السلايدر الرئيسيالغد الاردنيتحقيقات

صيّادو العقبة بين حصارين: التعليمات والشريط الضيق-صور

الهيئة البحرية تبرر تقليص مساحة الصيد باعتبارات اقتصادية وسياحية وأمنية

تحقيق: أحمد الرواشدة

العقبة – تدفع قوانين وتعليمات جهات رسمية بحرية بعض صيادي العقبة الى اختراق القائمة الحمراء الدولية للأنواع المهددة بالانقراض التي تحظر اصطياد الأسماك والمرجان المحمي، فيما يتجاهل البعض منهم عقوبات قانونية صارمة طمعا في تحسين أوضاعهم المعيشية الصعبة بعد أن “غرقوا في بحري الفقر والبطالة” كما يقولون.
وتفاقم هذا الاختراق، بعد أن “ساهمت سلطة العقبة الاقتصادية والجهات الأمنية والبحرية والمينائية في تضييق الخناق على الصيادين من خلال تحديد مساحة الصيد بما لا يتجاوز 4 كيلومترات في المياه الاقليمية المسموح بها” بحسب هؤلاء الصيادين، وزادها فشلا مشروع البحر الأحمر للأسماك الذي وجد من أجل تحسين أوضاعهم المعيشية.
ووسط ذلك كله، تدعو المنظمات الإهلية ومؤسسات المجتمع المدني الى “ضرورة تطبيق القوانين السارية في قطاع الصيد البحري بصرامة وحزم من أجل وضع حد للتجاوزات الخطيرة التي تهدد الثروة السمكية والمرجانية”.
ورغم أن الاردن صادق ووقع على عدد من المعاهدات والاتفاقيات الدولية الخاصة بالبيئة البحرية، الا ان عددا من الانتهاكات الصارخة ما تزال ترتكب بحق الثروة البحرية “العقباوية” والتي قد تؤدي الى الإخلال في التنوع الحيوي البحري وتخفيض مخزون الثروة السمكية، حسب خبراء في الشأن البيئي والبحري أكدوا لـ”الغد” أن “التجاوزات الخطيرة المسجلة بحق الثروة السمكية والبيئية تتسبب في نفوق الموارد والكائنات البحرية في خليج العقبة الذي تكتظ شواطئه بالمنشآت الصناعية والفندقية والسياحية”.
ويبلغ عدد الصيادين المسجلين حوالي 100، إلا أن هناك 300 آخرين من الصيادين الهواة يعتاشون على صيد السمك عبر المياه الإقليمية الأردنية التي تبلغ حوالي اثني عشر ميلا، فيما يمتد شاطئ العقبة بطول 27 كيلو مترا.
تضييق الخناق على الصيادين
يضطر بعض الصيادين الى الغوص في ثروات البحر لاصطياد كنوزه من الأسماك الكبيرة والمرجان حتى وإنْ كان بعضها مهددا بالانقراض، ضاربين بعرض الحائط قوانين دولية تلزم الاردن بالحفاظ على البيئة البحرية وعدم العبث بها وبالتنوع الحيوي البحري.
سلطة منطقة العقبة الاقتصادية الخاصة والجهات الأمنية والبحرية والمينائية بقوانينها وتعليماتها “الجائرة” حرمت الصياد من اصطياد كميات كبيرة عندما عممت عليهم قائمة الممنوعات وأبرزها “عدم الاقتراب من البواخر الراسية والتي تتشكل حولها مجموعات من الأسماك، وعدم الاقتراب من المنشآت والشواطئ الراكدة، وتحديد مساحة المياه الاقليمية بما لا يتجاوز 4 كيلومترات”، بحسب رئيس جمعية صيادي العقبة شهاب عيد.
واعتبر عيد أن هذه الاجراءات “تغولت على رزق الصياد اليومي وأغرقت القطاع في بحور البطالة والفقر والقهر، ما دفع بعضهم الى هجر المهنة التي توارثها عن الآباء والاجداد وذهبوا الى مهن ووظائف اخرى”، معتبرا” ان مهنة صيد الأسماك في العقبة مصيرها الى الزوال اذا لم تلق الدعم الرسمي والمجتمعي لإنعاشها.
قبل أربعة أعوام مضت، قامت مجموعة من الصيادين بإغلاق مرسى الصيد (المينا هاوس) بقواربهم، احتجاجاً على محدودية المساحة المسموح الصيد بها وهو ما حد من غلتهم اليومية من الاسماك، واحتجاجا على اجراءات تراخيص قواربهم.
الصياد الأربعيني سميح درويش، الذي يعتمد على مهنة الصيد كمصدر رزق وحيد له، قال إن “الجهات الرسمية تحاربنا برزقنا عندما حددت المساحة المسموح بها بالصيد نتيجة زيادة مساحة المنشآت الفندقية والصناعية والمينائية والعسكرية”، مشيرا الى عدم القدرة على صيد الطعم وهو أسماك صغيرة مثل السردين والوزك لاستخدامها طعما للأسماك الكبيرة وهي متوفرة بالقرب من المنشآت السكنية المحظور الاقتراب منها”.
ونتيجة لضعف الصيد في العقبة ولتلبية حاجة السوق العقباوي من احتياجاته، “اضطرت شركات استيراد الاسماك الى سد حاجة السوق من خلال استيراده من مصر وعمان وتركيا بنسبة تصل الى حوالي 90 %” كما يقول درويش الذي أوضح “أن البعض يذهب لاصطياد ما يوفره البحر من خيرات بغض النظر عن الانواع الممنوعة والمهددة بالانقراض، مبررين ذلك بأن هذه الأصناف كنز كبير يدر علينا دخلا يغطي تكاليف المصاريف التشغيلية”.
وما تزال قصة حوت البتان، الذي اصطاده بعض الصيادين بعدما علق في محركات احد القوارب في العقبة ويبلغ وزنه اكثر من 2 طن ماثلة في الذاكرة، بالإضافة الى ثروات البيئة البحرية من ابرزها المرجان رغم حمايته دوليا.
صيد الأسماك النادرة حالات فردية
ويسجل خليج العقبة العديد من حالات صيد الأسماك المهددة بالانقراض كأسماك القرش من نوع “تايجر” وقرش النمر المنقط وحوت البتان، وجميعها يحظر اصطيادها وفق التشريعات الاردنية والمعاهدات والاتفاقيات الدولية، وفق الخبير البيئي محمد الطواها.
لكن مدير إدارة الشواطئ بـ”العقبة الاقتصادية” عبدالله أبو عوالي أكد “ان العقبة لم تسجل أي مخالفة او تجاوز لصيد الاسماك الممنوعة او المهددة بالانقراض”، فيما تعكف “السلطة” على إصدار وتطوير قائمة حمراء للأسماك الممنوع صيدها وممنوعة دولياً بعد ان تم الاتفاق عليها مع الخبراء البحريين في العالم والمنظمات الخاصة بعلوم الاسماك والبيئة البحرية”.
ورغم تأكيدات الشرطة البيئية بعدم رصد أي نوع من المخالفات فيما يتعلق باصطياد اسماك مهددة بالانقراض خلال العامين الماضيين، إلا أن هناك تسجيلا لقضايا تتعلق بـ”تهريب المرجان وبيعه في اعوام سابقة، وقضية اخرى سجلت قبل ثلاثة أعوام
تتعلق باصطياد الحوت البتان الذي علق بالخطأ بمحركات احدى القطع البحرية”.
وحسب المدير التنفيذي السابق للجمعية الملكية لحماية البيئة البحرية ايهاب عيد فإن هناك “حالات محدودة سجلت حول اصطياد أسماك القرش مقارنة مع دول عربية مجاورة”، معتبرا ان “محدودية مساحة خليج العقبة ومناطق الصيد وعدد الصيادين كلها أسباب ساهمت في ضعف رصد الحالات المخالفة”.
الى ذلك، سجلت محكمة جزاء العقبة قضية تتعلق بـ”جرم قطف المرجان والتقاطه” خلافا لأحكام المادتين 66/ر من نظام حماية البيئة و76 قانون العقوبات الأردني.
وتتلخص تفاصيل القضية، بـ”ضبط سيارة سياحية تحتوي على كمية من صناديق بوليستر ثلاجة وبداخلها كمية من المرجان كانت متجهة الى مدينة عمان وتم ضبطها قبل عبورها نقطة جمرك وادي عربة حيث تبين انها تحتوي على ثمانية صناديق بوليستر بداخلها كمية من المرجان الحي حديث القطف ومعبأة داخل اكياس بلاستيك لون اسود ومحفوظة بمياه البحر وعددها ثلاثة وخمسون، وقدرت قيمتهها من قبل لجنة تقييم الاضرار بحوالي 8600 دينار”.
ويقر عيد انه “يتم تسجيل اعتداءات على الشعب المرجانية المحمية بين فترة واخرى، علما بأنه من الأنواع التي تساهم في تنظيم المناخ، وله اهمية اقتصادية بيئية مجتمعية كبيرة”.
الجهات الحكومية والأهلية والقائمة الحمراء
وتبرر الحكومة على لسان مدير عام الهيئة البحرية الاردنية الكابتن بلال الخلفات أن منطقة العقبة لها اعتبارات اقتصادية وسياحية وأمنية، “ولذلك تم تقليص المساحة المسموح بها بالصيد في مياه العقبة”، مؤكداً أن “على الصيادين أن يتفهموا هذا الأمر واحتياجات وتحديات الأردن”.
وأشار الخلفات إلى أن هذه الإجراءات جاءت “لصالح الصيادين للحفاظ على حياتهم وسلامتهم تفادياً لحوادث قد يتعرضون اليها من قبل السفن الراسية في المياه، بالإضافة الى مسار خطوط الملاحة حيث طلبت الهيئة من الصيادين عدم الاقتراب من منطقة محطة الركاب وميناء الحاويات والذي يعتبر منفذا حدوديا حرجا”.
ورغم الجهود الحكومية لرفع قدرات صيادي العقبة من خلال توفير الاجهزة والمعدات والخبرات اللازمة والتدريب الا أنها “اغفلت رفع الوعي التشريعي للصيادين والغواصين ما ادى الى اصطياد بعض الاسماك والسلاحف النادرة والمهددة بالانقراض وقطف المرجان النادر والثمين وتهريبه الى خارج العقبة لبيعه بأسعار مرتفعة”.
وكشف عيد عن “عدم توفر معلومات دقيقة حول حالة الانواع الممنوع اصطيادها على الصعيد الوطني”، موضحا أن “القوائم الحمراء التابعة للاتحاد الدولي لحماية الطبيعة بينت أن العديد من الأنواع المهددة بالانقراض مسجلة في الأردن”، وحسب هذه القائمة هناك 3 انواع من السلاحف مهددة بالانقراض، بالإضافة الى أكثر من 60 % من انواع المرجان الصلب والعديد من انواع الأسماك.
وبالنسبة للأنواع المحمية على الصعيد الدولي ويتوجب حمايتها على الصعيد المحلي، يشير عيد الى “أسماك القرش حيث تم تسجيل حوالي 8 انواع منها النمري والرملي وأبقع الذيل أبو مطرقة والسلفوح”.
وحسب القائمة الحمراء الجديدة للاتحاد الدولي للحفاظ على الطبيعة، فإن هناك “أسماك قرشٍ شهيرة مُهدّدة بالانقراض أيضا، نتيجة الصيد العشوائي وتهافُت البشر على لحمها وزعانفها”.
من جهتها، نفذت الجمعية الملكية لحماية البيئة البحرية العديد من البرامج لرفع الوعي القانوني والتشريعي لصيادي العقبة بالتعاون مع جمعية صيادي الاسماك، وفق الطواها الذي أكد ان “الصيادين على معرفة جيدة بالأسماك المحظور اصطيادها والمرجان البحري النادر وخطورة تلك الممارسات”.
وسجلت الجمعية “اكثر من 510 أنواع من الاسماك، 50 % منها من صنف اسماك الحيد المرجاني، وتعتبر جزءا من الانواع المهددة بالانقراض مثل اسماك النابليون والسلاحف البحرية وسمك البتان”.
ويتراوح ما يتم جمعه من البحر بواسطة الصيادين المرخصين، بحسب الإحصائيات الخاصة ببيانات الصيد بين 80 و120 طنا سنويا تم اصطياد أكثر من 84 % منها في 3 مواقع، بحسب الطواها الذي أشار الى أن “الأردن يعتمد على الاستيراد لسد الفجوة بين العرض والطلب، حيث أن الإنتاج المحلي من الأسماك لا يغطي سوى نسبة قليلة جدا من الاستهلاك”.
ووفقا للمادة 66 من نظام حماية البيئة في منطقة العقبة الاقتصادية “يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن شهر ولا تزيد على سنة او بغرامة لا تقل عن 100 دينار ولا تزيد على 5000 دينار او بكلتا هاتين العقوبتين.
تحسين أوضاع الصياد “العقباوي”
رئيس “العقبة الاقتصادية” نايف البخيت أكد “ان العمل جار من قبل السلطة وشركة تطوير العقبة للخروج بمشاريع خاصة بالصيادين بقيمة 3 ملايين دينار”، مشيراً الى “أن السلطة تولي اهتماما كبيرا بمهنة الصيد في العقبة كونها إرثا يصعب التخلي عنه”.
ومن المتوقع أن تجتمع السلطة مع الجهات المعنية خلال الاسابيع المقبلة لبحث زيادة المساحة المخصصة للصيادين لتحسين اوضاعهم المعيشية، حسبما أضاف البخيت.
فيما يشير مدير المشاريع في شركة تطوير العقبة عامر الحباشنة الى أنه سيتم تسليم مشروع خلال الربع الأول من العام المقبل، والذي يضم ما بين 199 و200 قارب زجاجي و10 قوارب كبيرة.
بدوره، شدد عيد على ضرورة تطوير البرامج التثقيفية والارشادية التي تستهدف الصيادين لتوعيتهم حول أسماك القرش واهميتها للنظام البيئي وضرورة المحافظة عليها، وتطوير قوانين صيد الاسماك في الاردن وتطبيقها بفاعلية وتوفير آليات حوافز للصيادين الملتزمين بحماية هذه الاسماك.
واشار إلى وجود فجوات في تطبيق الاتفاقيات ودرجة التعاون بين السلطة ووزارة البيئة خصوصاً أن الوزارة هي الممثل الحكومي الرسمي للاتفاقيات الدولية متعددة الاطراف وتعمل على تفويض الصلاحيات، ومن هذه الاتفاقيات اتفاقية “السايتس” والانواع المهاجرة والتنوع الحيوي في العقبة، مؤكدا اهمية التنسيق مع الجهات ذات العلاقة ومراجعة تعليمات صيد الاسماك كونها قديمة”.
واعتبر عيد وجود الادارة الملكية فرصة ذهبية يجب الاستفادة منها لأسباب عديدة منها ان المؤسسة تحمل صفة الضابطة العدلية ومن خلالها يمكن تعزيز فرض القانون وبناء قدرات المفرزة الموجودة في العقبة حول المخالفات المرتبطة بالأنواع وكيفية تصنيف هذه الانواع ومعرفتها، لافتا الى أهمية تفعيل متنزه العقبة البحري وإمداده بالوسائل والادوات اللازمة سواء الفنية او المالية او البشرية وربطه بشكل مباشر مع الادارة الملكية لحماية البيئة.
إلى ذلك، أوضح البخيت ان هناك عقوبات واجراءات صارمة لكل من يعتدي على الكائنات والحياة البحرية في خليج العقبة وفق قانون العقوبات وقانون “العقبة الاقتصادية”، مؤكداً رقابة السلطة الكاملة على البيئة البحرية بالتعاون مع منظمات وجهات بحرية متعددة لمنع أي اعتداء صارخ على البيئة البحرية بشكل عام والكائنات والثروة السمكية والمحرم اصطيادها بشكل خاص.
مشروع شركة البحر الأحمر للأسماك
ويعول الصيادون كثيرا على مشروع البحر الاحمر بدعم من صندوق الملك عبدالله الثاني للتنمية، لكنه تعثر وفشل لأسباب تتعلق بالصيادين أنفسهم بالاضافة الى اعتبارات سيادية دولية واخرى تنظيمية.
وجاء تأسيس شركة البحر الأحمر لصيد الاسماك برأسمال يبلغ 4 ملايين دولار أميركي، كشركة قابضة بـ”العقبة الخاصة”، بهدف توفير فرص التدريب والتشغيل للعمالة الاردنية في مجال الصيد وتشغيل اكثر من 100 من الصيادين الاردنيين الامر الذي يساهم بصورة فعالة في الحد من مشكلة البطالة والفقر بين صيادي العقبة.
كما قدم صندوق الملك عبدالله الثاني للتنمية منحة قدرها 20 ألف دينار لمساعدة أسر الصيادين على إقامة مشاريع تنموية، إضافة الى قيام الصندوق بتدريب أبناء وبنات الصيادين على دورات في الكمبيوتر واللغة الإنجليزية مجانا.

فريق من منتزه العقبة البحري ينقذ سلاحف مهددة بالانقراض

صيادان يلتفون حول سمكة قرش على رمال الشاطئ بعد اصطيادها
الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock