ترجمات

ضائعون في الغابة: حدَث في “كامب ديفيد”

آرون ديفيد ميلر* – (منحة كارنيغي للسلام الدولي) 13/7/2020

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

ملخّص: بعد مرور عشرين عامًا على “كامب ديفيد”، يتأمل كاتِبٌ كان مفاوضاً ذات مرة ما تم تحقيقه في القمة الرئاسية التاريخية

* *
إذا سلكتَ طريق “يو. أس. 77” خارجاً من ثورمونت بولاية ماريلاند، وهي بلدة صغيرة تقع في التلال الشرقية لجبال كاتوكتين، فإنك ستجد نفسك بعد قطع خمسة أميال أو نحو ذلك على الطريق قريبًا جدًا من منتجع “كامب ديفيد”. وهو مكان غير مرئي من الطريق ومن السهل جدًا أن تضيع. والمنطقة هناك مظلمة بطريقة لا تجدها في واشنطن العاصمة، والطريق متعرج وضيق. وفي ليلة باردة في تموز (يوليو) 2000، أثناء السفر إلى قمة رئاسية إسرائيلية-فلسطينية تاريخية، كان من الواضح أننا فوّتنا منعطفًا في مكان ما.

توقفنا عند محطة لحراس الغابة، لتجدها مغلقة. لكننا وجدناً هاتفاً عاماً هناك، فاتصلت بمركز العمليات بوزارة الخارجية الأميركية وحصلنا أخيرًا على معرفة المكان الذي نحن فيه وعلى توجيهات جيدة عن الاتجاه. ومع أنني لا أؤمن بالخرافات بطبيعتي، فقد مازحت زميلي، كبير المفاوضين الأميركيين دينيس روس، وقلت إننا إذا لم نتمكن من العثور على كامب ديفيد، فكيف يمكننا أن نعرف ماذا نفعل عندما نصل إلى هناك؟ وفي واقع الأمر، بصفتي نائب منسق شؤون الشرق الأوسط بوزارة الخارجية آنذاك، سوف أفكر لاحقاً في تجربة الضياع في الغابة أكثر من مرة بينما نكافح من أجل إيجاد استراتيجية تفاوض أميركية ناجحة في القمة.

قبل عشرين عامًا في مثل هذه الأيام، أحضر الرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون رئيس منظمة التحرير الفلسطينية ياسر عرفات ثم رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود باراك إلى كامب ديفيد، بحثًا عن اتفاق لإنهاء الصراع. وكانت تلك هي المرة الثانية فقط خلال أربعين عامًا من صنع السلام في الولايات المتحدة، والتي يتجشم فيها رئيس أميركي مثل هذه المخاطرة.
كانت القمة الأولى -اجتماع الرئيس الأميركي السابق جيمي كارتر في أيلول (سبتمبر) 1978 مع الرئيس المصري السابق أنور السادات ورئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك مناحيم بيغن- قد وضعت الأساس لمعاهدة السلام التاريخية بينهما بعد ستة أشهر. لكن أي تفاؤل مستمد من القمة الأولى سوف يزول قريباً. لن تُمنى قمتنا بالفشل فحسب، وإنما ستعقبها انتفاضة فلسطينية ثانية وانحدار جهنمي إلى الإرهاب والعنف، وواقع بعيد كل البعد عما كنا نأمل تحقيقه دبلوماسياً في ذلك الصيف. وفي حقيقة الأمر، اليوم ترقُد ما تسمى بعملية السلام مكسورة ومدماة، عالقة بين خطة السلام التي وضعها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، والتي من الواضح أنها ليست جاهزة لوقت الذروة، والإمكانية الحقيقية لعملية ضم إسرائيلية قد تدفن عملية السلام إلى الأبد.


ربما لم يكن من المفترض أن تُعقد قمة كامب ديفيد -سيئة التصوُّر والإعداد والمشورة- على الإطلاق. وقد عُقدت فقط لأن باراك، الخارج تواً من الفشل المتكرر في المفاوضات مع سورية، أراد استخدام الأشهر الستة الأخيرة من ولاية كلينتون إما للتوصل إلى اتفاق مع عرفات أو فضحه كشريك غير موثوق. وقاوم كلينتون في البداية، ولكن في الحقيقة، منذ أن أعطاه رئيس الوزراء الإسرائيلي المغتال إسحق رابين قطعة من التاريخ بتوقيع اتفاقيات أوسلو، كان الرئيس آنذاك مصمماً على تخليص إرث رابين وإرثه هو. ومن جهته، حذّرنا عرفات، الذي لم يكن في عجلة من أمره للتوصل إلى أي نوع من الاتفاق، في حزيران (يونيو) من أن قمة سابقة لأوانها قد تؤدي إلى انفجار. لكن كلينتون وعد عرفات بأنه لن يلام إذا لم تسر الأمور كما ينبغي. وبينما كان برفقة وزيرة الخارجية الأميركية، مادلين أولبرايت، في الطريق إلى مهبط الطائرات، بدا زعيم منظمة التحرير الفلسطينية كله رضا. وقال بفخر وهو يركب عربة للغولف، وكوفيته ترفرف في النسيم: “أنا في كامب ديفيد”.

كان المنتجع الرئاسي في كامب ديفيد بوضوح هو المكان المناسب لعقد قمة مهمة. كان جميلاً، منعزلاً (حظرنا استخدام الهاتف الخليوي) وغير رسمي. ووصف جاكي كينيدي ديكور الكبائن الريفية بأنه “مثل ’هوليداي إن‘ مبكر”. وعلى عكس الأجواء القاتلة التي سادت العديد من المفاوضات الإسرائيلية السورية، تناول الوفدان الإسرائيلي والفلسطيني الطعام معاً وتواصلا اجتماعياً. وكانت هناك أفلام -أمّا لماذا عرضنا فيلم “المُجالِد” Gladiator وفيلم غواصة الحرب من العالمية الثانية، U-571، في قمة للسلام، فلا أعرف- وهناك البولينغ، وكرة الطاولة، والركوب الجامح على عربات الغولف. وكانت هناك لحظات كوميدية أيضاً، مثلما حدث عندما سأل عرفات، بينما يشاهد “مباراة كل النجوم” في دوري البيسبول الأميركي، في الشوط الخامس، عن متى ستبدأ اللعبة. حتى أنها كانت هناك أزمة عندما كاد باراك يختنق حتى الموت بسبب حبة من الفول السوداني وأنقذه أصغر عضو في وفده.
كان لدينا كل ما نحتاجه في كامب ديفيد -باستثناء المكونات الرئيسية لجعل القمة تنجح. وأدرك كلينتون، الذي كان في تلك المرحلة من رئاسته يبحث عن الإرث، أن المسافة بين مكونات النجاح كانت طويلة للغاية. وفي الواقع، خلال الإحاطة الثانية قبل القمة، أوضح أنه مهما كانت النتيجة، فإن المحاولة والفشل أفضل من عدم المحاولة على الإطلاق. وقد تأثرتُ في ذلك الوقت، على الرغم من أنني أدركت منذ ذلك الحين تكاليف الفشل. كانت تكرار هذه اللازمة القديمة عن المحاولة التي تقال في الكلّية أكثر ملاءمة لفريق كرة القدم بجامعة ميشيغان منها للسياسة الخارجية لأكبر قوة في العالم.

في إعداد كلينتون لمواعيده في كامب ديفيد، قضينا وقتًا طويلاً في التركيز على محاولة كارتر السابقة. ولكن، لم يكن أحد مهتمًا حقًا بالتاريخ. ولو أننا أخذنا تلك الدروس من قمة العام 1978 على محمل الجد، لرأينا أن قمتنا لا تمتلك أي فرصة للنجاح على الإطلاق. فقد نجح كارتر لثلاثة أسباب: كان لديه قادة أقوياء في عجلة من أمرهم للتوصل إلى تسوية؛ واتفاق قابل للتنفيذ؛ وهو أدار القمة كوسيط قوي. وقد افتقرنا نحن إلى العنصرين الأولين. أما الثالث، فكانت القمة هي التي أدارتنا.

أولاً، على العكس من بيغن والسادات، كان باراك وعرفات سجناء، وليس أسياداً، لسياستهما. كان باراك قلِقاً من أن يتلقف عرفات أي تنازلات يقدمها. وكان ينظر باستمرار من فوق كتفه إلى استطلاعات الرأي في إسرائيل، ورأى حرفياً أن حكومته شرعت في التفكك أثناء القمة. وجاء عرفات إلى كامب ديفيد من أجل البقاء على قيد الحياة، وليس لإبرام صفقة. وقد سمعته يقول عدة مرات، مشيراً إلى جنازته، “إنكم لن تسيروا خلف نعشي”. وكان يشك في قدرة باراك على تقديم شيء. ولأنه كان يشعر بالامتعاض من التجاهل الذي تعرض له لأشهر حيث سعى باراك إلى عقد صفقة مع سورية، تمسك بمواقف لا يريد أن يتنازل عنها، ولم يكن في عجلة من أمره للوصول إلى أي شيء.
ثانياً، كانت القضايا في كامب ديفيد كارتر السابقة صعبة على الحل: الانسحاب من شبه جزيرة سيناء، وإخلاء المستوطنات، وإبرام معاهدة سلام. لكن القضايا في كامب ديفيد الثانية كانت بمثابة المهمة المستحيلة حقاً. كانت قضايا مثل الحدود، والأمن، واللاجئين، وبالطبع ملكية القدس، كلها مدمّرة للصفقات، وكانت الفجوات بين الجانبين تشبه “الأخدود العظيم” في أريزونا من حيث الحجم والنطاق. وقد ذهب باراك أبعد مما ذهب إليه أي رئيس وزراء إسرائيلي من قبل، لكن مقترحاته لم تكن حتى قريبة مما يحتاجه عرفات، حتى لو كان الزعيم الفلسطيني مهتمًا بإبرام صفقة. فيما يتعلق بالقدس، لم يكن بوسع عرفات أن يقدم أي تنازلات من دون دعم من الدول العربية. ولكن، بالنظر إلى حساسية باراك تجاه التسريبات من المفاوضات، تأكدنا من أن لا تكون هناك أي انخراط من الدول العربية. وبالكاد شكلت مكالمات كلينتون القصيرة مع العاهل السعودي الملك عبد الله والرئيس المصري حينذاك، حسني مبارك، لإطلاعهما على المقترحات الأميركية بشأن القدس بدائل جدّية.

ثالثًا، كانت هناك مسألة دور الولايات المتحدة في القمة. وأدار كارتر قمته مع الاحتفاظ بالسيطرة على نص تفاوضي كان قد مر بأكثر من عشرين مسودة ومراجعة. وقد أدارتنا قمتنا، أو بشكل أدق تجاوزتنا ودهستنا. كان يمكننا أن ندير الأمور بشكل أفضل. فبعد كل شيء، كان هذا منزلنا، ودعوتنا، وفرصتنا التي تأتي مرة واحدة في العمر لإحراز تقدم تاريخي. ومن المؤكد أنه لم يكن ثمة شيء ممكن بالنظر إلى مواقف وشخصيات الفاعلين الرئيسيين. لكن أداءنا كان سيخمد أي فرصة -لو ثمة واحدة. كنا ضائعين حقاً في الغابة.
كانت الأخطاء عديدة. كنا في حاجة إلى حزمة شاملة من الإجابات لجميع القضايا حتى تكون لدينا أي فرصة لإحراز تقدم. ولكن، نظرًا لعدم رغبتنا في تبني مقترحات تجسير مستقلة، خاصة تلك التي تفترق عن مقترحات باراك، أصبحنا عالقين. كانت سياستنا القائمة على مبدأ “لا مفاجآت” مع إسرائيل، والتي كانت تعني في جوهرها إظهار كل شيء لإسرائيل أولاً، وعدم رغبة كلينتون، على حد قوله، في “الضغط” على باراك، قد أزالت أي أمل في أن نكون وسيطًا فعالاً. وبحلول اليوم الرابع -عندما أعطينا باراك ورقة وأجبرَنا على تعديلها- ولجميع الأغراض العملية، وصلت القمة إلى نهاية.
من دون نص تفاوضي نسيطر عليه، لم تكن هناك حقاً أي خريطة طريق منظمة للقمة. كان الأمر أشبه بالسيارات الكهربائية في مدينة الترفيه، كما قال روب مالي، مساعد كلينتون الخاص. في كل مرة واجهنا عقبة، كنا نذهب في اتجاه آخر. أضف إلى ذلك حقيقة أن الرئيس غادر إلى اجتماعات مجموعة الثماني في اليابان في منتصف القمة (بفضل أملنا غير الواقعي بتحديد وفرض موعد نهائي لاتخاذ القرارات)، وغياب دعم دولة عربية لفلسطين في موضوع القدس، وتوقعات غير واقعية تمامًا بشأن ما هو الذي كان الفلسطينيون في حاجة إلى إبرام صفقة عليه، وستكون لديك وصفة كاملة لفشل متوقع.
في كانون الأول (ديسمبر) 2000، قبل وقت قصير من مغادرة منصبه، سوف يضع كلينتون على الطاولة مجموعة من معايير التفاوض، والتي هي أقرب بكثير مما قد يكون أساساً لمفاوضات جادة. ولو أننا كنا قد فعلنا ذلك في القمة، لكانت النتيجة مختلفة. ولكن، بالنظر إلى المكان الذي كنا فيه في تموز (يوليو)، ما كان كلينتون ليعرض أبداً مثل هذه المعايير؛ ما كان باراك ليقبلها أبداً؛ والأكثر من محتمل هو أن يقول عرفات -كما فعل في كانون الأول (ديسمبر)- لا، ببساطة، أو لا شيء على الإطلاق.
مع ذلك، لم تكن قمة كلينتون مضيعة كاملة للوقت. الآن، بالعودة وراء عقدين من الزمن، أدركت أن كامب ديفيد كان أكثر بكثير من مجرد جهد أميركي فاشل آخر في البحث المراوغ عن السلام الإسرائيلي الفلسطيني. وإذا ما تم حل النزاع الإسرائيلي-الفلسطيني أبداً في يوم من الأيام -وهذه “إذا” كبيرة- فقد تصبح المناقشات التي جرت في كامب ديفيد والمعايير التي وضعها كلينتون في كانون الأول (ديسمبر) 2000 جزءًا لا يتجزأ من الصفقة.
ومع ذلك، كانت القمة أيضًا محكّا قاسيًا من الأنواع التي تعلّم الدروس حول متى تعقدُ قمة رئاسية -والأهم من ذلك، متى لا تفعل؛ كيف ينبغي أن تتصرف الولايات المتحدة كوسيط فعال وما الذي لا يجب أن تفعله؛ وربما قبل كل شيء، إدراك الأهمية الحاسمة لاحترام قضايا مثل ملكية القدس، بدلاً من افتراض أنه يمكن حلها بسهولة من خلال التدخلات الأميركية الذكية. بعيدًا عن عَرض الأمل في أن الصراع الإسرائيلي الفلسطيني كان ناضجاً ومهيأً للحل في يد رئيس أميركي ملتزم، أظهرت تجربة كامب ديفيد على وجه التحديد لماذا لم يكن الأمر كذلك.

الحقيقة غير المريحة سياسياً هي أن العوامل الثلاثة الضرورية لوجود أي فرصة لإنهاء الصراع الإسرائيلي الفلسطيني -قادة أقوياء يتوقون إلى إنجاز الأمور بسرعة؛ صفقة قابلة للتطبيق؛ ووساطة أميركية فعالة- لم تكن حاضرة أبداً. ليس في كامب ديفيد، وليس في العشرين سنة من صنع السلام لاحقاً، وبالتأكيد ليس الآن. في واقع الأمر، كان ما شهدناه خلال سنوات ترامب هو عالم دستوبي، حيث القادة ليسوا أقوياء ولا مهتمين، ولا مستعدين للارتقاء إلى أي مناسبة سوى الحفاظ على كراسيهم. إنه عالم موازٍ حيث لا توجد صفقة قابلة للتنفيذ إلا في أذهان صانعي السلام المحتملين الذين لن يتخلوا عن أوهامهم أو الذين يقترحون أوهامًا أخرى، مثل دولة واحدة يتمتع فيها الجميع بحقوق متساوية ويعيشون بسعادة بعد ذلك إلى الأبد. في هذا العالم، أصبحت صورة الولايات المتحدة كوسيط موثوق قاتمة على نحو يائس بسبب إدارة ترتبط مقاربتها لحل المشكلة الإسرائيلية الفلسطينية بإعادة انتخاب ترامب وإعطاء كل العسل لإسرائيل -ولا شيء سوى الخل والرماد للفلسطينيين.
الآن، ولّت منذ زمن طويل تلك الأوهام التي كنتُ أحملها عن صنع السلام. ولكن، ثمة ما يزال، بطريقة ما، أمل غير منطقي -ويكاد يكون غير عقلاني- في المستقبل. وحتى هذا الطيف يبدو الآن عابرًا وهشًا، مثل ذكريات قمة تاريخية التأمت قبل عشرين عامًا.

*زميل رفيع في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، يركز على السياسة الخارجية الأميركية.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: Lost in the Woods: A Camp David Retrospective

مقالات ذات صلة

انتخابات 2020
42 يوما
#الأردن_ينتخب
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock