أفكار ومواقف

ضجة في الإعلام

من يتابع الآراء التي تصدر عن الندوات والمؤتمرات الدائرة حول الإعلام، العربي منه والغربي، ينتابه أن على”إعلامهم” أن يبذل جبّار الجهود كيما يبلغ الى سويّة “إعلامنا”.


فما نعانيه نحن، تبعاً للنظرة هذه، هِنات هيّنات قابلة للتفادي، لكن ما يعانونه هم شر مستطير أو مرض لا براء منه. فنحن، بالقياس اليهم، موضوعيون إجمالاً، لا تفارقنا الدقّة إلا لتلقانا وفيها من الشوق إلينا ما فينا من الشوق إليها.


أما هم فدينهم وديدنهم “تشويه صورة” العرب والمسلمين، والافتئات على الحقيقة، وإرسال الصحافيين في صحبة الجنود، “مطمورين” بهم، يعرضون عليهم ما يكتبون ولا ينشرونه الا بعد الحصول الذليل على موافقتهم.


صحيح، بالتأكيد، أن الحريات الصحافية تراجعت، في الولايات المتحدة، بعد 11 أيلول(سبتمبر)، من تعابيره ظاهرة “الصحافيين المطمورين”. وصحيح أيضاً، أن مزاجاً حربياً، أحادي الجانب وسخيفاً، طغى لوهلة على بعض كبريات المؤسسات الإعلامية، وقد سبق لصحيفة كـ”نيويورك تايمز” أن اعتذرت عن مثله في افتتاحية شهيرة. وصحيح، كذلك، أن الكثير مما يُقرأ، اليوم، في”ول ستريت جورنال” الأميركية، أو “ديلي تلغراف” البريطانية، ومعظم ما تنشره صحف التابلويد الغربية، وما يُشاهَد ويُسمَع في محطات كـ”فوكس نيوز” الأميركية، لا تربطه بالموضوعية أكثر ما يربط الليل بنهار مُشمس.


مع هذا، فما يتردد لدينا، وفي أوساطنا، يبقى كلاماً يبعث فينا الغبطة والسرور، ويُعفينا من المسؤولية، أكثر بكثير مما ينقل الحقيقة.


وأما والحال على ما هي عليه، فلحسن الحظ أن ما يُكتب عندنا يُكتب بالعربية، فلا يصل الى الآخرين إلا قليله. وإلا لكان علينا أن نخبّئ وجوهنا خجلاً. 


فما لا ينبغي أن نسهو عنه، وهو ما كان يُفترض أنه بديهي، ان الإعلام الحديث من صحافة وتلفزيون وغيرهما، إنما نشأ في الغرب، ولم يصل الينا الا من طريق احتكاكنا بهذا الغرب نفسه.


وما من شيء يمنع التلميذ من أن يتفوّق على أستاذه، بيد أن تفوّقاً كهذا يستدعي توافر عدد من الأمور الغائبة عنا كلياً أو جزئياً. فلو توافرت للتلميذ حرية التعبير لكان هذا ممكناً، الا أنها غير متوافرة بتاتاً بالقدر الذي يعرفه الغرب، وفي عداده الولايات المتحدة البوشية. ومن ذلك ظهور طبقات وسطى عربية تكون متحررة من قبضة الدولة كما تقدم على الاستثمار في الإعلام، بدلاً من الأنظمة واستثمارها فيه، وهو أيضاً في حكم الغائب. ومن ذلك أن تكون ثمة قوانين تنظّم عمل الإعلام وعلاقته بالسلطة، كما تنظّم الحقوق والواجبات داخل المؤسسات الإعلامية نفسها، وهو أيضاً غير موجود. ومن ذلك، استطراداً، ألا تكون الصحيفة، أو المحطة التلفزيونية، ملزمة نقل أخبار الحاكم وإعطاءها الصدارة، وهو ليس من شيم إعلامنا عموماً. ومن ذلك، تالياً، أن تتمتع الصحيفة، أو المحطة، بالقدرة على التعاطي النقدي مع “الثوابت” القيمية والروحية والأخلاقية، ناهيك عن نقد السلطة السياسية ورموزها وأحزابها. وهو ما قد نجده في بعض بلداننا إما بحدود دنيا ووسطى أو بأساليب وطرق تطغى فيها الفضائحية على المسؤولية الأخلاقية التي يستدعيها النقد. ومن ذلك ان يكون الصحافي قادراً، حين يقابل السياسي، على مناقشته ومغالطته وتبيان تهافته. وهذا في معظم الأحيان أشبه بالمستحيل. ومنها أن يكون الصحافي حراً، لا يُقتل أو يُضرب أو يُسجن أو يُهان جراء ما يكتب. ومنها… ومنها…


ويُحسن بنا أن نتواضع قليلاً في المجال هذا: فمن يقرأ عدداً واحداً من “إنترناشونال هيرالد تريبيون” الأميركية، أو “غارديان” البريطانية، أو “لوموند” الفرنسية، يتعلم منه ما لا تعلّمه إياه مئات الأعداد من أرقى الصحف العربية. وبدورها، فتلفزيوناتنا حين تبغي نقل مادة معرفية أو وثائقية لمشاهديها، تأتي بها من التلفزيونات الغربية، لا سيما البي بي سي البريطانية. أما من تستوقفه بيننا حساسية الصحافة الغربية الرصينة


 (لا التابلويد طبعاً) حين تتحدث عن جماعات مختلفة، دينياً وقومياً، إثنياً أو جنسياً، فلا يملك الا القرف حيال التنميط الذي يزخر به أرصن الإعلام العربي حيال الجماعات نفسها.


وهي مسألة تضعنا وجهاً لوجه أمام قضية أكبر هي التي تتعلّق بالمقارنات عموماً. فالاختلاف في السياسة لا يُغني عن التاريخ، بمعنى أن من يملك حقاً راهناً في نزاع سياسي، كالنزاع العربي- الاسرائيلي مثلاً، لا يغدو تلقائياً متفوّقاً في المهن، كبيرها وصغيرها.


غير أن الوجه الآخر والأهم للمقارنة، وهو ما لا يكفّ عن مواجهتنا بسبب وبلا سبب، هو التالي: إما أننا متساوون مع الغرب، في الصحافة وغير ذلك، وعندها ينبغي أن تُطبّق علينا المعايير نفسها التي تُطبّق على الغربيين، فلا نُعطى أسباباً تخفيفية لأننا “مساكين”، أو لأننا “فقراء” و”متخلّفون”. وإما أن نكون فعلاً مساكين وغير قادرين، من ثم، عن أن نأتي ما يأتيه الغرب. وفي حال كهذه يُستحسن بنا أن نتعلّم ونتخفّف من حمولة الادعاء.


والبائس أننا لا نعتمد أياً من الخيارين، بل نستخدمهما معاً تبعاً لما يلائمنا حسب اللحظة أو حسب المجادلة. فما يكون في الشتاء سانتا ماريا، كما يقول مثل مكسيكي، يصير هو نفسه زاباتا في الصيف.


وأغلب الظن أن الأوان قد آن لمصارحة النفس والعيش في هذا الواقع كما هو الواقع! أليس كذلك!؟


كاتب لبناني مقيم في لندن

انتخابات 2020
21 يوما
#الأردن_ينتخب
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock