ترجمات

ضد سياسة الهوية: القبلية الجديدة وأزمة الديمقراطية (4-4)

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

فرانسيس فوكوياما – (فورين أفيرز) آب (أغسطس) 2018
أمة استيعاب
في كل من الولايات المتحدة وأوروبا، سيكون على أي أجندة سياسية متركزة على الاستيعاب أن تعالج مسألة مستويات الهجرة. ويصبح الاستيعاب في ثقافة مهيمنة أصعب بكثير عندما تتصاعد أعداد المهاجرين قياسا بالسكان الأصليين. وعندما تصل مجتمعات المهاجرين مستوى معينا، فإنها تميل إلى أن تصبح مكتفية بذاتها ولا تعود في حاجة إلى الصلات مع الجماعات الأخرى خارجها. ويمكنها أن تضغط على الخدمات وأن تُجهِد قدرة المدارس والمؤسسات العامة على رعايتها. وسيكون للمهاجرين غالبا تأثير إيجابي صاف على الماليات العامة على المدى الطويل –وإنما فقط إذا حصلوا على وظائف وأصبحوا مواطنين دافعين للضرائب أو سكانا قانونيين. ويمكن أن تؤدي الأعداد الكبيرة من القادمين الجدد أيضا إلى إضعاف دعم المواطنين المولودين في البلد لمزايا الرفاه السخية، وهو أحد عناصر المناظرات الجارية في كل من الولايات المتحدة وأوروبا حول الهجرة.
تستفيد الديمقراطيات الليبرالية بشكل كبير من الهجرة، اقتصاديا وثقافيا على حد سواء. لكن لها الحق بلا شك أيضا في السيطرة على حدودها الخاصة. لدى كافة الناس حق إنساني أساسي في المواطنة، لكن ذلك لا يعني أن لهم حق المواطنة في أي دولة معينة خارج البلد الذي ولدوا فيه هم أو آباؤهم. وبالإضافة إلى ذلك، لا يتحدى القانون الدولي حق الدول في السيطرة على حدودها ولا يعترض على إقرارها معايير للمواطنة.
يتعين على الاتحاد الأوروبي أن يتمكن من السيطرة على حدوده الخارجية بشكل أفضل مما يفعل الآن، وهو ما يعني عمليا منح الدول، مثل اليونان وإيطاليا، المزيد من التمويل وسلطة قانونية أقوى لتنظيم تدفق المهاجرين. وتعاني الوكالة الأوروبية المكلفة بذلك، فرونتيكس Frontex، من نقص الكوادر والتمويل، وتفتقر إلى الدعم السياسي القوي من نفس الدول الأعضاء المعنية أكثر من غيرها بإبقاء المهاجرين خارجها. ولن يكون قانون الحركة الداخلية الحرة في داخل الاتحاد الأوروبي قابلا للاستدامة سياسيا ما لم يتم حل مشكلة الحدود الخارجية لأوروبا.
في الولايات المتحدة، تكمن المشكلة الرئيسية في التطبيق غير المتساوق لقوانين الهجرة. يبقى عمل القليل لمنع ملايين الناس من دخول البلد أو الإقامة فيه بصورة غير قانونية، ثم الانخراط في نوبات عشوائية ومتفرقة من الترحيل –والتي كانت إحدى سمات ولاية أوباما في الحكم- شؤوناً سياسة غير مستدامة على المدى الطويل. لكن تعهد ترامب بـ”بناء جدار” على الحدود المكسيكية لا يعدو كونه تجلياً لنزعة التعصب للمواطنة الأصلية: ثمة قدر كبير من المهاجرين غير الشرعيين الذين يدخلون الولايات المتحدة بطريقة قانونية، لكنهم يظلون في البلد ببساطة بعد انتهاء صلاحية تأشيراتهم. والمطلوب هو نظام أفضل لمعاقبة الشركات والناس الذين يستخدمون المهاجرين غير الشرعيين، وهو ما سيتطلب وضع نظام تعريف وطني يمكن أن يساعد أرباب العمل في معرفة من هو الذي يستطيع أن يعمل لديهم بشكل قانوني. ولم يتم تأسيس مثل هذا النظام لأن الكثير جداً من أرباب العمل يستفيدون من العمالة الرخيصة التي يوفرها المهاجرون غير الشرعيين. وبالإضافة إلى ذلك، يعارض الكثيرون، من اليسار واليمين، وضع نظام تعريف وطني بسبب شكوكهم إزاء التجاوزات الحكومية.
نتيجة لذلك، تستضيف الولايات المتحدة اليوم نحو 11 مليون مهاجر غير شرعي. وكانت الغالبية العظمى منهم في البلد لسنوات وهم يؤدون أعمالا مفيدة، وينشئون العائلات، ويتصرفون بخلاف ذلك كمواطنين ملتزمين بالقانون. ويرتكب عدد صغير منهم أعمالا إجرامية، تماما كما يرتكب عدد صغير من الأميركيين المولودين في الوطن الجرائم. لكن القول بأن المهاجرين غير القانونيين مجرمين لأنهم انتهكوا القانون الأميركي بالدخول والمكوث في البلد سخيفة، تماماً مثل سخافة التفكير بأن على الولايات المتحدة أن تجبرهم على مغادرة البلد والعودة إلى بلدانهم الأصلية.
ما تزال الخطوط العريضة لصفقة أساسية حول إصلاح الهجرة موجودة لبعض الوقت. وسيترتب على الحكومة الفيدرالية أن تتخذ تدابير جدّية لإنفاذ القانون والسيطرة على حدود البلد، كما يجب أن ترسم هذه الترتيبات أيضا طريقا إلى المواطنة للمهاجرين غير القانونيين الذين بلا سجلات جرمية. وربما تتلقى مثل هذه الصفقة دعم أغلبية من الناخبين الأميركيين، لكن المعارضين المتشددين للهجرة عاكفون بحزم على رفض أي شكل من أشكال “العفو”، بينما تعارض المجموعات المؤيدة للهجرة تطبيق القانون بطريقة أكثر صرامة.
ربما تساعد سياسات عامة تركز على الاستيعاب الناجح للأجانب في كسر هذا المأزق عن طريق وقف الريح التي تدفع أشرعة الصعود الشعبوي الراهن في كل من الولايات المتحدة وأوروبا. وتتكون الجماعات التي تعارض الهجرة بشدة من تحالفات بين أناس لديهم مكامن قلق مختلفة، ويتصرف أنصار المواطنة الأصلية المتشددون بدافع العنصرية والتعصب الأعمى؛ وثمة القليل مما يمكن عمله لتغيير عقولهم. لكن لآخرين مخاوف مشروعة من سرعة التغير الاجتماعي الناجم عن الهجرة الجماعية، وسبب للقلق بشأن قدرة المؤسسات القائمة على التكيف مع هذا التغيير. وربما يخفف تركيز سياسي على الاستيعاب مخاوفهم ويبعدهم عن المتعصبين.
تزدهر سياسات الهوية كلما كان الفقراء والمهمشون غير مرئيين بالنسبة لمواطنيهم. ويبدأ الاستياء من فقدان المكانة باختبار ضائقة اقتصادية حقيقية. وإحدى الطرق لتخفيف الاستياء هي تهدئة مخاوف الناس على وظائفهم، ومداخيلهم وأمنهم. وفي الولايات المتحدة، توقف الكثير من اليسار عن التفكير قبل عدة عقود في ابتكار سياسات اجتماعية طموحة، والتي ربما تساعد في علاج الظروف الأساسية الكامنة التي يعيشها الفقراء. كان التحدث عن الاحترام والكرامة أسهل عليهم من الخروج بخطط قد تكون مكلفة، والتي يمكن أن تقلل التفاوت بطريقة ملموسة. وكان أحد الاستثناءات الرئيسية من ذلك هو أوباما، الذي كان مشروعه للرعاية الصحية المُيسرة علامة بارزة في السياسة الاجتماعية الأميركية. وقد حاول خصوم المشروع تأطيره كمسألة هوية، وقالوا أن هذه السياسة صممها رئيس أسود من أجل مساعدة ناخبيه السود. لكن مشروع الرعاية الصحية الميسرة كان في الحقيقة سياسة وطنية مصممة لمساعدة الأميركيين الأقل حظاً بغض النظر عن عرقهم وهويتهم. ويشمل الكثير من المستفيدين من المشروع البيض الريفيين في الجنوب، والذين تم إقناعهم مع ذلك بالتصويت للساسة الجمهوريين الذين تعهدوا بإلغاء المشروع.
جعلت سياسات الهوية من صياغة مثل هذه السياسات الطموحة مهمة أكثر صعوبة. وعلى الرغم من أن الشجارات حول السياسة الاقتصادية أنتجت انقسامات حادة في وقت مبكر من القرن العشرين، وجدت الكثير من الديمقراطيات أن أولئك الذين يحملون رؤى اقتصادية متعارضة يمكن أن يتجاوزا الخلاف وأن يتوصلوا إلى تسوية. لكن سياسات الهوية، على النقيض من ذلك، تجعل التصالح أكثر صعوبة: إما أن تعترف بي أو لا تفعل. وعادة ما تكون للسخط بسبب فقدان الهوية أو كون المرء غير مرئي، لكن الصراعات على الهوية كثيراً ما تصرف الانتباه عن أفكار السياسة التي يمكن أن تساعد في الحل. ونتيجة لذلك، كان من الصعب تكوين تحالفات عريضة تناضل من أجل إعادة توزيع الثروة: يميل أعضاء الطبقة العاملة الذين ينتمون أيضاً إلى مجموعات هوية ذات مكانة أعلى (مثل البيض في الولايات المتحدة) إلى مقاومة صياغة قضية مشتركة مع أولئك الأدنى منهم، والعكس صحيح.
لدى الحزب الديمقراطي، بشكل خاص، خيار كبير ليتخذه. إنه يستطيع مواصلة محاولة كسب الانتخابات عن طريق مضاعفة الرهان على تحشيد جماعات الهوية التي تزوده اليوم بأكثر ناشطيه حماسة: الأميركيين الأفارقة، واللاتينيين، ومجتمع المثليين، وهكذا. أو أن الحزب يستطيع محاولة إعادة كسب ناخبي الطبقة العاملة البيضاء الذين شكلوا جزءاً حاسماً من تحالفات الديمقراطيين، بدءاً من “الصفقة الجديدة”، مروراً بـ”المجتمع العظيم”، لكنهم انشقوا وانضموا إلى الحزب الجمهوري في الانتخابات الأخيرة. وربما تسمح الاستراتيجية السابقة له بكسب الانتخابات، لكنها تظل صيغة بائسة لحكم البلد. الآن، يصبح الحزب الجمهوري حزب البيض، بينما يصبح الحزب الديمقراطي حزب الأقليات. وفي حال استمرت هذه العملية لوقت أطول، فإن الهوية ستكون قد أقصت تماما الأيديولوجية الاقتصادية كجزء مركزي من السياسة الأميركية، وهو ما سيكون ناتجا غير صحي للديمقراطية الأميركية.
مستقبل أكثر اتحاداً
كثير ما تعبر المخاوف من المستقبل عن نفسها أفضل ما يكون من خلال الخيال، وخاصة قصص الخيال العلمي التي تحاول أن تتخيل عوالم مستقبلية قائمة على أنواع جديدة من التكنولوجيا. وفي النصف الأول من القرن العشرين، تركزت الكثير من تلك المخاوف التي تستشرف المستقبل على تصور أنظمة استبدادية كبيرة بيروقراطية متمركزة على ذاتها، والتي تقوم بإخماد الفردية والخصوصية: فكِّروا في رواية جورج أورويل، “1984”. لكن طبيعة الديستوبيات المتخيلة شرعت في التغير في العقود الأخيرة من القرن، وتحدَّث أحد الخطوط عن مكامن القلق التي تثيرها سياسات الهوية. رأى من يُدعَون “مؤلفو الشر السيبراني” cyberpunk، مثل ويليام غيبسون، ونيال ستيفنسون، وبروس ستيرلينغ، مستقبلاً لا تهيمن عليه دكتاتوريات مركزية، وإنما يحكمه انقسام اجتماعي غير منضبط وخارج عن السيطرة، والذي يسهله الإنترنت.
عرضت رواية ستيفنسون “اصطدام ثلجي” Snow Crash الصادرة في العام 1992 “عالما فوقيا” افتراضيا، Metaverse، والذي يمكن أن يتقمص فيه الأفراد شخصيات محوسبة avatars وأن يغيروا هوياتهم عندما يشاؤون (التجسُّد). وفي الرواية، تتشظى الولايات المتحدة وتنحدر إلى “مجتمعات مستقلة” Burbclaves -وحدات فرعية من الضواحي القائمة على هويات ضيقة، مثل “جنوب أفريقيا الجديدة” للعنصريين، بأعلامهم الكونفدرالية)، و”هونغ كونغ الكبرى” للسيد لي (للمهاجرين الصينيين). وتكون جوازات السفر والتأشيرات مطلوبة للانتقال من حي إلى آخر. وتكون وكالة المخابرات المركزية مخصخصة، وتصبح حاملة الطائرات، “يو. أس. أس. إنتربرايز” مكاناً عاماً لإيواء اللاجئين. وتتقلص الحكومة الفيدرالية لتحكم مجرد الأرض التي تقع عليها المباني الفيدرالية.
يتحرك عالمنا الراهن بالتزامن نحو تكوين ديستوبيات متعارضة متسمة بالمركزة المفرطة والتجزيء اللامتناهي. وعلى سبيل المثال، تبني الصين دكتاتورية هائلة، والتي تجمع فيها الحكومة بيانات شخصية دقيقة للغاية حول التفاعلات اليومية لكل مواطن. ومن ناحية أخرى، تشهد أماكن أخرى من العالم انهيار المؤسسات المركزية، وظهور الدول الفاشلة، وتصاعد الاستقطاب، وافتقاراً متزايداً إلى التوافق على غايات مشتركة. وقد سهل الإعلام الاجتماعي والإنترنت ظهور مجتمعات قائمة بذاتها -ليست منفصلة بفعل حواجز مادية، وإنما بالهويات المشتركة.
لعل الشيء الجيد في القصص الخيالية الديستوبية هي أنها لا تتحقق أبداً تقريباً. ويمكن أن يعمل تخيل الكيفية التي ستسفر عنها الاتجاهات الراهنة بطريقة تتسم بالمبالغة المتزايدة كتحذير مفيد: أصبحت رواية “1984” رمزاً قوياً للمستقبل التوليتاري الشمولي الذي أراد الناس تجنبه؛ وساعد الكتاب في تحصين المجتمعات ضد السلطوية. وبالمثل، يستطيع الناس اليوم أن يتخيلوا بلدانهم كأماكن أفضل، والتي تدعم التنوع المتزايد، لكنها تعتنق أيضاً رؤية للكيفية التي يمكن أن يخدم بها التنوع غايات مشتركة، وأن يدعم الديمقراطية الليبرالية بدلاً من أن يقوضها.
لن يتوقف الناس أبداً عن التفكير في أنفسهم وفي مجتمعاتهم بطرق تتصل بالهوية. لكن هويات الناس ليس ثابتة ولا هي معطاة بالولادة بالضرورة. يمكن استخدام الهوية للتقسيم، لكنها يمكن أن تستخدم أيضاً للتوحيد. وسيكون ذلك، في نهاية المطاف، هو العلاج الشافي للسياسات الشعبوية التي تميز الراهن.

  • Francis Fukuyamaزميل أوليفييه نوميليني الرفيع في معهد فريمان سبوغلي للدراسات الدولية في جامعة ستانفورد؛ ومدير ماسباخر لشؤون الديمقراطية والتنمية وحكم القانون في المعهد. هذه المقالة مقتبسة من كتابه: “الهوية: المطالبة بالكرامة وسياسة السخط”، Identity: The Demand for Dignity and the Politics of Resentment
    *نشر هذا المقال تحت عنوان: Against Identity Politics: The New Tribalism and the Crisis of Democracy

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock