السلايدر الرئيسيترجمات

ضد سياسات الهوية: القبَلية الجديدة وأزمة الديمقراطية (4-1)

مقدمة المترجِم
في شهر آب (أغسطس) 2018، نشرت مجلة “شؤون خارجية” Foreign Affairs المعروفة مقالاً مهماً للمفكر والفيلسوف الأميركي فرانيسس فوكوياما، بعنوان “ضد سياسات الهوية: القبَلية الجديدة وأزمة الديمقراطية”. وقد استدرجت أطروحات ذلك المقال ردوداً من آخرين ناقشوا أفكار فوكوياما، والتي نشرتها المجلة نفسها في شباط (فبراير) الماضي. ويندرج هذا النقاش في إطار أوسع من البحث الجديد والمركز في سياسات الهوية، باعتبارها أحد أهم العوامل التي توجه الشؤون العالمية -وربما أهم هذه العوامل على الإطلاق.
مع أن هذه المداولات بين فوكوياما ومحاوريه تتعلق أساساً بمشهد الولايات المتحدة ودور الهويات في إدارة تفاعلاتها الاجتماعية والسياسية، فإنها تقوم بتعريف الحراكات المشابهة في الجوهر في العالم ككل. ولسنا منفصلين، نحن في العالم العربي، عن “سياسات الهوية” التي تتدخل بكثافة في إدارة تفاعلات هذه المنطقة. ومع أن الذين يكتبون عن المنطقة يحيلون إلى هذا المفهوم في سياقات مختلفة من الأدبيات والتعليقات، فإن هذه الإحالات لم تصل بعد إلى مستوى البحث المنهجي الذي يؤسس للتعامل مع هذا الفاعل الحاسم في حياتنا بما يكفي من الانتباه والجدية.
بالنظر إلى الأهمية التي يتمتع بها مبحث “سياسات الهوية” في العالَم اليوم، تنشر “الغد” في حلقات ترجمة مقال فوكوياما المذكور، والاستجابات والنقاشات التي دارت حوله على صفحات “فورين أفيرز”، على أمل المساهمة في إضاءة هذا العنوان، وفتح الطريق أمام استكشاف أكثر استنارة لعمل “سياسات الهوية” في العالم العربي ككل، وأدوارها في توجيه سياسات الأقطار المنفردة أيضاً.
تجدر الإشارة إلى أن سياسات الهوية تُعرف في “ويكيبيديا” بأنها “مجموعة من الحجج السياسية التي تركز على المصلحة الذاتية ووجهات النظر الخاصة بالمجموعات المصلحية الاجتماعية المعرَّفة ذاتيا، والوسائل التي يمكن عن طريقها تشكيل سياسات الشعوب بواسطة مظاهر هويتهم التي تتحدد بالعرق أو الطبقة أو الدين أو الجنس أو الإثنية أو الأيديولوجية أو الولاية أو التوجه الجنسي أو الثقافة أو العملة أو التفضيل المعلوماتي أو التاريخ أو الأسلوب الأدبي و/أو الموسيقي أو الظروف الطبية أو المهنة أو الهواية أو أي شيء آخر مرتبط على نحو فضفاض، لكنه واضح أمام إدراك المنظمات الاجتماعية”.
“ليس من الضروري مشاركة الأعضاء كافة من أي مجموعة معينة في سياسات الهوية. وربما تكون هذه الممارسة موجودة منذ أمد طويل؛ ولكن لم يظهر هذا المصطلح صراحةً -إلى جانب الحركات كافة المرتبطة به- إلا في الجزء الثاني من القرن العشرين. ويمكن التعرض لهذا المصطلح بطريقة أكثر شيوعا في الحركات الطبقية والحركات النسائية وحركات مثليي الجنس من الرجال والنساء وحركات المعاقين والحركات الإثنية وحركات ما بعد الاستعمار. ولكن، حيثما وجد هذا المصطلح، فإنه يصبح مجالا للمناقشة والنقد على نطاق واسع. ويشكل تأثير الأقلية أحد المكونات الرئيسية لسياسات الهوية. وتأثير الأقلية هو شكل من أشكال التأثير الاجتماعي الذي يحدث عندما يتم التأثير على الأغلبية لقبول معتقدات أو سلوك الأقلية. وعلى عكس أشكال التأثير الأخرى، عادةً ما يتضمن هذا النوع من التأثير تغيرا شخصيا في الرأي الخاص. ويوصف هذا التغير الشخصي في الرأي بأنه تحوُّل”.

فرانسيس فوكوياما* – (فورين أفيرز) آب (أغسطس) 2018

ترجمة: علاء الدين أبو زينة


منذ بضعة عقود، شرعت السياسة العالمية في اختبار تحوُّل دراماتيكي. فبداية من أوائل السبعينيات وحتى العقد الأول من هذا القرن، ارتفع عدد الديمقراطيات الانتخابية من نحو 35 إلى أكثر من 110. وخلال الفترة نفسها، تضاعف إنتاج العالم من السلع والخدمات أربع مرات، وامتد النمو ليصل كل منطقة من العالم تقريباً. وتقلصت نسبة الذين يعيشون في فقر مدقع، هابطة من 42 في المائة من سكان العالم في العام 1993 إلى 18 في المائة في العام 2008.
ولكن، لم يكن الجميع مستفيدين من هذه التغييرات. في العديد من البلدان، وخاصة في الديمقراطيات المتقدمة، ازدادت فجوة التفاوت الاقتصادي بحدة، وتدفقت منافع النمو بشكل أساسي إلى الأثرياء وأصحاب التعليم العالي. وتسبب ارتفاع قيمة السلع، وانتقال النقود والناس من مكان إلى آخر، في إحداث تغييرات عميقة. في الدول النامية، وجد القرويون الذين لم يكونوا في السابق يجدون وصولاً إلى الكهرباء أنفسهم فجأة وهم يعيشون في المدن الكبيرة، ويشاهدون التلفاز، ويتصلون بالإنترنت بواسطة هواتفهم المحمولة. وصعدت طبقات وسطى ضخمة في الصين والهند -لكن العمل الذي أدته حل محل العمل الذي كانت تؤديه الطبقات الوسطى الأقدم منها في العالم المتقدم. وانتقل ثقل التصنيع بثبات من الولايات المتحدة وأوروبا إلى شرق آسيا والمناطق الأخرى التي تمتاز بانخفاض تكاليف العمالة. وفي الوقت نفسه، حلت النساء محل الرجال في سوق عمل تهيمن عليه باطراد صناعات الخدمات، ووجد العاملون من ذوي المهارات المنخفضة أنفسهم وهم يُستبدَلون بالآلات الذكية.
في نهاية المطاف، أدت هذه التغييرات إلى تباطؤ الحركة في اتجاه بناء نظام عالمي يتسم بالانفتاح والليبرالية، وشرعت هذه الحركة في التعثر وسرعان ما انعكست وجهتها. وكانت الضربات الأخيرة التي توجهت إلى هذه الحركة هي الأزمة المالية العالمية في 2007-2008 وأزمة اليورو التي بدأت في العام 2009. وفي كلتا الحالتين، أنتجت السياسات التي وضعتها النخب فترات من الركود الهائل، ومعدلات بطالة عالية، وهبوطاً في مداخيل الملايين من العاملين العاديين. وبما أن الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي كانا النموذجين الرائدين للديمقراطية الليبرالية، فقد أضرت هذه الأزمات بسمعة هذا النظام ككل.
في واقع الأمر، انخفض عدد الديمقراطيات في السنوات الأخيرة، وشهدت الديمقراطية تراجعاً في كل مناطق العالم تقريباً. وفي الوقت نفسه، أصبحت الكثير من الدول السلطوية، بقيادة الصين وروسيا، أكثر حضوراً بكثير. وانزلقت بعض البلدان التي كانت قد بدت ديمقراطيات ليبرالية ناجحة خلال التسيعينات -بما فيها هنغاريا وبولندا وتايلندا وتركيا- عائدة إلى الاستبدادية. وأدت الثورات العربية التي اندلعت في 2010-2011 إلى إقلاق الدكتاتوريات في كل أنحاء الشرق الأوسط، لكنها لم تحقق الكثير عندما تعلق الأمر بالدمقرطة: في أعقابها، تشبثت الأنظمة الاستبدادية بالسلطة، ودمرت الحروب الأهلية كلاً من العراق وليبيا وسورية واليمن. وكان الأمر الأكثر إدهاشاً، بل وربما الأكثر أهمية، هو النجاح الذي حققته القومية الشعبوية في الانتخابات التي عقدتها في العام 2016 اثنتان من أكثر ديمقراطيات العالم الليبرالية قوة وديمومة: المملكة المتحدة، حيث اختار المقترعون مغادرة الاتحاد الأوروبي؛ والولايات المتحدة، حيث سجل دونالد ترامب مفاجأة انتخابية مروعة في السباق إلى منصب الرئاسة.
تتصل كل هذه التطورات بطريقة ما بالتحولات الاقتصادية والتكنولوجية التي أحدثتها العولمة. لكنها تتجذر أيضاً في ظاهرة مختلفة: صعود سياسات الهوية. كانت سياسات القرن العشرين تتحدد، في جزئها الأكبر، بالقضايا الاقتصادية. وعلى اليسار، تركزت السياسة على العمال، والنقابات العمالية، وبرامج الرعاية الاجتماعية، وسياسات إعادة توزيع الثروة. وعلى النقيض من ذلك، كان اليمين معنيّاً بشكل أساسي بتقليص حجم الحكومة وتعزيز القطاع الخاص. ومع ذلك، لم تعد السياسية اليوم تتحدد بالمخاوف الاقتصادية والأيديولوجية بقدر ما تُعرِّفها قضايا الهوية. الآن، في العديد من الديمقراطيات، لم يعد اليسار يركز على تحقيق المساواة الاقتصادية العريضة بقدر ما يركز على تعزيز مصالح طائفة متنوعة من المجموعات المهمشة، مثل الأقليات العرقية، والمهاجرين واللاجئين، والنساء، والمثليين. وفي الأثناء، أعاد اليمين تعريف مهمته الأساسية لتكون الحماية الوطنية للهوية القومية التقليدية، والتي تتصل صراحة في كثير من الأحيان بالسلالة، والعرق، أو الدين.
ينقلب هذا التحول على تقليد قائم منذ وقت طويل يعود وراء إلى كارل ماركس على الأقل، والذي يرى إلى الصراعات السياسية باعتبارها انعكاساً للصراعات الاقتصادية. ولكن، وبقدر ما هي المصلحة الذاتية المادية مهمة، فإن الكائنات البشرية تظل مدفوعة بأمور أخرى أيضاً؛ بقوى يمكن أن تفسِّر الراهِن بطريقة أفضل. في جميع أنحاء العالم، حشد الساسة الأتباع حول فكرة أن كرامتهم قد أهينت، ويجب استعادتها.
بطبيعة الحال، كانت هذه الوسيلة للتحشيد في الدول الاستبدادية مألوفة وعتيقة الطراز. فقد تحدث الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، عن “مأساة” انهيار الاتحاد السوفياتي، وشجب الولايات المتحدة وأوروبا بشدة على استغلالهما ضعف روسيا خلال التسعينيات لتوسيع حلف الناتو. ويشير الرئيس الصيني، شي جين بينغ، إلى “قرن الإذلال” الذي عاشه بلده؛ وهو حقبة من الهيمنة الأجنبية التي بدأت في العام 1839.
لكن مشاعر الاستياء من الإهانات أصبحت قوة هائلة في البلدان الديمقراطية أيضاً. ظهرت حركة “حياة السود تهم” بسبب سلسلة من حوادث قيام الشرطة بقتل أميركيين أفارقة، والتي حظيت بتغطية إعلامية واسعة وأجبرت بقية العالم على إيلاء الانتباه لضحايا وحشية الشرطة. وفي حرم الجامعات والمكاتب في كل أنحاء الولايات المتحدة، عبرت النساء عن غضبهن مما يبدو ظاهرة وبائية من التحرش والاعتداء الجنسي، وخلصن إلى أن نظراءهن الذكور لا ينظرون إليهن كأنداد، ببساطة. وأصبحت حقوق المتحولين جنسياً، الذين لم يكونوا ظاهرين كثيراً في السابق كأهداف للتمييز، قضية بارزة. وتطلع الكثيرون من أولئك الذين صوتوا لترامب بحنين إلى زمن أفضل في الماضي، والذين يعتقدون أن مكانتهم في مجتمعهم الخاص كانت فيه أكثر أماناً.
مرة تلو الأخرى، وصلت مجموعات إلى الاعتقاد بأن هوياتها -سواء كانت قومية، دينية، عرقية، جنسية، جندرية أو غير ذلك- لا تتلقى ما يكفي من الاعتراف. ولم تعد سياسة الهوية ظاهرة ثانوية، تتجلى فقط في الحدود الصغيرة لحرم الجامعات أو تشكل ستارة خلفية للمشاجرات قليلة الخسائر في “الحروب الثقافية” التي تروجها وسائل الإعلام الجماهيرية. بدلاً من ذلك، أصبحت سياسات الهوية مسألة مفهوم رئيسي يفسر الكثير مما يجري في ساحة الشؤون العالمية.
يترك هذا الواقع الديمقراطيات الليبرالية الحديثة في مواجهة تحدٍ مهم. فقد جلبت العولمة تحولات اقتصادية واجتماعية مطردة، جاعلة تلك المجتمعات أكثر تنوعاً بكثير، ودافعة تلك المجموعات التي كانت ذات مرة غير مرئية في المجتمع السائد إلى المطالبة بالاعتراف بها. وأثارت تلك المطالب ردود فعل عنيفة من الجماعات الأخرى، التي تشعر بأنها تفقد مكانتها وتتعرض للإزاحة. وشرعت المجتمعات الديمقراطية في التمزق والانقسام إلى شرائح قائمة على هويات تزداد ضيقاً باطراد، بطريقة تهدد إمكانية المداولة والعمل الجمعي للمجتمع ككل. وهو طريق ربما يفضي فقط إلى انهيار الدولة، ثم الفشل في نهاية المطاف. وما لم تتمكن هذه الديمقراطيات الليبرالية من شق طريقها عائدة إلى مفهومات أكثر عالمية للكرامة الإنسانية، فإنها ستحكم على نفسها -والعالم كله- بقدَر العيش في صراع متواصل.
الجزء الثالث من النفس
يفترض معظم الاقتصاديين أن البشر يكونون مدفوعين برغبة في امتلاك الموارد والسلع المادية. ولهذا الفهم للسلوك البشري جذور عميقة في الفكر السياسي الغربي، وهو يشكل الأساس لمعظم العلوم الاجتماعية المعاصرة، لكنه يتجاهل عنصراً أدرك الفلاسفة الكلاسيكيون أنه يتمتع بأهمية حاسمة: الرغبة في التمتع بالكرامة. وقد اعتقد سقراط أن مثل هذه الحاجة تشكل “جزءاً كاملاً” لا يتجزأ من النفس البشرية؛ واحد يتعايش مع “جزء شهواني”، و”جزء عاقل”. وفي “جمهورية” أفلاطون، أطلق على هذا الجزء اسم “الثيموس” themos، والذي تترجمه الترجمات الإنجليزية بشكل ضعيف بأنه “الروح” spirit.
في السياسة، يتم التعبير عن “النفس” في شكلَين. الأول هو ما أسميه أنا “الميغالوثيميا” megalothymia، وهو رغبة المرء في اعتراف الآخرين بتفوقه. كانت المجتمعات ما قبل الديمقراطية تتأسس على تسلسل هرمي، وكان اعتقادها بالتفوق المتأصل لطبقة معينة من الناس -النبلاء، الأرستقراطيين، والأسر المالكة- أساسياً للنظام الاجتماعي. لكن المشكلة في الميغالوتيميا هي أنه حتى يتم الاعتراف بكل فرد على أنه متفوق، سوف يتم النظر إلى عدد أكبر من الناس على أنهم أقل شأناً ولن يتلقوا اعترافاً عاماً بقيمتهم الإنسانية. وينشأ شعور بالسخط عندما يشعر المرء بأنه لا يلقى الاحترام. وثمة شعور قوي بالمقدار نفسه -هو ما أسميه “الآيسوثيميا” isothymia- والذي يجعل الناس راغبين في أن يُنظر إليهم على أنهم يتمتعون بالقيمة نفسها مثل كل شخص آخر.
يجسد صعود الديمقراطية الحديثة قصة انتصار الآيسوثيميا على الميغالوثيميا: حيث تم استبدال المجتمعات التي اعترفت بحقوق عدد صغير فقط من النخب بأخرى تعترف بالناس جميعاً باعتبارهم متساوين ونظراء بطبيعتهم. وخلال القرن العشرين، شرعت المجتمعات المقسمة حسب الطبقات في الاعتراف بحقوق الناس العاديين، وسعت الأمم التي كانت مستعمرَة إلى الاستقلال. وكانت النضالات العظيمة في التاريخ السياسي للولايات المتحدة حول العبودية والفصل العنصري، وحقوق العاملين ومساواة المرأة، مدفوعة بمطالب بأن يقوم النظام السياسي بتوسيع دائرة الأفراد الذين يعترف بهم كبشر كاملين.
لكن الذي يحدث في الديمقراطيات الليبرالية، هو أن المساواة بموجب القانون لا تؤدي إلى مساواة اقتصادية أو اجتماعية. ويستمر التمييز في الوجود ضد مجموعة متنوعة من المجموعات، وتُنتج اقتصادات السوق فروقات هائلة في الدخل. وعلى الرغم من ثروتها الكلية الهائلة، شهدت الولايات المتحدة والدول المتقدمة الأخرى زيادات كبيرة في تفاوت الدخول على مدى السنوات الثلاثين الماضية. وعانت شرائح يعتد بها من سكانها من المداخيل الراكدة، وخبرت شرائح معينة من المجتمع حركة اجتماعية هابطة.
ربما تساعد التهديدات المتصوَّرة لمكانة المرء الاقتصادية على تفسير صعود القومية الشعبوية في الولايات المتحدة والأماكن الأخرى. لم تكن أحوال الطبقة العاملة الأميركية، المعرفة بأنها الناس ذوو التعليم المدرسي الثانوي أو أدنى، تبلي حسناً في العقود الأخيرة. ولا ينعكس ذلك فقط في الدخول الراكدة أو المتناقصة وفقدان الوظائف، وإنما في الانهيار الاجتماعي أيضاً. بالنسبة للأميركيين الأفارقة، بدأت هذه العملية في السبعينيات، بعد عقود من “الهجرة العظيمة”، عندما انتقل السود إلى مدن مثل شيكاغو وديترويت ونيويورك؛ حيث وجد الكثيرون منهم عملاً في صناعة تعليب اللحوم، أو صناعة الصلب أو صناعة السيارات. وعندما شرعت هذه القطاعات في التراجع، وبدأ الرجال في فقدان الوظائف بسبب خفض التصنيع، جاءت سلسلة من العلل الاجتماعية على الأعقاب، بما فيها ارتفاع معدلات الجريمة، ووباء الكوكايين، وتدهور الحياة الأسرية، التي ساعدت كلها على نقل الفقر من جيل إلى الذي يليه.
على مدى العقد الماضي، انتشر نوع مماثل من التدهور الاجتماعي ليصل إلى الطبقة العاملة البيضاء. أدى وباء أفيوني إلى تجويف مجتمعات الطبقة العاملة الريفية البيضاء في كل أنحاء الولايات المتحدة؛ وفي العام 2016، أدى الاستخدام الكثيف للمخدرات إلى أكثر من 60.000 حالة وفاة بسبب الجرعات المفرطة، وهو ضعف عدد الوفيات الناتجة عن حوادث السير السنوية في البلد كله. وهبط متوسط العمر المتوقع للرجال الأميركيين البيض في العامَين 2013 و2014، وهو حدث غير معتاد إلى حد كبير في بلد متقدم. وارتفعت أعداد أطفال الطبقة العاملة البيضاء الذين يتربون في أسرة من عائل واحد (مع أحد الوالدَين فقط) من 22 في المائة في العام 2000 إلى 36 في المائة في العام 2017.
ولكن، ربما يكون أحد المحركات الكبيرة لصعود القومية الجديدة التي أرسلت ترامب إلى البيت الأبيض (ودفعت المملكة المتحدة إلى التصويت لصالح مغادرة الاتحاد الأوروبي) هو ذلك التصور عن كون المرء غير مرئي. أصبح المواطنون الساخطون الذين يخشون من فقدان مكانهم في الطبقة الوسطى يرفعون أصابع الاتهام إلى أعلى ونحو النخب، الذين يعتقدون بأنها لا تراهم، -لكنهم وجهوها إلى أسفل أيضاً نحو الفقراء، الذين يشعرون بأنهم يحظون بالتفضيل بشكل غير عادل. وكثيراً ما يفهم الأفراد الكرب الاقتصادي بأنه فقدان للهوية أكثر من كونه فقداناً للموارد. ينبغي أن يسبغ العمل المجد الكرامة على الفرد. لكن الكثير من أميركيي الطبقة الوسطى يشعرون بأن كرامتهم تتعرض للمساس، وبأن الحكومة تمنح امتيازات غير مبررة لأناس غير مستعدين للَّعب وفق القواعد.
تساعد هذه العلاقة بين الدخل والمكانة على تفسير السبب في أن النداءات القومية أو الدينية المحافِظة أثبتت كونها أكثر فعالية من النداءات اليسارية التقليدية القائمة على الطبقة الاقتصادية. ويخبر القوميون الساخطين بأنهم كانوا دائماً أعضاء مركزيين في أمة عظيمة، وأن الأجانب، والمهاجرين، والنخب يتآمرون للحيلولة دون تقدمهم. ويقولون: “بلدكم لم يعد لكم بعد الآن، وأنتم لا تلاقون الاحترام في أرضكم أنتم”. ويقول اليمين الديني قصة مماثلة: “إنكَ عضو في مجتمع عظيم من المؤمنين الذين تعرضوا للخيانة والخذلان من غير المؤمنين؛ وقد أفضت هذه الخيانة إلى إفقارك، وهذه جريمة في حق الله”.
كان انتشار هذه القصص هو السبب في أن تصبح الهجرة هذه القضية الكبيرة المثيرة للجدل في العديد من البلدان. ومثل التجارة، ترفع الهجرة الناتج القومي الإجمالي ككل، لكنها لا تفيد كل المجموعات في المجتمع المعني. ودائماً تقريباً، تنظر إليها الأغلبيات العرقية على أنها تهديد لهويتها الثقافية، خاصة عندما تكون تدفقات الناس عبر الحدود هائلة، كما كان حالها في العقود الأخيرة.
مع ذلك، لا يستطيع الغضب من الهجرة أن يفسر وحده السبب في أن تمكُّن اليمين القومي في السنوات الأخيرة من اجتذاب الناخبين الذين اعتادوا أن يؤيدوا أحزاب اليسار، في الولايات المتحدة وأوروبا على حد سواء. كما يعكس الانجراف نحو اليمين أيضاً فشل الأحزاب المعاصرة ذات الميول اليسارية في التحدث إلى الناس الذين انخفضت مكانتهم النسبية نتيجة للعولمة والتغير التكنولوجي. في الحقب الماضية، كان التقدميون يستحضرون التجربة المشتركة من التعرض للاستغلال ومشاعر السخط من الرأسماليين الأغنياء: “يا عمال العالم، اتحدوا”. وفي الولايات المتحدة، دعم ناخبو الطبقة الوسطى بأغلبية ساحقة الحزب الديمقراطي منذ “الصفقة الجديدة”، في الثلاثينيات وحتى صعود رونالد ريغان في الثمانينيات. وبنيت الديمقراطية الاجتماعية الأوروبية على أساس النقابات وتضامن الطبقة العاملة.
لكن معظم الأحزاب اليسارية غيّرت استراتيجيتها في حقبة العولمة. وبدلاً من بناء التضامن حول التكوينات الجمعية الكبيرة مثل الطبقة العاملة أو المستغَلين اقتصادياً، شرعت في التركيز على مجموعات تزداد صغراً باطراد، والتي وجدت نفسها مهمشة بطرق محددة وفريدة. وتحول مبدأ الاعتراف العالمي والمتساوي إلى دعوات إلى الاعتراف الخاص. وبمرور الوقت، هاجرت هذه الظاهرة منتقلة من اليسار إلى اليمين. (يُتبَع).

*هو زميل أوليفييه نوميليني الرفيع في معهد فريمان سبوغلي للدراسات الدولية في جامعة ستانفورد؛ ومدير ماسباخر لشؤون الديمقراطية والتنمية وحكم القانون في المعهد. هذه المقالة مقتبسة من كتابه: “المطالبة بالكرامة وسياسات السخط”، The Demand for Dignity and the Politics of Resentment.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: Against Identity Politics: The New Tribalism and the Crisis of Democracy

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock