صحافة عبرية

صفقة القرن” هي إعادة النزاع 100 سنة للوراء

هآرتس

شاؤول اريئيلي

21/2/2020

لقد احتاجت الحركة الوطنية الفلسطينية إلى 71 سنة من اجل الانضمام إلى المجتمع الدولي من خلال الاعتراف بقراراته. وإسرائيل احتاجت إلى 15 سنة من اجل الموافقة على قرارات الأمم المتحدة كأساس لتسوية النزاع مع الفلسطينيين. وبرعاية الرئيس الأميركي دونالد ترامب كانت تكفي إسرائيل برئاسة بنيامين نتنياهو 4 سنوات من اجل التراجع عن ذلك. “صفقة القرن” هي إعادة النزاع 100 سنة إلى الوراء، إلى زمن وعد بلفور وبداية النزاع.
وعد بلفور في العام 1917 وصك الانتداب في العام 1922، اللذان دعيا إلى اقامة وطن قومي لليهود، قادا إلى سياسة فلسطينية تريد إصلاح الظلم التاريخي الذي وقع على الفلسطينيين، لأن “مبدأ تقرير المصير لم يطبق على فلسطين في الوقت الذي وجد فيه الانتداب في العام 1922، بسبب التوق إلى التمكين من اقامة وطن قومي لليهود”، مثلما ورد في تقرير لجنة التقسيم من العام 1947.
على مدى 71 سنة رفض الفلسطينيون أي قرار دولي اعترف بإسرائيل – بدءا من لجنة بيل في 1937 ومرورا بالكتاب الأبيض في 1939 وانتهاء بقرار التقسيم 181 وقرار 194 وحتى قرار 242 و338. هذه السياسة التي رافقتها نشاطات حربية ضد إسرائيل، كانت حبلى بالكارثة من ناحيتهم، وأدت إلى حدوث النكبة وعدم وجود دولة.
السلام بين إسرائيل ومصر وانهيار الاتحاد السوفييتي والانتفاضة الأولى وظهور قيادة فلسطينية بديلة ودخول حماس كمعارضة، كل ذلك أدى إلى التغيير. ففي العام 1988 اعترفت منظمة التحرير الفلسطينية للمرة الأولى بالقرار 181 الذي كان معناه تقسيم البلاد ودولة للشعب اليهودي، وقرار 242 الذي معناه أن “الدولة الفلسطينية لا تشمل أكثر من 22 % من فلسطين التاريخية”، مثلما صرح الرئيس محمود عباس في العام 2008. أي أن الفلسطينيين وافقوا على أن تشمل دولتهم الضفة الغربية وقطاع غزة وعاصمتها في شرقي القدس. وأن يتم ايجاد حل متفق عليه لقضية اللاجئين بروح اقوال النائب السياسي لعرفات، صلاح خلف (أبو اياد) للأميركيين في العام 1988: “إن حق العودة لا يمكن أن يتحقق من خلال المس بمصالح إسرائيل… يجب أن لا يشكل عائقا لا يمكن تجاوزه”.
إسرائيل دخلت إلى عملية اوسلو في 1993 برؤية مختلفة. فقد ارادت ترجمة مصالحها الثلاث خلف الخط الأخضر، الأمن والأماكن المقدسة في القدس والمستوطنات، إلى ضم اراضي في الضفة بدون مقابل. اسحق رابين عرض في 1995 رؤيته على الكنيست، والتي بحسبها “الحل الدائم نراه في اطار حدود دولة إسرائيل، التي ستشمل معظم اراضي دولة إسرائيل… وإلى جانبها كيان فلسطيني يكون وطنا لمعظم الفلسطينيين في قطاع غزة والضفة الغربية. نحن نريد أن يكون هذا الكيان أقل من دولة”.
أهود باراك، وهو أول شخص بدأ بالمفاوضات من اجل التوصل إلى الحل الدائم، رأى الأمور بصورة مشابهة. ففي كامب ديفيد 2000 اقترح “ضم أراضي لا تقل مساحتها عن 11 % ويعيش فيها 80 % من المستوطنين، إلى اسرائيل”، وأن “إسرائيل ستقوم بالسيطرة لبضع سنوات على نحو ربع غور الأردن من اجل ضمان السيطرة على المعابر التي توجد بين الأردن وإسرائيل”. وبالنسبة للقدس اقترح باراك أن الاحياء الإسلامية الخارجية سيتم نقلها للسيادة الفلسطينية (الـ 22 قرية التي قامت إسرائيل بضمها في العام 1967). والاحياء الإسلامية الداخلية (القدس الشرقية الاصلية) ستبقى تحت سيادة إسرائيل. بعد نشر “خطة كلينتون” في كانون الأول 2000 قام باراك بالتقدم خطوة أخرى تجاه الموقف الفلسطيني، في طابا 2001. ولكنه بقي متمسكا بضم 6 – 8 % من الضفة بدون مقابل.
الشخص الأول الذي فهم أن اطار المفاوضات ممكن هو اهود اولمرت، في عملية انابوليس في 2008، بعد 15 سنة على الاعتراف المتبادل بين إسرائيل وم.ت.ف. إن فهم اولمرت لم يكن نتيجة اعتراف صادق بحق الفلسطينيين، بل رؤية حكيمة للواقع القائم.
في مقابلة أجراها مع صحيفة “معاريف” في 2012 شرح اولمرت: “من المفهوم أنني لو كنت استطيع العيش في كل جزء من ارض اسرائيل والعيش بسلام مع جيراننا والحفاظ على طابع دولة إسرائيل اليهودي والحفاظ عليها ايضا كدولة ديمقراطية والحصول على دعم المجتمع الدولي، عندها كنت سأفعل ذلك. ولكن هذا غير ممكن. وعندما يكون الأمر غير ممكن فان قيادة مسؤولة يجب عليها الاعتراف بذلك… والتنازل عن سياسة شعبوية رخيصة والتصرف بمسؤولية واحترام”.
بوساطة وزيرة الخارجية الأميركية في ادارة بوش الابن، كونداليزا رايس، وافق الطرفان على المبادئ التالية: الحدود – خطوط حزيران 1967 كأساس (مع تبادل اراضي بنسبة 1:1)؛ الأمن – نزع سلاح الدولة الفلسطينية وترتيبات أمنية واسعة؛ القدس – تقسيم القدس إلى عاصمتين بدون تغيير الوضع القائم للاماكن المقدسة؛ اللاجئون – حل مشكلة اللاجئين عن طريق عودتهم إلى الدولة الفلسطينية أو دفع التعويضات لهم.
على اساس هذه المباديء كان الاقتراح الفلسطيني، الذي لا يتم ذكره في الخطاب الاسرائيلي الآن، تبادل اراض بمساحة 1.9 % من اراضي الضفة وغزة، التي كانت ستسمح ببقاء 63 % من الإسرائيليين الذين يعيشون خلف الخط الأخضر في بيوتهم (وقد قدم اقتراح آخر بدون خريطة، كان سيمكن ابقاء حوالي 75 % من الاسرائيليين)؛ دولة فلسطينية منزوعة السلاح (“محدودة التسلح”)؛ ضم الاحياء اليهودية في شرقي القدس إلى اسرائيل، باستثناء جبل أبو غنيم، وضم حائط المبكى والحي اليهودي ونصف الحي الارمني وباقي جبل صهيون، وعودة حتى 100 ألف لاجيء فلسطيني إلى داخل اسرائيل ودفع التعويضات للاجئين.
الاقتراح الاسرائيلي كان تبادل اراضي بمساحة 6.5 % من اراضي الضفة وغزة مع 85 % من الإسرائيليين الذين يعيشون خلف الخط الاخضر، نزع سلاح الدولة الفلسطينية، ضم جميع الاحياء اليهودية في القدس وبيت صفافا العربية واقامة نظام خاص في “الحوض التاريخي” وعودة 5 آلاف لاجئ ودفع التعويضات للاجئين.
وعن الفجوة بين الاقتراح الإسرائيلي والاقتراح الفلسطيني قال اولمرت في 2012: “لقد كنا على وشك التوصل إلى اتفاق سلام. والفلسطينيون لم يرفضوا اقتراحي ولا مرة. وحتى لو كان هناك جهات ادعت ألف مرة بأنهم رفضوا اقتراحي فان الواقع كان مختلف. هم لم يوافقوا عليه، وهناك فرق. هم لم يوافقوا عليه لأن المفاوضات لم تنته، لقد كانت على وشك الانتهاء. لو أنني بقيت رئيسا للحكومة اربعة اشهر حتى ستة اشهر اخرى، فانني واثق بأنه كان يمكن التوصل إلى اتفاق سلام”، اولمرت عاد وكرر أقوالا مشابهة في هذا الأسبوع في محاضرة في شمال البلاد.
نتنياهو بدأ ولايته الثانية بخطاب بار ايلان المشهور في 2009. وهو الخطاب الذي لم يفهمه الكثيرون، وعلى رأسهم والده بن تسيون نتنياهو، الذي قال إن إبنه “لا يؤيد دولة فلسطينية، بل فقط بشروط لن يوافق عليها العرب في أي يوم. لقد سمعت هذا منه”. (القناة الثانية في 8 تموز 2009). نتنياهو اختار تجاهل كل العملية والتغييرات التي ذكرت هنا. وتمسك بموقفه من العام 1993، الذي يقول “النزاع ليس على اراضي معينة من البلاد، بل على كل البلاد، النزاع ليس جغرافي بل وجودي. الموضوع الذي يقف على رأس الاجندة ليس هل ستمر الحدود في هذا المسار أو ذاك، بل الوجود القومي الإسرائيلي. هم لا يريدون دولة فلسطينية إلى جانب اسرائيل، بل دولة بدلا من إسرائيل” (في كتاب آري شبيط “تقسيم البلاد” 2005).
ليس مفاجئا أن نتنياهو لم يعرض خريطته وبرنامجه في أي يوم من الايام على الرئيس براك اوباما. موقفه كان بعيدا جدا عن المعايير التي تم الاتفاق عليها في انابوليس. ترامب، جارد كوشنر ودافيد فريدمان كانوا “طبق الاجار” المناسب لتطوير رؤيته، التي تمت بلورتها مع اليمين المسيحاني الوطني المتطرف برئاسة نفتالي بينيت واييلت شكيد. الطاقم الاميركي عمل على ذلك ونشر اقتراحه.
وعلى الرغم من أن صائغي “صفقة القرن” اختاروا عنوان “حل الدولتين”، إلا أن الاقتراح كان مسا خطيرا بكل ما تم انجازه حتى الآن. الخطاب السياسي في إسرائيل هو عودة لـ 15 سنة إلى الوراء، إلى وهم امكانية التوصل إلى اتفاق بدون تنازل عن الضفة الغربية؛ والخطاب الفلسطيني يمكن أن يعود إلى الخلف مدة 100 سنة – السعي إلى دولة واحدة مع أكثرية عربية (قبل عودة اللاجئين).
في تفاصيل الاقتراح، التي تختلف جوهريا عن أسس انابوليس، تم بصورة متهكمة استخدام مفاهيم ميزت خطاب السلام حتى عودة نتنياهو إلى الحكم في 2009: دولتان، تبادل للاراضي، دولة منزوعة السلاح، عاصمة فلسطينية وما شابه. هذا يدل على الجهل المهني في مجال الامن والجغرافيا والقانون. لا توجد أي جهة مهنية أميركية في مجلس الأمن القومي أو في وزارة الخارجية لم تكن شريكة في اعداد هذا الاقتراح.
“الدولة” الفلسطينية المقترحة هي منطقة بدون تواصل جغرافي وبدون حدود خارجية خاصة بها، وهي الخصائص تحولها إلى جيب واحد كبير مع حدود طولها تقريبا 1400 كم – 1.5 ضعف طول حدود إسرائيل الآن. داخل هذا الجيب سيكون 15 جيب إسرائيل (مستوطنة) وداخل إسرائيل سيكون 54 جيبا فلسطينيا (قرية).
التجربة الدولية تعلمنا بأنه باستثناء حالة هولندا وبلجيكا فان الجيوب ليست حل قابل للتطبيق بين طرفين لهما تاريخ عنيف. الجيش الاسرائيلي سيتحول إلى جيش للدفاع عن الجيوب، والحدود المتعرجة لن تسمح بوجود انظمة اقتصادية منفصلة ولن تسمح للفلسطينيين بالانفصال عن الغلاف الضريبي المقيد القائم الآن.
نصف الاراضي التي ستضم إلى إسرائيل هي بملكية خاصة فلسطينية، الامر الذي يقتضي ترتيبات، التي لن تكون في متناول إسرائيل. الاقتراح بأن تكون “العاصمة” الفلسطينية في الاحياء التي تقع خارج اسوار القدس – كفر عقب، سميرا ميس، مخيم شعفاط للاجئين، بضم قرية أبوديس – غير مناسب من أي ناحية. في هذه الاحياء البناء غير مخطط وبدون معايير، ولا توجد فيها بنى تحتية ومؤسسات عامة، ولا تقع على خطوط المواصلات الرئيسية وهي غير قريبة من مراكز الاقتصاد ذات الصلة.
يجب على “صفقة القرن” أن يتم حفظها وأن تختفي. لن يكون لها شريك عربي. الرد العالمي يدلل على أنه ليس فيها ما من شأنه أن يشرعن ضم اسرائيلي ما. تداعياتها من شأنها أن تلحق باسرائيل ضررا كبيرا. هي تريد منح شرعية للوضع القائم والذي فيه يتواجد نظامان قانونيان مختلفان على نفس قطعة الارض، على اساس معيار اثني، ويضاف إلى ذلك ضم، سيحوله إلى ابرتهايد. أو حسب اقوال بن غوريون في العام 1948 سيحوله إلى ديكتاتورية الاقلية.
الضفقة تضر جدا بـ م.ت.ف والتي تحاول منذ 1988 أن تقود خطاب سياسي من اجل حل النزاع على حساب النضال المسلح. هذه الصفقة ستدفع باتجاه الغاء التنسيق الأمني مع اسرائيل. هي تضر بقيمة المواطنة باقتراحها نقل مواطني إسرائيل العرب إلى فلسطين. هي تمس سلطة القانون وحق الملكية بشرعنتها لبؤر استيطانية غير قانونية اقيمت على أراض فلسطينية مسروقة. وأخيرا، ستشجع هجرة فلسطينيين من الاحياء التي تقع خارج الجدار إلى داخل مدينة القدس وتجبر على القيام بهجرة يهودية عكسية، وتغيير الميزان الديمغرافي الذي يتطور لغير صالح اليهود منذ 52 سنة. يمكن أن نرى في اقتراح ترامب شرعنة للضم – حيث أن ضما جزئيا أحادي الجانب من قبل إسرائيل سيضطرها في نهاية المطاف إلى ضم جميع الضفة، والتدهور نحو مواجهة عسكرية وسياسية متواصلة، وإلى حدوث شرخ عميق في وعي الإسرائيليين والاضرار بشدة باقتصادها. الحكمة يجب أن تأتي. كل من يعتبر نفسه بديلا للحكومة الحالية يجب عليه رفع صوته وتبني المبادئ التي تم الاتفاق عليها في انابوليس 2008، والتي ستمكن من تسوية النزاع.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock