسرائيل اضافة إلى تغير اهتمامات الولايات المتحدة بالتزامن مع اعلان اسماء المرشحين للانتخابات الرئاسية القادمة.
في تعيين مساعد وزير الخارجية الأميركي لشؤون الشرق الأوسط ديفيد شينكر اشارة جديدة حول تغير أو ربما تأجيل في طرح المقترح الاميركي لحل اكثر القضايا العالمية استعصاء على الحل. السؤال الذي قد يبقى عالقا هل سيغير دخول شينكر من الادوار التي يقوم بها كوشنر أم أن الخل أخو الخردل؟
بعيدا عن الجدل الذي تثيره الاوساط العربية حول مواقف الاطراف العربية والعالمية من خطة السلام المزعومة بين العرب وإسرائيل، ودون النظر إلى الخطط والتحضيرات التي يقوم بها البعض على هيئة ورشات ومؤتمرات تحضيرية للخطة الاميركية التي اتفق على تسميتها بصفقة القرن فإن الجانب الإسرائيلي لا يبدي حماسا كبيرا لاستقبال هذه الصفقة ولا يرغب بالاطلاع على تفاصيلها ايا كانت بنودها وشروطها، فالإسرائيليون لا يريدون ان يتنازلوا عن شيء ولا يرغبون في الالتزام بما قد يثنيهم عن اهدافهم وتطلعاتهم التوسعية. وما فلسطين إلا جزء من الدولة اليهودية التاريخية التي يطمع الصهاينة في بنائها على مراحل.
المعارضة الأردنية والفلسطينية للصفقة عوامل مهمة في اضعاف قوة الدفع والحماس العربي للصفقة لكن العامل الابرز والاهم ارتبط بتعثر جهود تشكيل الحكومة الإسرائيلية والعودة إلى خيار حل الكنيست واجراء انتخابات جديدة. وحتى لو نجحت مساعي نتنياهو في تشكيل حكومة ائتلافية فقد كان الإسرائيليون يعولون على رفض الفلسطينيين للصفقة ليقولوا إن العرب لا يريدون السلام، ويمضي الإسرائيليون في تنفيذ مخططاتهم.
بالنسبة للاحزاب الإسرائيلية؛ الحاكم والمعارض منها هناك استراتيجية واضحة يعمل الجميع على خدمتها وإن اختلفت التكتيكات فالهدف الأسمى هو بناء دولة اليهود على الحدود التوراتية التاريخية والابتلاع التدريجي للأرض والتخلص من سكانها.
للقيام بذلك يعمل اليهود على شيطنة الفلسطينيين وحشد التأييد السياسي العالمي والأميركي لمخططاتهم وإلهاء العرب في مفاوضات وأدوار ونزاعات واعتبار هذه النزاعات سببا في تأخر المفاوضات ومبررا لاستمرار الاحتلال خشية التهديد الذي تمثله القوى الفلسطينية لأمنهم وبقائهم.
الاستراتيجية الصهيونية التي نجحت في ابتلاع الأرض وطرد السكان وتحييد المعارضة الدولية تعمل ومن خلال الابقاء على السلطة الوطنية لخلق انطباع وهمي برغبتها بالتفاوض في الوقت الذي تمارس فيه نشاطها الاستيطاني وتغيير الواقع على الأرض وتحويل اتجاهات وقيم ومواقف العديد من القيادات العربية من معارضة إلى مؤيدة لما تقوم به إسرائيل.
ايا كانت الصفقة ومستقبلها فإن القيادات الإسرائيلية تحتفل بكونها نجحت في تحقيق بعض المكاسب التي راكمت الانجازات على طريق تحقيق الحلم الصهيوني الذي يعمل الجميع على خدمته. لقد استطاع نتنياهو واللوبي الداعم لإسرائيل أن ينتزعوا اعترافا من ترامب بالقدس عاصمة ابدية لإسرائيل وتمكنوا من اقناعه بأهمية نقل السفارة، واستطاع نتنياهو السير في مشروعه الاستيطاني بلا اعتراض أميركي.
في خطوة لم يجرؤ احد على اتخاذها من قبل. عمل ترامب على وقف دعم الانروا وايقاف عمل المكتب التمثيلي الفلسطيني في واشنطن وتكثيف الضغوط على الفلسطينيين دون ان تتعطل اي من المخططات الصهيونية في الاستيطان والتهويد والتضييق على الشعب الفلسطيني. السياسة الصهيونية القائمة على مبدأ قضم الاراضي وهضمها والخفض المستمر لتوقعات الفلسطينيين وادخالهم في دوامة المفاوضات العبثية تحقق انجازات متتالية دون الحاجة إلى مباركة او تأييد من أحد. من هنا فإن الصفقة قد تشكل عائقا لهذه الخطط، الامر الذي يجعل الترحيب بها ضربا من النفاق والتظاهر بأنهم يريدون السلام في حين ان إسرائيل تعلم جيدا انها تتقدم وتحقق انتصاراتها بسبب غياب اي استراتيجية عربية للحد من التوسع والطموحات الصهيونية الواضحة والثابتة.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock