أفكار ومواقف

صندوق العشيرة

الانطباع الاول يذهب نحو عدم توقع اي جديد في نتائج انتخابات البلديات المزمع اجراؤها يوم الثلاثاء القادم، ما دامت الآليات التقليدية هي المسيطرة على البنى الاجتماعية في السياسة المحلية، وعدم ظهور تغيرات مقصودة تنعكس على خيارات الناس وخبراتهم، لكن السؤال الذي تتطلب اجابته مراقبة حذرة يدور حول مدى امتلاك البنى الاجتماعية التقليدية ذاتها المتمثلة في العشائر ديناميكية ذاتية في التغير، في آليات عملها وفي النخب التي تصعد وفي حدود ادوارها، اذا ما علمنا ان خبرات السياسة المحلية نامية وغير جامدة.


للاسف لم ننشغل بدراسة وتحليل ادوار العشائر في التنمية السياسية بالقدر الذي انشغلنا فيه بذم هذه القوى الاجتماعية التقليدية وتعليق كل خيبات الاصلاح وتعثر جهود التنمية السياسية عليها. ولم يتم الالتفات الى امكانية وجود آليات داخلية قد توجه التغير الاجتماعي والثقافي من داخل هذه البنى التقليدية نحو اطر مدينة تدريجية اي الية الهدم والبناء الداخلي، وربما اعتقدت النخب الناشطة بان الاكتفاء برفض هذه البنى واحالة ضعف التمثيل السياسي اليها اسهل من تغيرها من الداخل، في حين ان تلك النخب حينما يجد الجد تلجأ اليها.


ترتبط دراسة الانتخابات والمشاركة السياسية في المجتمعات المحلية بالمنظور الانثروبولوجي في عدة محاور لعل اهمها محور التنظيم والضبط الاجتماعي، ومحور تطور الوعي الاجتماعي في بيئته المحلية، والتعرف على السلوك الجمعي والقيم وادوات الضبط الاجتماعية والثقافية، والتطور النظمي والاداري والخدمات والابعاد الاقتصادية والاجتماعية والتغير في المواقف والاتجاهات، وانعكاس كل ذلك في الانتخابات والمشاركة السياسية باعتباره ساحة لفحص الوقائع الاجتماعية بانماطها السياسية، كيفما تعبر عنها الجماعات والافراد.


ان التغير في دور العشيرة في السياسة المحلية هو نتيجة تلقائية لمصلحة التغيرات الواسعة في الجوانب الثقافية والاجتماعية حيث تعرّض دور العشيرة الى تراجع كبير في بعض المظاهر، الا ان مكانة العشيرة ما تزال قائمة وبقوة “وان بدأت بالتراجع البطيء”، ويبدو ذلك في التعبير عن انتماء الافراد للعشيرة في الحياة اليومية، اذ لم تعد الجماعات القرابية الواسعة “اي العشائر” هي المؤشر الاساسي في ضبط الافراد وانتماءاتهم.


الا ان العشيرة ما تزال تملك قوة الضبط على جمع افرادها تحت موقف واحد في مواقف التعبير السياسي العلني العام، مثل الانتخابات البرلمانية او البلدية، وان تعارض ذلك مع قناعات الافراد وممارساتهم الفعلية، كما ظهر بشكل واضح في الانتخابات البلدية الحالية.


القيادات الجديدة من المتعلمين والاثرياء يرددون دائما: “اننا نريد مصلحة البلد” والمقصود مدنهم وبلداتهم، وهذا يعني ان دلالة المصلحة اخذت تحتل مكانتها، والمصلحة هي اول ابجدية السياسة، ويمكن ملاحظة انماط تحالفات المصلحة كيف تنمو بالتدريج وبشكل علني فوق اعتبارات الدم والقرابة، وهذا يعني ايضا ان يرتقي الافراد في وعيهم لكي يتجاوزا الانتماء التقليدي للعشيرة او القبيلة.


ولعل النقاشات اليومية لدى فئات الشباب والشابات والمتعلمين تشير الى مظاهر ازمة التغيير والتحول في الولاء من اطار العشيرة الى اطار المدينة وغموض اولوية الوطن, وتشير هذه النقاشات الى مضمون ثقافي مملوء بالتهكم والسخرية من القبيلة ورموزها، الا ان المرحلة التي وصلت اليها هذه الفئات لم تمكن روادها من ممارسة قناعاتهم بشكل واضح على الارض.


احد المظاهر المهمة في اداء انتخابات البلديات التي تعمل المحليات قبل الحكومة على اساس كونها “بروفة” مصغرة للانتخابات النيابية انتشار ظاهرة الاحتكام لصندوق العشيرة، وهذا الصندوق موجود في دورات انتخابية سابقة، لكنه هذه المرة اخذ في الانتشار بشكل واسع. وعلى الرغم من كون هذه الالية قد تعني تقيد حريات الافراد وخياراتهم بما تملكه العشيرة من قوة ضبط اجتماعي، الا انه يمكن النظر اليها في زاوية القدرة على تطوير اليات محلية للعمل الديمقراطي المقيد.


ما يلفت الانتباه في هذه المفارقة هو قدرة العشائر العالية على التنظيم وضمان النزاهة في الصندوق العشيرة وبشكل صارم، وهي القدرة التي تفوق نزاهة الحكومات ولجان المراقبين المحليين والدوليين، هناك صندوق اخر غير الذي تدلى به الاصوات، تدلى فيه بطاقات الاحوال المدنية لحين الانتهاء من التصويت، كي لا يتم التصويت اكثر من مرة او تتعرض البطاقة للكي او التبديل على الطريقة المعروفة.


basimtwissi@hotmail.com

مقالات ذات صلة

انتخابات 2020
43 يوما
#الأردن_ينتخب
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock