أفكار ومواقف

صناعة الأخلاق

الأخلاق أقدم من الديانات السماوية والأرضية، وقد اهتم الإنسان بدراسة ماهيتها حتى صارت علما يمكن تعريفه بأنه: علم هيئة السجية الإنسانية حَسَنها وقبيحها، ورغم أن القبح والحسن مفهومان متدحرجان عبر الحضارات وأيضا عبر الذوات الإنسانية، إلا أن الإنسان بما هو إنسان تعارف على ” أخلاق طبيعية ” -إن صح التعبير- ،فالقتل مثلا هو خلق قبيح عبر الحضارات والكذب سلوك مذموم عبر الزمان.
والأخلاق مع أنها سجية بشرية تلقائية تكوّن ماهية الفرد السلوكية إلا انها سجية يمكن تشكيلها أو تعديلها فهي ليست قدرية ، ولهذا فإن معظم أنبياء الارض والسماء جاؤوا بمهام أخلاقية للحض او لاستحداث خلق حسن جديد أو لمحاربة خلق قبيح، ولهذا فإن الأخلاق تصنع صناعة واعية وقد يكون ذلك ضمن مشروع إصلاحي إنساني كمشروع بوذا والبوذية، او تصنع ضمن رسالة دينية كالرسالة المحمدية – عليه السلام – والتي قامت على ” إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق ” وقبلها رسالة المسيح -عليه السلام حيث بشر: “لم أرسل إلا إلى بيت إسرائيل الضالة”. أوروبا خارجة من عصور الظلام الوسطى اهتم فلاسفتها بدراسة علم الأخلاق اهتماما عظيما، ووضعوا لها أسسا معياريةً، فالاخلاق عند الفيلسوف كنت كانت تقوم على الواجب والعقل، وآخرون اقاموا الاخلاق على مبدأ النفعية، بمعني أن منفعتي الشخصية هي أساس حسن الفعل والخلق أو قبحه وما يهمنا هنا أنهم حاولوا وضع مرجعية فلسفية للاخلاق باعتبار ذلك أهم أساس لازم لتشكيل المجتمع.
مجتمعاتنا العربية كما فشلت في الصناعة والتكنولوجيا فقد فشلت أيضا في صناعة الأخلاق، ودون الدخول في التفاصيل فإن كل وعظ الجوامع والكنائس وكل حملات المجتمع المدني ومؤتمراته وكل البرامج الصباحية الحالمة لم تنجح في وقف تدهور قيم المجتمع ولا سلوكياته الأخلاقية اليومية، فمنذ كانت عمان قرية ونحن نقول : “قذف الفضلات من السيارة خلق قبيح” ولكنه يستمر، ومنذ برنامج الحج مازن القبج – رحمه الله – التلفزيوني الشهير، ونحن ” نستنكر ضرب المرأة وإهانتها، ومنذ كل خطب الجمعة وصلوات الأحد المنقولة حية على الهواء ونحن نعظ: إن اجترار الإشاعات حرام وتداول الأخبار الكاذبة وبال، وأن الستر خلق عربي أصيل يجب التحلي به، ومع ذلك ما يزال المصلي يركن سيارته امام موقف جيران الجامع أو الكنيسة، وما يزال العلماني يرمي عقب سيجارته أو سيجاره الفاخر من السيارة، وما تزال المرأة تُسْمل عينيها ظلما وعدوانا وما تزال المرأة نفسها تُنكر على أختها نضالها من أجل كرامة المرأة كإنسان.
كيف يمكن لعاقل أن يصور دماء سياح أجانب ويضعها على وسائل “التواصل الاجتماعي” أليس للمريض او الضحية حرمة؟ كيف نقبل أن ننتفض على سمل عيني امرأة جرش او على بشاعة ما فعلته سيدة الزرقاء، وأغلب النساء تُسمل أعينها ولو كن مبصرات وتقطع أرجلهن ولو كن ماشيات وتشوه وجوهن ولو كن متجملات، كيف نقبل ان يستمر هذا المجتمع بتكبيد المرأة الثمن في جسدها كأنثى إساءة وتعنيفا؟ وفي أمومتها كأم ظلمًا وحرمانًا؟ وفي شخصيتها كإنسان سلبًا وإنكارًا؟ كيف فوق ظلم المجتمع ورجاله تكيد المرأة نائبة كانت أم مسؤولة أم مثقفة لأختها في مسيرة رفع الضيم عن الأنثى في مجتمعنا فقط لأنها لا تشاركها الرأي أو الهيئة أو المظهر. كيف ننام وهناك 8000 أسرة لا تجد قوت يومها ونحن نتيه على قوائم الطعام الإلكترونية حيارى هل نطلب الدجاج محمراً أم نصف محمر، كيف ندعي الفضيلة والعفة ومنا من يدفن رأسه في الهاتف اثناء القيادة على اوتوستراد عام يشاهد فيديو لحفل مطرب ما او لإرسال “مسج ” لضرورة قلب طنجرة المقلوبة قبل الوصول للبيت معرضين الناس لخطر الموت على الطرقات.
مذهل حجم ما ندعيه من غيرة على الأخلاق وبنفس الوقت ما نقبله من تردي حالة الأخلاق وسلوك الفرد، وهنا نعود للتعليم باعتباره الأساس في غرس قيم الأخلاق وسلوكيات الفرد الحسنة ونبذ القبيحة، ومن وراء التعليم الأسرة والمجتمع بأسره ، لم يعد كافيا لعن الظلام، يجب أن نفعل شيئا نتفق عليه جميعا وليكن منظومة اخلاقية بغض النظر عن الاختلاف في العرق أو الدين أو الجنس. فاهم علي جنابك؟

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock