رأي في حياتنا

ضجة مفتعلة في هوليوود

الضجة التي يثيرها اليوم فنانو هوليوود من ذوي الأصول الإفريقية ومتعاطفون معهم، هي ضجة مفتعلة، لا تستند إلى أي شيء سوى إلى المظلومية التاريخية التي تستعيد تاريخ التمييز العنصري الأبيض ضد السود.
إن إلقاء اللوم على تاريخ طويل من التمييز العنصري، أسهل بكثير للمشتغلين بالفن من ذوي الأصول الإفريقية في هوليوود، من الاعتراف بأنهم لم يقدموا في موسمي 2014 و2015 ما يمكن أن يعوّل عليه نقاد الفن السابع لتقديمه للمنافسة على جوائز الأوسكار خلال هاتين السنتين.
قبل كل شيء، لا بد من الاعتراف أن العنصرية موجودة في الولايات المتحدة؛ في الشارع والمدرسة والمتجر وداخل سلك الشرطة، وغيرها. وهي موجودة في هوليوود أيضا، ولكن ليس في مرحلة الترشيحات التي تكون واضحة أمام العالم كله، وإنما تكون في المرحلة القبلية، أي ما قبل إنتاج الفيلم، وتتمثل في اختيار النصوص والممثلين والمخرجين والكوادر الفنية الأخرى.
إن واحدا من أهم “أوكار” العنصرية في هوليوود، تتمثل في شركات الإنتاج التي تفرض رؤيتها ونمطها ونوعية ممثليها ونصوصها على السينما العالمية. تلك الشركات يملكها ويديرها ويسيطر على غالبيتها يهود، وعدد كبير منهم من الصهاينة أو المتعاطفين معهم، والذين يفرضون نهجهم في الإنتاج على كل شيء، وهم يوجهون دفّة الإنتاج العالمي حسب ما يخدم أيديولوجيتهم.
المسألة الأخرى في ما يتعلق بـ”حرد” الفنانين من ذوي البشرة السوداء ومن يؤازرونهم، هي المعرفة المسبقة أن المجتمع الأميركي، ورغم كونه مجتمعا فيه الكثير من العنصرية، إلا أن لديه حساسية مفرطة تجاهها حين تغدو قضية رأي عام، وتصبح مادة غنية لوسائل الإعلام.
من الفهم السابق، يركب العديد من محاولي الاصطياد في مياه العنصرية الموجة، وكل منهم يمتلك أسبابه الخاصة التي يحاول تحقيقها.
الغريب كان تفاعل الإعلام العربي الكبير مع “مظلومية” هوليوود، وكثير ممن كتبوا، اتهموا عاصمة الفن العالمي صراحة بالعنصرية، وحملوها المسؤولية الكاملة عن عدم ترشيح فنانين من أصل إفريقي للأوسكار.
إن الإعلام العربي، وفي كتاباته المؤدلجة التي لا تخرج عن المنظور العربي العقيم لرؤية الشرق تجاه “الرأسمالية المتوحشة”، والمحاولة، بسذاجة، النيل من أميركا بركوبه موجة نقد هوليوود، وترجيحه كفة الرأي القائل بعدم وجود مساواة وعدالة فيها، إنما يعبر عن مراهقة إعلامية وسياسية، خصوصا أن نقد أميركا لا يتأتى من جزئية بسيطة فيها. وإذا كان لا بدّ لهذا الإعلام من أن ينخرط في الجدل بهذه المسألة، فمن الأولى له أن يسأل عن رأسمال عربي يقدر بعشرة مليارات دولار يعمل في هوليوود اليوم، وعن موقعه في إظهار القضايا العربية العادلة، وتسويقه للقضايا العربية والفنانين العرب.
إن غيظنا الشديد وغضبنا، كعرب، من الولايات المتحدة يجعلاننا ننخرط بحماسة كبيرة في هذا الجدل الفارغ، غير مستلهمين للطبيعة التي تعمل ضمنها هوليوود، والقائمة غلى تسويق التميز، وإنتاج فن راق، تسوّق فيه سياسات الولايات المتحدة الأبشع والأبغض، بأجمل الطرق الفنية.
المفارقة في الأمر، هي أنه عندما شهدت الولايات المتحدة أحداثا عنصرية فاضحة في صيف العام الماضي، والتي بدأت في مدينة فيرغسون عندما قام شرطي أبيض بإعدام شاب أسود بدم بارد في الشارع، وما تبعها من أحداث مماثلة، لم يجد الإعلام العربي في  القضية ما يلفت الانتباه، لذلك كان يعرضها كأخبار عادية، وأحيانا أخرى يتجاوز عنها إلى ما سواها!
نقول مرة أخرى إن الضجة التي يثيرها فنانون وإعلام متعاطف معهم اليوم هي ضجة مفتعلة، فهوليوود لا تمارس التمييز العنصري في ترشيحات الأوسكار. إنها أذكى من ذلك بكثير، فهي عندما تريد شيئا بعينه، تقوم ببناء الفيلم منذ سطره الأول؛ بقصته وممثليه وكوادره الفنية، ليبدو الأمر كما لو كان طبيعيا، وتحسم الأمر منذ بداياته، ولا تضع في أيدي لجان التحكيم سوى خيارات الإعجاب والتصفيق.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock