آخر الأخبارالسلايدر الرئيسيالغد الاردني

ضحايا العنف الأسري.. أطفال بلا جريرة بين مطرقة التأديب وسندان التشريع

نادين النمري

عمان – رغم عدم الكشف حتى الآن عن حيثيات جريمة القتل التي ذهب ضحيتها طفل على يد والده الأسبوع الماضي، إلا أن الحادثة أثارت مجددا قضية الضرب المفضي إلى الموت الواقع على الأطفال من قبل أولياء أمورهم أو مقدمي الرعاية لهم.
وبحسب ما رشح من مصادر أمنية فإن رجلا في منطقة ام الجمال انهال بالضرب على طفليه (ذكر 13 عاما، وأنثى 15 عاما) بواسطة أدوات راضة نتج عنه وفاة لطفل على الفور والتسبب بإصابات وكسور بليغة للطفلة التي وصفت حالتها بالسيئة.
تفاصيل الحادثة وأسبابها ما تزال غير معروفة ولم تعلن على الرأي العام، لكن مصادر تشير إلى أن “السبب هو على الأرجح خلاف أسري”، لافتة بذلك الى أن “الأب الذي ألقي القبض عليه مسجل بحقه أسبقيات تتعلق بإدمان المخدرات”، إلا أن الأهم هو أن هذه الحادثة تعيد طرح تساؤلات عديدة حول الإجراءات التشريعية والوقائية لحماية الأطفال من العنف والعنف الشديد بما في ذلك الضرب المفضي إلى الموت.
ويشدد مختصون في هذا السياق إلى الفجوات التشريعية وتحديدا تلك المتعلقة بقانون العقوبات، إذ ما يزال القانون يسمح بإسقاط الحق الشخصي في جرائم القتل الواقعة على الأطفال وداخل نطاق الأسرة، إلى جانب الاشكالية المتعلقة بالمادة 62 من القانون ذاته والتي تبيح الضرب التأديبي على الأبناء من قبل أولياء الأمور.
وفيما تنص الفقرة (أ) من المادة 62 على “يجيز القانون أنواع التأديب التي يوقعها الوالدان بأولادهم على نحو لا يسبب إيذاء أو ضررا لهم ووفق ما يبيحه العرف العام”، يرى هؤلاء المختصون أن الحاجة باتت ماسة اليوم لتعديل التشريعات وإخراج قانون حقوق الطفل إلى النور بهدف توفير حماية أكبر للأطفال وتحديدا الأكثر ضعفا بمن فيهم ضحايا العنف، لافتين إلى أن تعديل التشريعات يتطلب كذلك توفير الخدمات المساندة والارشاد الأسري بطريقة كفؤة لتوفر وقاية وحماية استباقية للأطفال الضحايا.
وفي هذا السياق يستغرب استشاري الطب الشرعي والخبير لدى منظمات الأمم المتحدة للوقاية من العنف الدكتور هاني جهشان الإصرار على إبقاء المادة 62 من قانون العقوبات، ويقول “حادثة ام جمال ليست الوحيدة، “ففي كل فترة تتكرر المأساة فيما الحكومة ومجلس الأمة يدافعان عن الإبقاء على المادة 62 عقوبات، بمنطق اعوج، في غياب شبه تام لبرامج التوعية بمخاطر الضرب التأديبي ووسائل التربية غير العنفية”.
ويشير إلى أنه وإلى جانب الآثار السلبية الواضحة والمتعلقة بالسلامة البدنية للأطفال ضحايا العنف والتي قد تصل احيانا حد الإعاقة الدائمة أو الموت، فإن “للضرب التأديبي للأطفال عواقب نفسية وخيمة ويغرس سلوك عنف كامنا مدى العمر”، مشيرا إلى أن فرنسا اقرت مؤخرا قانونا يجرم أي ضرب تأديبي في المنزل مهما كان نوعه وهذا مطلب من مطالب لجنة حقوق الطفل في جنيف لجميع الدول الموقعة على اتفاقية حقوق الطفل.
وفي المقابل من ذلك كما يقول جهشان، “ما زلنا في الأردن نسمح بالضرب التأديبي بطريقة أو اخرى من خلال التشريعات، وهذا انتهاك لحقوق الطفل. الخطوة الأولى هي واجب الغاء الفقرة أ من المادة 62 عقوبات التي تسمح بالضرب التأديبي، ومن ثم تجريم أي ضرب تأديبي للأطفال في كل أماكن تواجدهم بما في ذلك المنزل من قبل الوالدين أو راعي الطفل”.
وتتفق مديرة مجموعة القانون لحقوق الإنسان “ميزان” المحامية ايفا أبو حلاوة مع ما ذهب اليه جهشان، التي أكدت أننا “ما نزال بحاجة إلى حزمة تشريعية توفر حماية أكبر للأطفال ضحايا العنف ومن غير المقبول أن يستمر إسقاط الحق الشخصي في جرائم القتل والايذاء الواقعة بحق الأطفال”، معتبرة ان “اسقاط الحق الشخصي في هذا النوع من الجرائم يعتبر نوعا من أنواع الإفلات من العقاب”.
وفي تعديلات قانون العقوبات للعام 2017 تم تعديل المادة 330 المتعلقة بعقوبة الضرب المفضي إلى الموت لترتفع من 12 عاما في حال كان الضحية طفلا أو من ذوي الإعاقة إلى 15 عاما، لكن الاشكالية تكمن في اسقاط الحق الشخصي في هذه القضايا لتعاود العقوبة للانخفاض إلى النصف.
وكانت “الغد” رصدت في تقرير سابق أثر العفو العام في إفلات آباء قتلوا ابناءهم ضربا من العقوبة، في قضايا تعد من ابشع الجرائم التي أثارت الرأي العام، كقضية الطفلة نورا ذات العامين ونصف العام، والتي قضت تجويعا وضربا واهمالا على يد والدها، وقضية الطفل قصي 15 عاما والذي قضى صعقا بالكهرباء على يد والده الذي اتهمه بسرقة مبلغ 5 دنانير من عمته، إلى جانب قضية الطفلتين بيان وحنين حيث ماتتا حرقا على يد أب مدمن على المخدرات.
وتلفت أبو حلاوة كذلك إلى قانون الحماية من العنف الأسري والذي يتضمن تدابير يحق للمحكمة المختصة اتخاذها بحق الشخص المعنف وأطراف النزاع بإلزامهم بحضور جلسات تأهيل نفسي واجتماعي لمدة لا تزيد على 6 أشهر، إذ ترى أبو حلاوة في هذه التدبيرات وسيلة للوقاية من تفاقم حالات العنف داخل الأسر المعرضة للخطر، والى جانب التشريعات تشير أبو حلاوة الى أهمية تفعيل خدمات الارشاد التربوي والنفسي للعائلات بحيث تكون هذه الخدمات متاحة وقريبة من العائلات فضلا عن توفيرها داخل المدارس.
من جانبه يرى الأمين العام للمجلس الوطني لشؤون الأسرة الدكتور محمد مقدادي أن “قضية العنف ضد الأطفال من قبل الأسرة هي قضية ثقافية بالدرجة الأولى، مع التأكيد على ضرورة توافر خدمات للأسرة اهمها خدمات الارشاد والصحة النفسية وايضا التمكين الاقتصادي للاسر المعوزة أو المعرضة للخطر”.
ويشير مقدادي في حديثه إلى نتائج تقرير أحوال الأسرة الأردنية الذي اعده المجلس والذي اظهر ان “أكثر من 40 % من الأسر ترى أن العنف الاسري شأن خاص لا يجوز للمؤسسات الرسمية التدخل به كما يرى 42.1 % من الاسر ان للوالدين حق ضرب أبنائهم لغايات التأديب، وكذلك مسح السكان والصحة الاسرية للعام 2018 والذي اظهر ان 59 % من الاطفال في الفئة العمرية سنة الى 14 عاما تعرضوا لنوع من انواع العقاب الجسدي”، مؤكدا أن “الحاجة ماسة الى تغيير هذه المفاهيم الثقافية السائدة ليس فقط من خلال الحملات التوعوية وانما ايضا من خلال مناهجنا التربوية”.
وفيما يخص الاطار التشريعي لحماية الأطفال من العنف، يؤكد مقدادي اهمية توفير مظلة قانونية تحمي الطفل من العنف، لافتا في هذا السياق الى استحداث نص صريح يمنع الضرب التأديبي على الابناء من قبل الوالدين.
وتنص المادة 44 من مسودة قانون حقوق الطفل على أنه “يحظر تعريض الطفل للإهمال أو العنف أو إساءة المعاملة أو الاستغلال أو الاعتداء على سلامته البدنية أو احتجازه أو إتيان أي عمل ينطوي على القساوة من شأنه التأثير على توازن الطفل العاطفي أو النفسي”، كما تنص “على الرغم مما ورد في أي تشريع آخر لا تشكّل صفة الوالدين او الشخص الموكل برعاية الطفل عذرا لارتكاب أي فعل من الأفعال الواردة في الفقرتين الأولى والثانية من المادة”.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock