آخر الأخبار حياتناحياتنا

“صورنا الافتراضية”.. حينما تصبح ذاكرة الهاتف “وصية” على ذكرياتنا

تغريد السعايدة

عمان– ونحن نقلب صفحات “ألبوماتنا” القديمة بملمسها المخملي المغلف بالذكريات، نشعر وكأننا نبحث عن أنفسنا في زمن ما، نقلب لحظات ذهبت بكل ما فيها، ربما تفاصيل الماضي الحاضرة بالوجدان، وربما لحياة كانت تتسم بالبساطة والعفوية.

تلك الصور بألوانها الحقيقية – وإن بهتت مع خطوط الزمن- وخلفياتها الصامدة، وعفويتنا الصادقة، وضحكات تخرج من القلب؛ باتت “منسية وغائبة” في ظل الثورة الرقمية والافتراضية، وجاء مكانها آلاف من الصور نلتقطها على مدار اليوم بأجهزتنا المتطورة، لكنها “غير حاضرة” ولا تعلق بالذاكرة، تماما كسهولة التقاطها.

وبحركات بسيطة وعفوية على شاشة الهاتف؛ يُقلب كثيرون صورهم وذكرياتهم في معرض الصور الذي بات ذاكرة بحد ذاته مليئة بالتفاصيل، ولكن لكل شيء ضريبته، فكبسة زر واحدة سريعة وعفوية أو بسبب أي خطأ فني في الهاتف، تضيع تلك التفاصيل في لحظة.

في الآونة الأخيرة، تحولت ألبومات الصور للعائلات إلى “ألبومات افتراضية” محسنة الالوان والخلفيات، بل وغابت ملامح حقيقية عن بعضها بسبب لجوء الكثيرين إلى “الفلاتر” لتحسين المظهر، الأمر الذي غيب دفاتر الالبوم من بين أدراج خزائن البيوت.

وعلى الرغم من وجود حجم ذاكرة كبير في هاتفها، إلا أن نور النعيمي لجأت إلى إحدى محلات التصوير الفوتوغرافي من أجل طباعة مجموعة من الصور وتحويلها من الهاتف إلى الصور الورقية المعروفة، والاحتفاظ بها في البوم خاص في بيتها، وهي فكرة راقت لها كثيراً كونها تحافظ على لقطات جميلة من الذكريات التي اسعفتها كاميرا الهاتف لالتقاطها.

وتقول نور إنها شاهدت عرضاً يقدمه أحد محلات التصوير يتضمن طباعة مجموعة كبيرة من الصور بأسعار مناسبة، الأمر الذي شجعها على أن تطبع تلك الصور، كون هاتفها – في إحدى المرات- تعرض للتلف ولم يعد باستطاعتها استرجاع عدد كبير من الصور التي تحمل ذكريات لعائلتها وأطفالها خاصة في مرحلة مبكرة من العمر.

ويحرص كثيرون على تدوين لحظات عائلية عند السفر او الزواج وفي أغلب المناسبات الاجتماعية، وكانت الصورة في السابق تحتاج إلى تحضير عبر زيارة استوديو التصوير، وبعضهم كان لديه القدرة على امتلاك كاميرا خاصة للتصوير، ولكنها تحتاج إلى معمل خاص في الاستوديو لطباعة الصور ويتم حفظها بألبوم خاص لحمايتها من التلف.

ومع كاميرات الهواتف، بات التقاط الصورة سريع وسهل وتحتل اللحظات العفوية والتفاصيل الدقيقة نسبة كبيرة من حجم ذاكرة الهاتف، كما هو الحال في الفيديو، ولكن، بسبب التعقيد التكنولوجي قد يخسر الشخص مئات الصور بسرعة، وقد تكون تلك من سلبيات الالبوم الافتراضي، كما يطلق عليه البعض، كونه “محفوظا الكترونيا”.

“في السابق كانت للصور بهجة أكبر وذكرى أجمل ولحظة محفورة في ذاكرة العقل والآن سريعة خاطفة ومنسية”، هكذا يرى زيد عبد الهادي صور الألبوم الافتراضي، وهو والد لخمسة ابناء، حيث ما تزال عائلته تحتفظ بالعديد من ألبومات الصور التي تضم لقطات للعائلة في مناسبات مختلفة.

وبالرغم من أنه لا يعتبر أن الكاميرا تجذبه في التصوير، إلا أنه يشعر بالسعادة عندما يلتقط له أحدهم صورة عفوية أو في مناسبة معينة، خاصة أن عمله المتراكم يبعده عن التفكير في التصوير، لذلك يرى أن كاميرا الهاتف هي أفضل طريقة لتوثيق الذكريات، ولكنها لا تحمل عمقاً وروحا كما الصورة المطبوعة التي باتت على وشك الاندثار.

دراسة علمية في عدة جامعات كبرى في بريطانيا وكولومبيا، تناولت ظاهرة التقاط الصور والذكريات من خلال كاميرا الهواتف المحمولة بينت أن “الاعتماد على التصوير في الهاتف يجعل الذاكرة أقل تركيزاً والاعتماد على تخزين اللحظة في الهاتف وليس في الذاكرة العقلية”، فيما بينت دراسة أخرى في ذات النطاق أن التصوير بهدف النشر عبر مواقع التواصل الاجتماعي يجعل الإنسان ينظر لنفسه من منظور خارجي وليس من باب حفظ الذكرى واللحظة.

كل تلك الذكريات هي برمتها ترتبط بالمشاعر والأحاسيس والنفسية التي تحكم الإنسان، فليس من السهل ان يقف الشخص ويصور نفسه والموقف او المكان دون أن يتحلى بالراحة النفسية والتقبل للحظة، كما يرى الاختصاصي النفسي التربوي الدكتور موسى مطارنة.

ووفق مطارنة فإن الحالة النفسية المتوازنة والسليمة والإيجابية التي يعيشها الفرد هي ما تدفعه إلى اقتناص اللحظة، وعادة ما تكون تلك الصور تجمع العائلات والأصدقاء وزملاء العمل، او في موقف يشعر فيه بالسعادة والمرح، لذلك يتعمد أن يلتقط صورة لذلك الموقف ليحتفظ بها في قاعدة ذكرياته سواء على الهاتف او في عقله.

ولكن، قد تبقى الصور القديمة ضمن الألبوم الورقي تحمل لحظات جميلة يتذكر فيها الإنسان الموقف بحذافيره، كون التصوير لم يكن بهذه السهولة، لذلك، تكون الصورة مخططا لها، والتي يشدد مطارنة على أن تلك اللحظات عادةً ما تكون افراحا ومناسبات سعيدة أو مواقف فيها تواصل.

ويعتقد مطارنة أن الصور المطبوعة “الورقية في ألبوم الصور” عندما يقلبها الفرد في منزله بعد سنوات طويلة يشعر بالسعادة ويتذكر اللحظات الجميلة مع العائلة والأصدقاء، وفي مناسبات الفرح، وهذا يدعمه نفسياً، بينما قد نجد الكاميرا الآن حاضرة لتوثيق أصعب اللحظات في الشارع وفي الأماكن العامة، وهي غير قابلة للحفظ في الذاكرة العقلية ولكن يمكن الوصول إليها سريعاً عبر محركات البحث في حال كانت صورا عامة.

اقرأ أيضاً:

الهاتف الأرضي.. صندوق للذكريات وكبار السن أكثر المتمسكين به!

الصور الفوتوغرافية غير الرقمية والرسائل التي خطت باليد سجل باق للذكريات

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock