أفكار ومواقف

صناعة اليأس

وكأن البعض لا يتعلم من التاريخ أو كأنه لا يفهم التاريخ ابتداء، فطرح فكرة أن على الأردن أن يتعامل مع مخرجات ما يجري غرب النهر بـ”واقعية” يتناسى عن وعيّ أو دونه بأن خلق إسرائيل لوقائع جديدة على الأرض إنما هو تكتيك صهيوني كلاسيكي يهدف لتغيير الأمر الواقع سعيا للتوسع على حساب الفلسطينيين، فإسرائيل لا تخشى منهم ولا عليهم عندما تستمر في ذات السياسة التي انتجت “اعتدالا” عند البعض المنادي بتحمل الأردن مسؤولية التدخل بدور أردني.
قلق ينتاب الأردنيين من جراء البحث عن خيارات جديدة لحل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي وبخاصة تلك التي تشير إلى دور أردني مفترض في الضفة الغربية يأتي تحت مسميات مختلفة. فالحديث عن علاقات أردنية فلسطينية بهدف تمكين الشعب الفلسطيني في انتزاع حقه في تقرير المصير هو أمر مرحب به، لكن الحديث عن دور أردني في الضفة الغربية كمدخل لإعفاء إسرائيل من مسؤولياتها وإخراجها من ورطة ديمغرافية تشتد حدتها كلما مر الوقت لهو أمر يثير الشكوك.
من السهل الرد على مقترحات كتاب اليمين الصهيوني والمتماهين معه في الغرب، فهي مقترحات تهدف بنهاية المطاف إلى خلق بدائل لحل الدولتين تساهم في إتمام أخر حلقات المشروع الصهيوني على أرض فلسطين، فآخر ما تفتقت عنه عقول هذه الجوقة من الكتّاب هو أن حل الدولة الواحدة الحقيقي يكمن بتحويل الأردن إلى دولة فلسطينية، ويصب مقال دانيال أربس قبل ثلاثة أيام بصحيفة الوول ستريت جورنال في هذا المضمار إذ حاول بائسا أن يقنع القارئ بأن هناك مبررات “موضوعية” لإعلان الأردن دولة فلسطينية على أن يرافق ذلك ترانسفير سياسي للفلسطينيين غرب النهر. طبعا، لا ينضب عطاء هؤلاء في البحث عن “شركاء” يقبلون بما يطرحون ولا يتسع المجال هناك للحديث عنهم بشيء من التفصيل.
أسوأ أنواع “الشركاء” الذين يقبلون الطرح الصهيوني ليس أولئك الذين ينسقون مع الدوائر اليمينية وبعضهم عمل معهم بواشنطن ويروجون أفكارا في ظاهرها إصلاحي وفي جوهرها توطيني، فهم مكشوفون ولا يمكن لكل مساحيق التجميل أن تخفي هشاشة مواقفهم، لكن الأسوأ هو من يقتنع بأن لا خيارات أمام الأردن سوى الامتثال لمنطق ضعف الاقتصاد والقبول بدور في الضفة الغربية نعرف من الآن كيف سينتهي إذ شاهدنا هذا الفيلم من قبل. بعض السياسيين في الأردن يرددون من دون فهم استراتيجي بأن المساعدات الاقتصادية تفرض على الأردن أن يفكر بأن رفض التعامل مع مخرجات الصراع غرب النهر سيكون له عواقب وخيمة، لكنهم لا يقولون لنا كيف كان فسادهم وضعفهم سببا في دفع الاقتصاد الأردني إلى الحافة! فهم يكتفون بالتنعم بما حققوه من مكتسبات ومزايا وثراء وما يزالون يرددون نفس الترنيمة “عاش الوطن”.
أحد الكتاب يبدي حماسا منقطع النظير ويطالب بأن “يتوسع” الأردن في الضفة الغربية، وآخر طالب في السابق ان يتوسع الأردن في جنوب سورية وغرب العراق! هذا النوع من الكتاب ربما لا يفهم انعكاسات البعد الديمغرافي على مثل هذه الخطوات! فأي اندفاع أردني غرب النهر بصرف النظر عن المبررات وحتى لو نادى بذلك كل من يسكن غرب النهر سيكون له عواقب وخيمة أقلها نقل المعضلة الديمغرافية إلى حيز سياسي آخر معفيا إسرائيل من آخر وأكبر العقبات التي تقف أمام اكتمال المشروع الصهيوني الاحلالي.
بالمقابل علينا أن نعترف أن الأردن بشكله الحالي لا يمكن له الوقوف أمام أي ضغط خارجي حقيقي، فلم ننجح بعد في تحويل التنوع إلى نقطة قوة وما تزال هوياتنا الفرعية تحكم الكثير من سلوكنا السياسي، ولا يمكن عمليا التصدي لما يحاك ويدبر في ليل إلا عندما يكون المواطن شريكا أساسيا في صناعة القرار السياسي، وهنا مربط الفرس!

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock