أفكار ومواقف

صَلْب في وجه التصلّب

كثيرا ما كانت تتفاجأ بسر القوة الكبيرة التي تخرج من عينيه، متسائلة حول قدرته الدائمة على التسلح بالإرادة والصبر، ليقاوم مرضا قاسيا ومفترسا رغم خشيته من نوباته المباغتة.


أمضت معه عمرا مليئا بلحظات الألم المفاجئة، وهي تحتسب وقت الدواء والحقنة بالدقيقة لتثبيط تطور المرض، وخوفا من هجمته التي تتوعد وتهدد بإعاقة دائمة وألم يطول، لا تقوى هي عليه، فكيف الحال بالزوج الذي فاجأه المرض ولا أحد يستطيع محو جزء من الألم الذي يعتصر جسده.


أعواما طويلة قضاها يتعايش مع مرض له من اسمه نصيب؛ كونه يهدده بالتصلب وشل الحركة، ليجعل من المصاب به لوحا خشبيا لا يقوى على الحراك مدى الحياة.


تقبله لمرض التصلب اللويحي جعله يحتضنه لسنوات، متناسيا أنه يتغذى على أعصاب جسده، وآمن الرجل المريض أن مقاومته جعلته أقوى مما كان عليه، فهو في كل يوم يمضي تتضاعف عزيمته على تحدي أعراض المرض القاهر، وكأنه ليس أكثر من انفلونزا بسيطة سرعان ما تذهب آثارها.


فهجمات المرض تتربص به في كل لحظة لتقتنص الفرصة، وتدق باب العينين مرة، واليدين مرة أخرى، وتتغذى على فقدان حركة القدمين مرات كثيرة، حتى إنها مرات كثيرة تتغول لتفترس، بدهاء، الجسدَ كله، والحظ وحده هو من يسعف من ابتلي بهذا المرض.


الرجل يعلم في قرارة نفسه أن عناده وصلابته بوجه المرض قد لا يقيانه الآلام النفسية والجسدية القاسية، ويدرك كثيرا أن إصراره الداخلي في القفز عن الداء المفترس هو وسيلته ليعيش الحياة بطولها وعرضها.


ويضغط على نفسه كثيرا، يقاوم بكل ما أوتي من قوة وإرادة لمحاربة مرض أشد من “خبيث” يغدر بصاحبه ويأتيه عنوة وفي أوقات لا يتوقعها، ليستمتع بفعل يده حينما يراه مشلول الحركة، مرتميا مكانه، ربما لفترة قصيرة وربما للأبد.


صديقنا العليل يدرك تماما آثار الإصابة بهذا المرض الالتهابي للجهاز العصبي المركزي المؤلف من المخ والمخيخ وجذع الدماغ والنخاع الشوكي، ما يؤثر على أعصاب جسده كاملة، إلا أنه يصرّ دائما على أن يعيش الحياة بتفاصيلها من دون إنكار العلة، بل بالتعايش معها واستغلال كل لحظة قبل أن يقرر التصلب افتراسه.


ما يزال يأمل باختراق علمي يساعده على تخطي كابوس الخوف مما هو آت، ويعطيه الأمل بالاستمرار في هذه الحياة، أو على الأقل، علاج يوقف جزءا من آلام هذا المرض المرعب.


وإلى أن يأتي الفرج، على آلاف مرضى التصلب اللويحي التسلح بالصبر والتحلي بالعزيمة والشجاعة، ومحاولة التعايش مع المرض والاستمتاع قدر الإمكان بكل ما في الحياة من بهجة وجنون.


بالأمل وحده نتجاوز الألم ونعطي الحياة بريقا يجمّل الأيام ويجعلها أقل بؤسا وحزنا وسوداوية. هكذا يعلمنا صديقنا المريض، فهل نتعلم منه ؟

تعليق واحد

  1. شكرا لقلمك
    لا توجد عندي كلمات توصف جمال هذا المقال واللغة الانسانية التي تناولتها الكاتية لتصف هذا المرض الصعب
    كل التحية لقلمك الجميل من كاتبة رائعة تمتلك حس انساني عال

  2. شكرا لكم
    انا مريضة بالتصلب اللويحي وأعلم كم هذا المرض يؤثر على صحة ونفسية الانسان لكن بالصبر والأمل يستطيع الشخص التغلب عليه
    انا سعيد جدا لان جريدة الغد تناولت على صفحاتها اليوم كل ما يخص هذا المرض ليستفيد المصاب وجميع من حوله
    شكرا للصحفية فريهان الحسن على لغتها الجميلة والانسانية ووصفها للمرض بهذه الطريقة
    وكما قلتي نحن ننتظر اختراق علمي يشفينا ويشفي كل المرضى حول العالم

  3. التكيف امر هام
    هذا المرض بحاجة مهمة إلى التكيف معه ويعتمد اعتمادا كبيرا على قوة المريض وصلابته للوقوف في وجه المرض ومحاربته
    فالحالة النفسية مهمة جدا
    شكرا للكاتبة فريهان الحسن على لفتتها الجميلة لمن يعانون هذا المرض

  4. مؤثر
    مؤثر جدا لدرجة ان دموعي لم تتوقف منذ أن قرأة هذا المقال، مع اني اول مرة اسمع ان هناك مرض يسمى التصلب اللويحي
    اتمنى الشفاء لكل المرضى

  5. رائــــــــعـــــــة
    كم هو رائع تلاعبك بمفردات اللغة في تشخيص حالة مرضية مستعصية بصور فنية رقيقة… أبدعت
    لكن دعيني أسجل ملاحظة نقدية بسيطة.. فلقد أدخلتنا إلى مقالك الإنساني الجميل عبر رفيقة هذا الرجل المريض ، قبل أن تبتعدي لوصف حاله وجَلَده على المرض.. ومن ثم لم تعودي بنا إلى رفيقة المريض دون حلقة وصل بين الرفيقة والحالة والخاتمة…
    … وإلى الأمام

  6. تحية الى الشجعان و الشفاء قادم انشاء الله
    تحيه الى الشجعان من اصابهم المرض ، و عليهم عدم الاستسلام ، وان التفائل بالشفاء واجب على المسلم المصاب ، حيث ما من داء الى هنلك دواء .
    اكثروا من الدعاء عند الشدة ، في الصبر الاجر المضاعف باذن الله.
    تحيه مره اخرى الى الشجعان في من اصيبوا و تحملوا التبعيات الاجتماعيه للمرض .
    و الشفاء قادم انشاء الله.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock