أفكار ومواقفرأي في حياتنا

صور لامعة على ورق فاخر

نحن نقضي الوقت بالرسم؛ رسم أحلامنا، ورسم أبطالنا، ورسم جوائزنا، والنهايات السعيدة التي سنحصل عليها. وهنا بالضبط الخيبات التي تصيبنا؛ حين تتحطم صور كثيرة رسمناها، هي غالباً ليست خيبات بالمعنى المضبوط، بل هي سوء تقدير، أو قلّة خبرة بالرسم!
ثمَّ نخطئ ثانية، حين نفرط في الإحساس بالخيبة، وسوء الظن في الصور التي تحطمت، وفي أصحابها؛ رغم أنهم أبرياء تماماً مما أصابنا، بل ربما هم ضحايانا؛ حين حمّلناهم أكثر مما يطيقون، وجلسنا ننتظر منهم تنفيذ وعود لم يصرفوها.
الصور التي نرسمها نحن للأشخاص، ليست هي صورهم الحقيقية، فهي غالباً، أو حتى دائماً، مُزوّقة ومثالية وبألوان غاية في الإبهار.. حتى لو كانت ألوانهم الحقيقية باهتة ومنهكة ولا التماعة فيها.
نحن نرسم للناس الصور التي نحب أن نراهم فيها، وبمقاسات فضفاضة، تفاجئهم هم أنفسهم لو رأوها!
وكلنا آخر الأمر ضحايا صُوَر؛ صُوَر نرسمها وصُوَر لا تشبهنا يرسمها لنا آخرون، وصور حقيقية بالغة الأنسنة والطيبة لم ينتبه لها أحد.
وللشخص حين يسقط من إطار مُعلّق على الجدار دويٌّ هائل.. يسمعه الرسّام وحده.
فتلك الظلال التي يضيفها بعضنا لصورٍ في باله هي غير موجودة سوى في باله، وفي علبة ألوانه، وهي ظلال تذوب عند أول شمسٍ حامية أو شتاءٍ غزير أو حتى غيمةٍ ثقيلة، وهي ظلالٌ غير مخلصة، لا تفي بالغرض، ولا تعطي الصورة مقاساتها الحقيقية!
هي محض ظِلال مُضلِّلة، تقودنا ربما للتفكير في تلك العبارة المطبوعة على زجاج المرايا الجانبية للسيارات، والتي تحذر السائق إن نسي: (الأبعاد والمقاسات التي تظهر في هذه المرآة غير حقيقية)!
ربما.. ربما أننا نحتاج لأن تنطبع هذه العبارة في أذهاننا على الصور كلّها، وأن نتخيلها على ظهور الناس والمارّة والأصدقاء؛ كي نحمي أنفسنا من خيبة مُرّةٍ لاحقة، لا أحد مسؤولا عنها سوانا.
والخيبات دروس؛ ربما دروس مُبالغٌ فيها، تحمل من الألم بمقدار ما تحمل من “التعليم”، أو أكثر، لكنها ضروريةٌ لننتبه لاحقاً لمزج الألوان والنسَب المطلوبة، والمسموحة، وأن لا نفرط في استخدام ما نحب من ألوان.. بقدر ما ننتبه لاستخدام ما هو حقيقي ومناسب للصورة.
نحن لن نرسم الصورة الحقيقية بحذافيرها، هذا أكيد.. ولن نعرف الأبعاد الحقيقية ولو مرةً واحدة، سنظلّ نهجس بالألوان الفاقعة والزاهية، ونُعلّقُ حبال الزينة على بيوت من نحب، لكن الدروس أو الخيبات تجعلنا لاحقاً أقرب للرسم المحترف أو المتقن.
نرسمُ.. نعم. ونزوّقُ أيضاً. ولكن بنسبةٍ ما؛ تجعلُ الخيبات لاحقاً أخفّ!
وتجعل صوت ارتطام البراويز، حين تسقط على الأرض، أقلّ صخباً.
وتجعلنا نحاول لملمة الصورة وقطع الزجاج بأقلّ ما يمكن من جروحٍ في اليدين!

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock