أفكار ومواقفرأي في حياتنا

صينية بطاطا على “الفيسبوك” الأردني

أشياء كثيرة تغيَّرت في زمن “الانترنت”، ووسائل التواصل الاجتماعي؛ فالحياة بعد “الفيسبوك” غيرها تماماً قبله. ومن هذه التغيرات استبدال فكرة المجتمعات الصغيرة، التي كانت متمثلة في “الحارة” و”النادي” و”ديوان آل كذا”، بمجموعات و”قروبات” افتراضية، يجد الناس أنفسهم مشدودين إليها بحكم تلاقي الهوايات أو الرغبات أو الاهتمامات.
الأردنيون، كغيرهم من المجتمعات، لديهم مواقع وصفحات للتساؤل والاستغاثات السريعة، والأسئلة، عرفتُ منها صفحتين شهيرتين، هما (Ask nashama) و(Ask Jordan)، وهما صفحتان نشيطتان جداً، وتقومان بعمل كبير يوازي عمل وزارتين من وزاراتنا العتيدة!
يدخل عموم الشعب الأردني، وحتى ضيوفه، على الصفحتين، ويسألون عن كل ما قد يخطر لك ببال. رغم أن السؤال الأشهر لدى الأردنيين هو البحث عن (مزرعة على طريق جرش أو البحر الميت للإيجار ليلتين بسعر معقول)، وأسئلة كثيرة، تبدأ من علاجات حَبّ الشباب، وصناعة كيكة القرفة، وتغيير زيت السيارة، إلى كيفية الاحتفاظ بالزوج النمرود، وما هي أرخص الفنادق في تركيا، وأين يمكن إصلاح سشوار توشيبا، وما هو أفضل غداء للحماة العائدة من الحج، ومن عثر على مسبحة زرقاء في تكسي بمنطقة طبربور. إلى ذلك الرجل الذي كتب، قبل أيام، أنه اشترى ثلاثة كيلوغرامات من اللحم، ويريد المشورة والمعونة لإعداد صينية بالبطاطا والبندورة قبل عودة زوجته من العمل، على سبيل المفاجأة الحلوة!
كان عدد الإجابات أكثر من 800 إجابة ونصيحة، تنوّعت بين الجادّة والساخرة وطويلة البال التي تشرح كل مقادير البهار وغسل اللحمة وسلقها، وتقشير البطاطا، كما أن البعض دخل مستهجناً أن الصينية لا يناسبها اللحم وعليه أن يستبدله فوراً بالدجاج، فيما اقترح آخرون اللحمة المفرومة، وتساءل أحدهم عن الملحمة التي اشترى منها، مبدياً تمنياته الحارّة أن لا يكونوا “ضحكوا عليه بسعر اللحمة”! آخرون طالبوه بتحديد إن كانت “بلدي” أو “أسترالي” لأنّ الطريقة ستختلف وكذلك البهار! فيما جاء آخر يركض ويلهث ويقسم بالطلاق أنه من الجنون تضييع كمية اللحم هذه “على طبخة غير المنسف”!
البعض طبعاً تساءل إن كان يستخدم غازاً كهربائياً أم “غاز الجرّة” لأنّ الحيثيات كلّها ستختلف، من قبيل “سلق اللحم على عين واطية” ووضع الصينية في الفرن أم على النار، وهل يوضع الثوم قبل أن تنضج بعشر دقائق أم.. والرجل خلال ذلك كلّه يقول إنه لم يبق وقت وزوجته على وصول!
وأغلب الظن أنّه رمى بكيس اللحم من النافذة، وتغدّى وزوجته “سندويشات مرتديلا”!
الفكرة هنا في أن الجمهور لم يستطع الإجماع على طريقة واحدة لطبخ “صينية بطاطا”، وهي قصة حقيقية، انسحبت أيضاً على النقاشات المهولة حول موضوع “فيلم جابر” أو “البترا” أو “عطلة العيد” وهي القضايا المصيرية الثلاث التي شغلت الشارع الأردني الأسبوع الماضي!
ليس مطلوباً بالطبع أن يكون الناس على رأي واحد، فالتعددية مطلوبة، والديمقراطية “لذيذة” على جوع، وربما ألذّ من صينية بطاطا، لكنّ المطلوب كان إنقاذ الزوج قبل عودة زوجته، وهو أمرٌ صعب، خصوصاً إذا كان الطبخ يتمّ “على نار واطية” بمشاركة حوالي 10 ملايين طبّاخ ماهر!

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock