أفكار ومواقف

صناعة الخير والاتجار به

لو ان التلفزيون الأردني يفعل خيرا ويوقف الإعلان التجاري، الذي يبث منذ شهر رمضان ويقدم شركة تروج لنفسها من خلال تقديم مساعدات لإحدى العائلات الفقيرة في إحدى المناطق الأردنية النائية.


ولو انتبه الناس لوجدوا أن إحدى الشركات الكبيرة التي تقدم بعض المنح المحدودة لطلبة الجامعات الفقراء تخصص إعلانات وحملات تسويقية على هذه المنح تكلف عشرات أضعاف ما تقدمه للطلبة.


صناعة الخير في الكثير من المجتمعات، ومنها للأسف المجتمع الأردني، أصبحت لدى البعض وسيلة للاتجار بمعاناة الناس واستثمارها لمصالح اقتصادية وتسويقية بحتة أو توظيفها لأغراض الدعاية الاجتماعية والسياسية، ما يجعل هذه الصناعة التي تعد واحدة من أنبل أشكال العطاء الإنساني عبر التاريخ تنحرف عن أهدافها بل تصبح أداة وغطاءً يوفر الشرعية لأسوأ أشكال الاستغلال والنهب.


في كل بلاد الدنيا، وعبر الأزمنة والحقب، ومهما اختلفت ظروف المجتمعات عبر اختلاف الثقافات يوجد صور وأنماط من صناعة الخير تتقدم حسب ما يملكه كل مجتمع من ثراء قيمي ووضوح أخلاقي أكثر من ثراء الجيوب، فيما تقدمت هذه الأشكال والأنماط  التي تتجاوز مفهوم التكافل الاجتماعي التقليدي الى صناعة حقيقية تقوم على التبرعات والعطاء، وأحيانا بذل الجهد، حتى أصبح النصف الثاني من القرن العشرين مسرحا للمتطوعين في العديد من جهات العالم، حيث قامت هذه الصناعة على اطر مؤسسية من المؤسسات والجمعيات الأهلية وشبه الأهلية التي أسست قطاعا كبيرا يحتل اليوم مساحة لا بأس بها من الاقتصاد العالمي، على هذا المستوى لم تخل هذه الساحة من الشبهات والاتهامات والتشويه أحيانا.


يلجأ أفراد وشركات الى استغلال صناعة الخير وتحويلها الى تجارة لأهداف إعلانية وتسويقية بحتة على اعتبار أن هذا المدخل هو الأقرب للوصول الى وجدان الناس وضمائرهم، لهذا نلاحظ كيف يستثمر العمل الخيري لأهداف إعلانية وتسويقية، وهو عمل غير أخلاقي يجب أن تسأل عنه وسائل الإعلام أولاً قبل الشركات ورجال الأعمال الذين يسيرون وفق قاعدة (يجب ان لا تفعل الخير فقط بل يجب أن يعلم به الآخرون)، ويذهب آخرون الى ذلك بحثا عن الوجاهة الاجتماعية والسياسية أيضا، وفئة أخرى قد تذهب الى الاتجار بالأفعال الخيرية لتغطية أسوأ أشكال استغلال المجتمعات والفقراء والمنكوبين.


في العالم أمثلة عديدة لأسوأ أنماط هذه الممارسات؛ منها ما فعله آل كابون، اشهر زعماء المافيا الأميركية الذي كانت عصاباته تنشر الرعب والموت والقتل ويذهب هو لحضور حفل خيري ينشر فيه المال، وزعيم المخدرات الكولومبي الذي يقال بأنه قام بتدشين أحياء شعبية لإيواء الفقراء بينما دمرت تجارته المحرمة شعوب ومجتمعات بأكملها.


في هذا السياق يبدو مبدأ المسؤولية الاجتماعية للشركات وقطاع الأعمال في المجتمعات التي لم توطن فيها ثقافة حول هذه الممارسة، مرشحا أن يتحول الى مجرد أداة إعلانية وتسويقية رخيصة تفرغ هذا المبدأ من مضمونه التنموي، قد تمر هذه الممارسات على البعض بعض الوقت لكنها في المحصلة لن تخدم المجتمعات ولا حاجاتها التنموية، ولن تعمل -كما يقال- في خدمة اليد الخفية المكلفة بإعادة توزيع الثروات في المجتمع.


صناعة الخير قد تتحول الى أداة تنموية ضخمة، تمنح اولئك الذين يبحثون عن المعنى في الحياة قيمة مضافة للحياة أكثر من القيمة المضافة لرؤوس أموالهم، وتحقق لثرواتهم المزيد من الشرعية والأمان وتمنحهم الاستقرار والشعور بالاندماج مع مجتمعاتهم.


هذا لا يتحقق إلا بالعمل وعبر كافة المداخل التشريعية والسياسية والإعلامية على إصلاح العلاقة بين المجتمع والسوق، وهذه المهمة العاجلة لا تقل أهمية عن إصلاح العلاقة بين السوق والدولة.  

تعليق واحد

  1. اشهار فعل الخير بين السر والعلن
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    لقد أثار مقال الكاتب باسم الطويسي في(الغد) يوم الاثنين 26/10/2009 عن (صناعة الخير والاتجار به) مسألة اعلان واشهار أعمال الخير والبر التي تقوم بها جهات ومؤسسات خصوصا في المواسم الدينية كشهر رمضان،والاعلان عن ذلك في وسائل الاعلام المختلفة،بل وذكر المحسنين والجهات الراعية بالاسم.
    وهنا نطرح سؤالا:هل يجوز هذا الأمر شرعا وخلقا،أم أنه محرم لدخوله تحت بند (الرياء)؟
    والجواب على ذلك هو في التفصيل:
    1- فاذا كان الهدف من الاعلان عن عمل الخير ونشره في وسائل الاعلام لغايات تحفيز جهات ومؤسسات ومحسنين آخرين للاقتداء بهم في احسانهم ،فهذا جائز شرعا،لقوله تعالى:"ان تبدوا الصدقات فنعما هي"..وصدر الآية محمول على ابداء الصدقات أمام الناس للغاية التي ذكرتها.
    2- أما اذا كان الهدف من بيان الاحسان والجهة الراعية لغايات اعلامية وتحسينا لصورة هذه الجهات أمام الناس، فهذا لايجوز شرعا ويدخل تحت بند الرياء كما لا يجوز أخلاقيا لأنه يظهر المنة من الجهة الفاعلة للخير ،قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر اليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم…" ، وذكر منهم:" ..المنان..".
    3- أما اذا كان الاعلان عن البر والجهة المانحة خاليا من أية نية،سواء لجهة تحفيز الآخرين لفعل الخير،أو لجهة (المن) بفعل الخير،فالأولى عدم الاعلان في هذه الحالة ويندب(يفضل) اخفاء هذا الفعل ،لقوله تعالى:"وان تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم و يكفر عنكم من سيئاتكم…".وجه الدلالة: أفعل التفضيل(خير) الذي يدل على أفضلية اخفاء الصدقة،و ترتيب مغفرة الذنوب على الصدقة المخفية فضلا عن قبولها،وزيادة الثواب دليل أفضلية العمل المثاب عليه.
    والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    طارق أحمد محمد عمرو
    دكتوراة فقه وأصوله
    [email protected]

  2. الخير والوجاهة
    هل أبدأ سياق الحديث بالخير أم أجعله مضموناً في سياق الوجاهة؟؟
    قد يحتار المرأ بينهما لبرهةً من الوقت. ولكن ما قد لمسناه في شاشاتنا العربية وما قد تطرق له الدكتور الطويسي يدل على أنهما كلمتان تحملان نفس المعنى والمضمون أو ربما تؤدي لنفس الغاية.
    وما يتبادر للأذهان هنا لما هاتان الكلمتان منفصلتان في السابق في عهد الخلفاء والصحابة؟؟ فكم من صحابي جليل قد أنفق ماله في سبيل الله طالبا الأجر والثواب من الله وحده وليس أن تمتدحه الناس وتثني عليه؟! وكم من فاعل خير دعا الله أن يتقبل عمله من مساعدة المحتاج والفقير؟! وكم وكم …….. أسئلة عديدة تحمل إجابة واحدة ليس إلا. نعم أنه الأجر والثواب هذه غايتنا ليس بأيادي وأنامل توجه نحونا أو لتطرب مسامعنا بكلمات المديح والثناء.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock