فكر وأديان

صناعة العلمانية

د. أحمد ياسين القرالة

بداية لا بد من التأكيد على أنه ليس من هدف المقالة الدفاع عن العلمانية أو التبرير لها، فهذا ليس من وظيفيتي ولا مهمتي، ولكني هنا أحاول بيان الأسباب والظروف الموضوعية التي أدت إلى انتشار العلمانية واعتبارها خيارا حياتيا لا رجعة عنه ولا بديل له في الكثير من دول العالم.
فالعلمانية لم تكن خيارا مبتدأ للمجتمعات التي أخذت بها، ولكنها كانت ردة فعل لواقع ديني صعب ومؤلم أدى إلى مشكلات حياتية وعملية لا حصر لها، ثم أصبحت بما حققته من إنجازات خيارا مثاليا مفضلا في إدارة الحياة وشؤون الحكم.
كانت العلمانية في الغرب ردة فعل لحالة دينية متطرفة وجامحة أخرجت الدين عن مساره وزجت به في غير مجالاته وحمَّلته من التأويلات والتفسيرات ما لا يحتمل، فأصبح الدين عبئا على الحياة وأضحى عائقا أمام حركتها وعقبة كأداء في طريق تقدمها وتطورها، وقد أدى ذلك إلى محاولات عديدة للتمرد عليه والخروج على أرائه وتفسيراته، وأنتج ذلك كله دعوات إلى المطالبة بإقصائه عن واقع الحياة والنأي به عن إدارة شؤون الحياة العامة، واعتباره حالة فردية متعلقة بضمير الإنسان ووجدانه، مجالها الوحيد والأوحد هو دور العبادة وتوابعها، وأصبحت قاعدة “دع ما لقيصر لقيصر وما لله لله” هي المنظمة لشؤون الحياة والمسيرة لأنظمة الحكم والمتحكمة في عالم الاقتصاد.
فالعلمانية قبل أن تكون تصوراً متطرفاً لدور الدين في الحياة كانت منتجاً دينياً، حيث كان للمتدينين بما ذكرنا الدور الأكبر والأبرز في ظهورها وانتشارها واعتبارها الحالة المثلى لإنجاز التطور العلمي والتقني، وهي الوسيلة الفضلى لتحقيق قيم العيش المشترك في ظل التنوع الديني والمذهبي، وهي الأسلوب الأنفع والأجدى للخروج من الخلاف الديني الجامح الذي يسعى فيه كل طرف لتغليب إرادته وفرض معتقده على الآخرين.
وهذه الظاهرة ليست مقتصرة على دين معين ولا خاصة بمجتمع محدد، فكل الأديان عرضة لها، وليس هناك دين بمنأى عنها، فعندما يخرج الدين عن وظيفته الأساسية من كونه وسيلة لإشباع الحاجات الروحية للناس وضبط سلوكهم وتنظيم شؤون حياتهم وتحقيق التكافل الاجتماعي بينهم، ويوم أن يتعسف أصحابه في تفسيره تفسيرات مختلفة للزج به في غير معتركه وتوظيفه في غير وظيفته، فتغدو تفسيراتهم مضادة للعلم ومتناقضة معه، وعندما يصبح الدين سببا للفرقة بين أبناء الوطن الواحد يكفّر بعضهم بعضاً ويمارسون القتل والإرهاب باسمه ولأجله، وعندما يزج به في مجالات غير مجالاته ويسعى المتدينون إلى تغليف كل شيء بغلاف الدين، وحينما يمارس المتدينون ودعاة الدين سلوكيات وممارسات لا تستقيم مع الدين الذي يدعون إليه ويبشرون به، وعندما تكون دائرة المحرمات الدينية أوسع من دائرة المباحات، فتصبح الممنوعات والمحظورات هي قاعدة الحياة وأصلها، فيغدو الدين عدواً للفن والإبداع ومعيقاً لحركة الاقتصاد والاجتماع ومعطلاً للطاقات والمواهب، عندئدٍ يشعر الناس بأن الدين عبء كبير على حياتهم وحمل ثقيل على كاهلهم، تخرج الدعوات المختلفة للمطالبة بتحجيم دوره وتحديد دائرته وبيان مجالاته، بعضها معتدل ومقبول يدعو إلى العودة به إلى وظيفته الأصلية ومهمته الحقيقية، ودعوات أخرى متطرفة تدعو إلى إقصائه كلياً واستبعاده تماماً عن واقع الحياة وشؤونها.
فالعلمانية نتيجة طبيعية لتلك الحالة، فعلى مذاق المقدمات تأتي النتائج دائماً، وهي ثمرة أكيدة لتلك الشجرة، ساهم في صناعتها وإخراجها كل من المتدينين والعلمانيين، أولئك بسوء فهمهم وسلوكهم وهؤلاء بانفعالهم وردات أفعالهم.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock