أفكار ومواقف

“ضاق البريد.. وما تغير حال”!

عبرت هذا الأسبوع ذكرى استشهاد مناضلي ثورة البراق الشريف (1929) فؤاد حجازي، ومحمد جمجوم، وعطا الزير. وكانت سلطات الاحتلال البريطاني قد أعدمت المناضلين الثلاثة شنقاً يوم الثلاثاء، 17 حزيران (يونيو) من العام 1930، بجريرة مقاومة المستعمرين الصهاينة وداعميهم البريطانيين. وكانت قوة الانتداب تيسّر استيلاء المهاجرين اليهود المتكاثرين آنذاك على حائط البراق والتعبد فيه دون غيرهم، وهو ما أثار حفيظة أهل الأرض والمكان التاريخيين الذين اشتبكوا مع عصابات المستعمرات الصهيونية وجنود الاحتلال البريطانيين.
وقد انتبه البعض لذكرى الشهداء الثلاثة، واستذكروا حكايتهم التي خلّدتها “الثلاثاء الحمراء”؛ قصيدة الراحل العظيم إبراهيم طوقان، ومرثاة فرقة العاشقين المعروفة عن جنازة شهداء سجن عكا. وغنيّ عن القول أن الفلسطينيين والعرب قدّموا عشرات الآلاف من الشهداء خلال 83 عاماً بعد ثورة البراق وقبلها، ممن آمنوا بأن الحياة لا تُفرق عن الموت إذا انسفحت الكرامة. وقد ذهب هؤلاء العظماء بصمت، بلا قصائد ولا أناشيد، لأن الذاكرة المخدورة بالهزيمة تحبّ الاستجارة بالنسيان والإبهام، وتوجعها القصص المسنودة بالأسماء والصور. وما أصعب وقوفنا اليوم بين يديّ محمد وعطا وفؤاد، وأن تلتقي العين بالعين وهم يسألون عمّا فعلناه بالوصية!
تقول الحكاية أن الشهداء الثلاثة أمضوا ليلتهم الأخيرة قبل موتهم المُعلَن وهم ينشدون نشيد نجيب الريّس: “يا ظلامَ السّجنِ خَيِّمْ إنّنا نَهْوَى الظلامَا/ ليسَ بعدَ السّجنِ إلا فجرُ مجدٍ يتَسَامى”. وعندما حان وقت إعدامهم بفارق ساعة بين المناضل والآخر، تسابق الثلاثة مَن يذهب إلى الموت أولاً، حتّى لا يعيش ساعة أخرى بعد رفيقيه، فيوجعه فراقهما أكثر من الموت نفسه. ومع أنّ حكايتهم لا تفترق عن كل فصول الدّراما الفلسطينية الكبيرة، فإنّ فيها فكرة تشع بشدّة: الرفقة؛ ذلك الإحساس بالحبّ الجارف لمواطنيك، بالتماهي ووحدة الخبرة والمصير والقضية. وربما كان قتل هذا الطبع في الإنسان العربي والفلسطيني، الحسّ بالرفقة، هو الهزيمة الكبرى التي لحقت بنا وما تزال تجلب الكوارث.
العنوان في فلسطين الآن: “المصالحة” لأن هناك خصومة حاكمة. وقد رأينا في عزّ النكبة المستمرة فلسطينيين يلقون بمواطنهم من فوق عمارة؛ ويسحلون آخر؛ ويشتبكون بالأسلحة والمدافع؛ ويجرّ شرطيون منهم فلسطينياً مقيداً مُهاناً، لأنّه أطلق النار على العدو، أو اقترح وسيلة “غير رسمية” لتحرير الوطن. وقد ترسخت في الخطاب الفلسطيني “واقعيّة” تحرير الأرض بالعمل المكتبي، وإدانة الموت الفخور باعتباره إرهاباً وانتحاراً. وبطريقة غير مفهومة، تتصدر صور آخرين المشهد الفلسطيني، ولا يتم إحياء ذكرى شهداء البراق وتعليق صورهم على جدران البيوت والمؤسسات باعتبارهم آباء القضية وقادتها الأصليين.
تذكرني المناسبة بالفتى الذي حكى عنه الشهيد غسان كنفاني في رائعته “عن الرجال والبنادق”. وقد استعار الصبيّ “مرتينة” خاله المتهالكة المربوطة بحبل ليف بدل الحزام، وشرّق إلى صفد ليساعد الثوار المحاصرين في قلعتها آنذاك. وعندما وصل، تندّر ثوار المدينة على الفلاح الذي يحمل عصا ويظنها بندقيّة. لكنّ الصبيّ ينقذ رفاقه من الموت المحتم بطلقة مُحكمة يصطاد بها رامي رشاش صهيوني أمسك بهم في ساحة مفتوحة. وعندما يودعون الفتى العائد إلى قريته بعد أن أفسحوا له مكاناً أرحب في السيارة هذه المرّة، يمازحونه أيضاً بالنداء الودود: “يا سبع يابو العصا”. ولم يذهب الصبيّ لنجدة ابن عمّ وقريب بالدم، وإنما ذهب إلى شيء حميم غير شاعر بالغربة، والتحم مباشرة بجسم المقاومة المحمولة على أيديولوجيا موجزة قاهرة: الرفقة، وليدة الاشتباك ضد العدو كتفاً إلى كتف، بلا نظريات ولا توزيعات.
في “الثلاثاء الحمراء”، كتب إبراهيم طوقان عن الشهداء الثلاثة شيئاً يراوح بين النواح والعرس: “ضاق البريدُ، ومـا تغَيَّرَ حالُ- والذُّلُّ بين سطورِنا أشكالُ/ خُسْرانُنا الأرواح، والأموالُ- وكرامةٌ  يا حسرتا، أسمالُ/ أوَتبصرونَ وتسألونْ- ماذا يكونْ!؟ إنّ الخداعَ له فنونْ- مِثْلَ الجنونْ/ هيهاتَ، فالنفسُ الذليلةُ لو غَدَتْ- مخلوقة من أعينٍ لم تُبْصرِ”.
وقرأت أيضاً عن قائد يتحدّث عن جندي فرّ من الاشتباك عند الصدمة الأولى، لكنّه سرعان ما استعاد نفسه وعاد مطأطئ الرأس. قال القائد دامع العينين بفرح غامر: “إنّ فتاي، إنّ جنديي يخجل”. هكذا أردت أن أقول في ذكرى شهداء البُراق.

[email protected]

تعليق واحد

  1. ضاق البريد .. وما تغير حال .
    شكرا" أيها ( العلاء ) .. ولتعذرنا أرواح الشهداء على ما إعترانا من وهن وإستخذاء .. ولكن .. لهم علينا العهد والوعد بأن لا نخذلهم .. فنحن سائرون على دربهم ، إلى أن تتعانق أرواحنا في عنان السماء.

  2. الفاتحة والصلاة الربانية على ارواحهم الطاهرة
    يا ولدي علاء لاأحد يا ابني علاء يتذكر الحديث عن هؤلاء الشهداء الا انسانا مثقفا امينا على العهد مثلك .قصص بطولية رائعة من رعيل أقسموا على خدمة الوطن .يعتبر المسلمون حائط البراق وقفا إسلاميا وهم يحتفظون بصكوك بهذا المعنى تخولهم حق إدارة المكان. بينما يعتبره اليهود (و يسمونه حائط المبكى) أهم مصاليهم في العالم. اسفرت المعركة على الخسائر التاليه 116 شهيدا فلسطينيا و133 قتيلا يهوديا
    232 جريحا فلسطينيا و339 جريحا يهوديا
    واعتقلت سلطات الانتداب تسعمائة فلسطينيا وأصدرت أحكاماً بالإعدام شنقاً على 27 فلسطينيا خُفّفت الأحكام على 24 منهم ونفذ حكم الإعدام في 17 يونيو 1930، بسجن مدينة عكا المعروف باسم (القلعة)، في ثلاثة محكومين هم: فؤاد حسن حجازي، محمد خليل جمجوم وعطا أحمد الزير.الفاتحة والصلاة الربانية على ارواحهم الغالية

  3. الرفقة
    لا بد أنه كانت رفقة بين ذلك القائد ذي القلب الكبير ( الذي يدمع!) وبين ذلك الجندي البسيط الذي يخطىء ، فيخجل ، وكلاهما يضحي من أجل الآخر ، من أجل الإنسان ، من أجل الوطن.
    قرأت مرة عن ذلك القائد الألماني بعد انسحابه مع جنوده إثر الهزيمة في روسيا ، كان التعب والبرد القارص وسط الثلوج الهائلة قد اخذ منهم كل مأخذ، إستيقظ في صباح اليوم التالي وقد أصابته الدهشة وهو يزيح أكوام المعاطف فوق جسده ، كانوا هم أمواتا وقد خلعوا معاطفهم ، فعلوا ذلك لكي يستدفىء هو ، لكي يحيا هو!
    ما أحوجنا إلى تلك الرفقة ، بين القائد وشعبه ، بين المدير وموظفيه ، بين الأب وأبنائه ، بين الصديق وأصدقائه!
    مقال مؤثر للغاية أستاذ علاء ، به رفقة بين كاتب مثقف وبين قرائه ، دامت تلك الرفقة ، ودمت بخير.

  4. ضاق البريد…
    الوطن:جدلية العلاقة الغيبية الحاضرةأبدا بين السماءوالأرض والبحر..بين الروح والمكان بين الظل والتراب…بين جيل وجيل.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock