;
أفكار ومواقف

ضد الاحتلال والديكتاتورية معا!

رغم اعترافه بسوء التقدير، إنما مع الإصرار على أن النتيجة النهائية للعدوان الإسرائيلي الأخير على لبنان كانت “نصرا!” لحزب الله، يرفض السيد حسن نصرالله، حد التهديد السافر (وإن سعى إلى تبطينه وتغليفه)، أي موقف مسائل للحزب وقيادته ودوره وسلاحه، والسبب أن تاريخ الحزب، منذ العام 1982 وحتى الآن، بقي نقيا من أي شائبة طائفية أو فساد أو حتى تحالف مع الخارج، وغيره الكثير مما يعيب -كما يبدو من مضمون كلام السيد نصرالله في المقابلة التلفزيونية الأخيرة على الأقل- تاريخ أغلب، إن لم يكن جميع الأحزاب اللبنانية الأخرى. فحزب الله وسلاحه، كما يؤكد سماحته، كان فقط للدفاع عن كرامة الأمة، وليبقى كل عربي ومسلم مرفوع الرأس.


وإذا كان من حق اللبنانيين، وحدهم ربما، التساؤل حول ما إذا كانت إيران لبنانية، أو أن لبنان إيراني، بحيث لا يكون الاعتماد عليها، قبل العدوان الإسرائيلي وبعده، على حساب الهوية والمصلحة الوطنية اللبنانية، تحالفا مع الخارج يشوب سجل حزب الله، فإنه يظل من حق عرب آخرين أن يتساءلوا عن دور الحزب، وتحديدا حول صدقية قول نصرالله بأن هذا الدور مكرس للدفاع عن كرامة الأمة، والإبقاء على رأس كل عربي ومسلم مرفوعا.


فحزب الله، متسلحا بشرعية مقاومة الاحتلال الإسرائيلي، سمح لنفسه بإجراء التحالفات التي يريد، وتحديدا مع واحد من أعتى الأنظمة العربية وأعرقها ديكتاتورية! وليسبغ على هذا النظام، بالنتيجة، كل صفات التمجيد والتنزيه، حد اعتباره النظام العربي الوحيد، ربما، الذي يستحق لقب “النظام الشريف”، مقارنة بغيره من الأنظمة العربية التي انتقدت حزب الله، فاستحقت من وجهة نظر نصرالله وحزبه، أوصاف التخاذل والتواطؤ ضد المقاومة! وبحيث يكون هذا النظام الذي يجسد آخر قلاع “الصمود والتصدي” شريكا في الانتصارات التي يحققها الحزب، يحق له استثمارها واستغلالها كيفما يشاء.


وعندما يكون ليس من جبهة مع إسرائيل سوى جبهة جنوب لبنان، منطقي أن يدرك رجل فطن كالسيد حسن نصرالله أن استغلال حليفه واستثماره لشرعية المقاومة لن يكون لتحرير الهضبة المحتلة، بل لتعميق القمع الداخلي، وليكون السؤال الذي كان لا بد من طرحه منذ زمن على السيد نصرالله، وجيد أن أحياه مع “نصر” حزبه الأخير: هل مرفوضة امتهان كرامة الإنسان العربي بأيدي غرباء محتلين، فيما هي مقبولة إن مارسها ديكتاتور “وطني”؟


بالتأكيد، يربأ حزب الله وقيادته بأنفسهم، ونحن كذلك، عن أن يكونوا مقاومة عنصرية أو فئوية أو طائفية، تختزل حال العروبة والإسلام بحالها، وتصنف الأنظمة والأفراد بالتالي بالموقف منها، كما لو أنه محك الكفر والإيمان! لكن حسن الظن هذا لا يبقي إلا تفسيرا وحيدا، هو أن هذه المقاومة لا ترى في هذا البلد الحليف أو ذاك إلا نظاما بلا شعب، وإن وجد هذا الشعب كان مجرد قطعان لا يتمتع “أعضاؤها” -فهم ليسوا مواطنين أبدا- بأي وصف إنساني يستتبع حقوقا إنسانية وكرامة وكبرياء، ورأسا مرفوعة دون قطعها، كما يعدنا أمين عام حزب الله؟!


وللإنصاف، فإن الكارثة الأخلاقية والإنسانية التي يضعنا أمامها حزب الله ليست حكرا عليه وحده، بل يشاركه في بلورتها حركات مقاومة إسلامية أخرى، منها حماس الخارج، إن جاز التمييز هنا، كما بقايا “القومجيين” العرب وأحزاب الرجل الواحد، الذين لم يعد لهم من ساحة قتال ينفض فيها الغبار عنهم ويعيدهم إلى شاشات التلفزة، سوى قاعات المؤتمرات الجماهيرية التي يخوضون فيها معاركهم بالتصفيق والهتاف للزعيم الخالد الملهم، وناصر القرن الحادي والعشرين!


في التباكي على الوحدة العربية باعتبارها العصا السحرية التي تحمل النصر والرفاه للمواطن العربي من المحيط إلى الخليج، كان مقنعا إلقاء اللوم على الأنظمة العربية بالقول إن لكل منها مطامحه القطرية أو حتى الشخصية، لكن حتى إذا ما صح هذا القول، فإنه يظل مع ذلك جزءا من الحقيقة وليس كلها، ذلك أن العامل الأهم اليوم في الإجهاز على روح الوحدة بين الشعوب العربية، ومباعدة المسافات بينها، ليس منبعه إلا بعض أهم القوى المقاومة التي لا تقبل إلا بالدعم العربي والإسلامي كاملا ومن دون نقاش، فتُرى كم عراقا نحتاج أن نخسر لنصدق أن إهدار الكرامة واحد، لا يبرره اتحاد لغة الضحية والجلاد؟


[email protected]

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock