السلايدر الرئيسيترجمات

ضد سياسة الهوية: القبَلية الجديدة وأزمة الديمقراطية (4-2)

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

فرانسيس فوكوياما* – (فورين أفيرز) آب (أغسطس) 2018
انتصار الهوية
في عقد الستينيات، ظهرت حركات اجتماعية جديدة قوية في الديمقراطيات الليبرالية المتقدمة في العالم. طالب نشطاء الحقوق المدنية في الولايات المتحدة بأن يفي البلد بوعده بتحقيق المساواة، والذي كان قد بُذل في “إعلان الاستقلال” وكفله الدستور الأميركي بعد الحرب الأهلية. وأعقبت ذلك الحركة النسوية، التي سعت بالمثل إلى تحقيق معاملة متساوية للنساء، وهي قضية حفزها وشكَّلها تدفق النساء الهائل على سوق العمل. وحطمت ثورة اجتماعية موازية الأعراف التقليدية المتعلقة بالجنسوية والعائلة، وأعادت الحركة البيئية إحياء مراجعة المواقف تجاه الطبيعة. وشهدت السنوات التالية ظهور حركات للمطالبة بحقوق المعاقين، والأميركيين الأصليين، والمهاجرين، والمثليين من الرجال والنساء، وأخيراً، المتحولين جنسياً. ولكن، حتى عندما تغيرت القوانين لتوفر المزيد من الفرص وإقرار حمايات قانونية أقوى للمهمشين، استمرت المجموعات في الاختلاف عن بعضها بعضا في سلوكها، وأدائها، وثروتها، وتقاليدها وعاداتها؛ وظل التحيز والتعصب اتجاهين شائعين بين الأفراد؛ وواصلت الأقليات تكيفها مع أعباء التعرض للتمييز، والإجحاف، وعدم تمتعها بالاحترام، وكونها غير مرئية.
وضع ذلك كل مجموعة مهمشة أمام خيار: إنها تستطيع أن تطالب بأن يعامل المجتمع أفرادها بالطريقة نفسها التي يعامِل بها أعضاء المجموعات المهيمنة، أو أنها يمكن أن تؤكد على هوية منفصلة لأعضائها وتطالب باحترامهم باعتبارهم مختلفين عن المجتمع السائد. وبمرور الوقت، مالت الاستراتيجية الأخيرة إلى الكسب: طالبت حركة الحقوق المدنية التي قادها مارتن لوثر كينغ الابن بأن يعامل المجتمع الأميركي السود بالطريقة التي يعامل بها البيض. ومع ذلك، ظهرت مع نهاية الستينيات مجموعات مثل “الفهود السود” و”أمة الإسلام” التي قالت إن للسود تقاليدهم الخاصة ووعيهم الخاص؛ وحسب رؤيتها، يحتاج السود إلى الاعتزاز بأنفسهم بما هم عليه، وليس بما يريدهم المجتمع الأوسع أن يكونوا عليه. وحاججت بأن الطبائع الداخلية الأصيلة للأميركيين السود ليست الطبائع نفسها للبيض، وأنها تشكلت على أساس الخبرة الفريدة التي تنطوي عليها نشأة المرء كشخص أسود في مجتمع عدواني يهيمن عليه البيض. وكانت تلك الخبرة موسومة بالعنف، والعنصرية، والتشوية، والتي لا يمكن أن يقدرها الناس الذين نشؤوا في ظروف مختلفة.
تم تبني هذه الثيمات نفسها في حركة “حياة السود تهُم” الحالية، التي بدأت بالمطالبة بالعدالة للضحايا الأفراد الذين تعرضوا لعنف الشرطة، لكنها سرعان ما اتسعت وتحولت إلى جهد يرمي إلى جعل الناس أكثر إدراكاً لطبيعة الوجود اليومي للأميركيين السود. وربَط كُتّاب مثل تا-نيهيسي كواتيس Ta-Nehisi Coates بين عنف الشرطة الحالي ضد الأميركيين الأفارقة وبين التاريخ الطويل للعبودية وحوادث إعدام السود خارج نطاق القانون. وفي رأي كواتيس وآخرين، يستمر هذا التاريخ في أن يكون جزءاً من فجوة في الفهم لم تُجسر بعد بين السود والبيض.
حدث تطور مماثل في داخل الحركة النسوية. كانت مطالب الحركة السائدة متركزة على المعاملة المتساوية للنساء في التوظيف، والتعليم، والمحاكم وما شابه. ولكن، منذ البداية، اقترح فرع مهم من الفكر النسوي أن وعي النساء وخبراتهن الحياتية تختلف جذرياً عن نظيرتها لدى الرجال، وأن هدف الحركة ينبغي أن يكون، ببساطة، تسهيل إمكانية أن تتصرف النساء وأن يفكِّرن مثل الرجال.
سرعان ما سخَّرت حركات أخرى أهمية الخبرة المعيشة لصالح نضالاتها. لم تكتفِ المجموعات المهمشة بالمطالبة بأن تعاملها القوانين والمؤسسات باعتبارها مساوية للمجموعات السائدة فحسب، وإنما طالبت أيضاً بأن يعترف المجتمع الأوسع، بل وأن يحتفي بالفروقات الجوهرية التي تجعلها متميزة. وأصبح مصلح “التعددية الثقافية” multiculturalism -الذي كان يشير في الأصل إلى مجرد نوع من المجتمعات المتنوعة- أطروحة لبرنامج سياسي يقدِّر كل ثقافة منفصلة وكل خبرة معيشة على قدم المساواة، أحياناً بتوجيه انتباه خاص إلى أولئك الذين لم يكونوا مرئيين أو عوملوا بدونية في الماضي. وكان هذا النوع من التعددية الثقافية يتعلق في البداية بمجموعات ثقافية كبيرة، مثل الكنديين الناطقين بالفرنسية، أو المهاجرين المسلمين، أو الأميركيين الأفارقة، لكنه سرعان ما أصبح يشكل رؤية لمجتمع منقسم إلى العديد من المجموعات الصغيرة ذات الخبرات المتميزة، بالإضافة إلى مجموعات معرَّفة بتقاطع الأشكال المختلفة من التمييز، مثل النساء الملونات، اللواتي لا يمكن فهم حيواتهن من خلال عدسة أي من العرق أو الجندر على حدة.
شرع اليسار في اعتناق التعددية الثقافية فقط عندما أصبح من الصعب تصميم سياسات يمكن أن تجلب في ركابها تغييراً اجتماعياً-اقتصادياً واسع النطاق. بحلول الثمانينيات، كانت المجموعات التقدمية في كل أنحاء العالم المتقدم تواجه أزمة وجودية. كان أقصى اليسار في النصف الأول من القرن يُعرَّف بالمثل العليا للماركسية ورؤيتها للمساواة الجذرية. وكانت لدى اليسار الديمقراطي أجندة مختلفة: ففي حين أنه قبل بالديمقراطية الليبرالية، فقد سعى إلى توسيع دولة الرفاه لتغطي عدداً أكبر من الناس وإلى توفير المزيد من الحمايات الاجتماعية. لكن كلاً من الماركسيين والاجتماعيين الديمقراطيين أملوا في توسيع المساواة الاجتماعية-الاقتصادية من خلال استخدام سلطة الدولة، عن طريق توسيع الوصول إلى الخدمات الاجتماعية لكل المواطنين وإعادة توزيع الثروة.
بينما كان القرن العشرون يدنو من نهايته، أصبحت محدوديات هذه الاستراتيجية واضحة. ترتب على الماركسيين مواجهة حقيقة أن المجتمعات الشيوعية في الصين والاتحاد السوفياتي تحولت إلى دكتاتوريات غاشمة وقمعية. وفي الوقت نفسه، أصبحت الطبقة العاملة في معظم الديمقراطيات الصناعية أكثر ثراء وشرعت بالاندماج في الطبقة الوسطى. وسقطت الثورة الشيوعية وهدف إلغاء الملكية الخاصة من الأجندة. كما وصل اليسار الديمقراطي الاجتماعي أيضاً إلى طريق مسدود عندما اصطدم هدفه المتمثل في التوسيع المستمر لدولة الرفاه بواقع القيود المالية خلال عقد السبعينيات المضطرب. واستجابت الحكومات بطباعة النقود، وهو ما أفضى إلى التضخم والأزمات المالية. وكانت برامج إعادة التوزيع تتسبب في خلق حوافز ضارة أحبطت العمل، والمدخرات، وتأسيس الأعمال، مما أدى إلى تقليص كل الكعكة الاقتصادية. وظل انعدام المساواة راسخاً بعمق، على الرغم من الجهود الطموحة للقضاء عليه، مثل مبادرات “المجتمع العظيم” التي قدمها الرئيس الأميركي ليندون جونسون. ومع تحول الصين إلى اقتصاد السوق بعد العام 1978 وانهيار الاتحاد السوفياتي في العام 1991، انهار اليسار الماركسي إلى حد كبير، وتُرك الديمقراطيون الاجتماعيون ليصنعوا سلامهم الخاص مع الرأسمالية.
تلاقى اضمحلال طموحات اليسار إلى إحداث إصلاح اجتماعي-اقتصادي واسع النطاق مع اعتناقه سياسات الهوية والتعددية الثقافية في العقود الأخيرة من القرن العشرين. واستمر اليسار في أن يُعرَّف بشغفه بالمساواة -الآيسوثيميا- لكن أجندته تحولت من التأكيد السابق على الطبقة العاملة إلى تبني مطالبات دائرة لا تني تتسع من الأقليات المهمشة. وخلص العديد من الناشطين إلى رؤية الطبقة العاملة القديمة ونقاباتها كطبقة ذات امتيازات، والتي كشفت عن القليل من التعاطف مع محنة المهاجرين والأقليات العرقية. وسعى هؤلاء الناشطون إلى توسيع حقوق قائمة متنامية من المجموعات بدلاً من السعي إلى تحسين الظروف الاقتصادية للأفراد. وفي هذه العملية، تُركت الطبقة العاملة القديمة في الخلف.
من اليسار إلى اليمين
كان اعتناق اليسار سياسات الهوية مفهوماً وضرورياً. فالخبرة المعيشة لمجموعات الهوية المتمايزة تختلف، وغالباً ما تقتضي التعامل معها بطرق خاصة بتلك المجموعات. وغالباً ما يفشل الخارجيون في تصوُّر الأذى الذي يصنعونه بأفعالهم، كما أدرك الكثير من الرجال في أعقاب ما كشفته حركة “#أنا أيضاً” MeToo# المناهضة للتحرش والاعتداء الجنسي. وتهدف سياسة الهوية إلى تغيير الثقافة والسلوك بطرق تنطوي على فوائد ملموسة وحقيقية للكثير من الناس.
بإلقائها ضوءاً على خبرات أضيق من الظلم، جلبت سياسات الهوية تغييرات مرحباً بها في الأعراف الثقافية وأنتجت سياسات عامة محسوسة ساعدت الكثير من الناس. جعلت حركة “حياة السود تهم” مراكز الشرطة في كل أنحاء الولايات المتحدة أكثر حذراً إزاء الطريقة التي تعامِل بها الأقليات، حتى مع أن الانتهاكات التي تمارسها الشرطة ما تزال موجودة. ووسعت حركة “#أنا أيضاً” الفهم الشعبي حول الاعتداء الجنسي وفتحت نقاشاً مهماً حول عدم ملاءمة القانون الجنائي الحالي للتعامل معه. وربما يكون أكثر نتائج هذه الحركة أهمية هو التغيير الذي أحدثته فعلياً في الطريقة التي يتفاعل بها الرجال والنساء في أماكن العمل.
وهكذا، ما من عيب في سياسة الهوية على هذا النحو؛ إنها استجابة طبيعية وحتمية للظلم. لكن نزوع سياسات الهوية إلى التركيز على القضايا الثقافية حوَّل طاقة وانتباه التقدميين بعيداً عن التفكير الجدي في عكس وجهة الاتجاه القائم منذ 30 عاماً في معظم الديمقراطيات نحو المزيد من اللامساواة الاقتصادية-الاجتماعية. كان الجدل حول القضايا الثقافية أسهل من النقاش حول تغيير السياسيات، وكان إدراج النساء والمؤلفين من الأقليات في المناهج المدرسية أسهل من الحديث عن زيادة الدخول وتوسيع فرص النساء والأقليات من خارج البرج العاجي. ولعل الأكثر أهمية من ذلك أن العديد من الداوئر الانتخابية التي كانت محلاً لتركيز الحملات الانتخابية الأخيرة المدفوعة بسياسات الهوية، مثل المديرات التنفيذيات في وادي السيليكون أو نجمات هوليوود، إنما تحتل موقعاً قريباً من قمة سلم توزيع الدخل. ولا شك في أن مساعدة أفرادها على تحقيق قدر أكبر من المساواة شيء جيد، لكنها لن تفعل الكثير لمعالجة مواطن التفاوت الواضحة بين الواحد في المائة الأعلى دخلاً وبين كل البقية.
كما تقوم سياسات الهوية التي يعتنقها اليسار اليوم بتحويل الانتباه بعيداً عن المجموعات الأكبر التي تعرضت مشكلاتها الخطيرة والجدّية للتجاهل. حتى وقت قريب، كان لناشطي اليسار قليلُ عناية بأزمة الأفيون المتفاقمة، أو بمصائر الأطفال الذين ينشؤون في عائلات المعيل الواحد الفقيرة في المناطق الريفية للولايات المتحدة. ولم يقدم الحزب الديمقراطي أي استراتيجيات طموحة للتعامل مع الخسائر الهائلة المحتلمة في الوظائف، والتي ستصاحب تقدم الأتمتة، أو بتفاوت الدخل الذي يمكن أن تجلبه التكنولوجيا على كل الأميركيين.
بالإضافة إلى ذلك، تشكل سياسات الهوية التي يعتنقها اليسار تهديداً لحرية التعبير ولنوع الخطاب العقلاني اللازم لإدامة الدولة الديمقراطية. ومع أن الديمقراطيات الليبرالية ما تزال ملتزمة بحماية الحق في قول أي شيء تقريباً في سوق للأفكار، وخاصة في المجال السياسي، فإن الهوس بالهوية اصطدم بالحاجة إلى وجود خطاب مدني. ويمنح تركيز مجموعات الهوية على الخبرة المعيشية أولوية للعالم العاطفي للذات الداخلية على الفحص العقلاني للقضايا المطروحة في العالم، ويعطي الآراء المعتنقة بإخلاص عن الامتيازات أفضلية على إجراء عملية من التأمل المنطقي، والتي ربما تدفع إلى التخلي عن الآراء القَبْلية. وغالباً ما يُنظر إلى حقيقة أن الخروج بتأكيد هو شيء مسيء لإحساس المرء بقيمته الذاتية على أنها سبب لإسكات الفرد الذي خرج بذلك التأكيد أو تحطيمه.
كما أن الاعتماد على سياسات الهوية كاستراتيجية ينطوي على نقاط ضعف. وتتصل مكامن الخلل الوظيفي الراهن للنظام السياسي الأميركي وانحطاطه بالاستقطاب المتطرف المتنامي، الذي جعل من مهمة الحكم الروتينية تمريناً في الوقوف على حافة الهاوية. ويقع اللوم في هذا الواقع على اليمين. وكما قال عالما السياسة، توماس مان ونورمان أورنستاين، فإن الحزب الجمهوري انتقل نحو جناحه اليميني بسرعة أكبر من تحرك الحزب الديمقراطي في الاتجاه المعاكس. لكن كلا الحزبين انتقلا مبتعدَين عن المركز. ونادراً ما كان نشطاء الجناح اليساري الذين يركزون على قضايا الهوية يمثلون الناخبين ككل؛ وفي الحقيقة، عادة ما تقوم اهتماماتهم بتغريب الاتجاه السائد.
ولكن، ربما كان أسوأ ما في سياسة الهوية كما يمارسها اليسار حالياً هو أنها حفزت صعود سياسات الهوية على اليمين أيضاً. ويعود هذا في جزء كبير منه إلى اعتناق اليسار لفكرة اللباقة السياسية، وهي عرف اجتماعي يمنع الناس من التعبير علناً عن معتقداتهم أو آرائهم بلا خوف من الوصم الأخلاقي. ولا شكل في أن لدى كل مجتمع وجهات نظر معينة تسير في عكس اتجاه أفكاره التأسيسية عن الشرعية، والتي تكون بذلك خارجة على حدود الخطاب العام. لكن من الصعب تعقب الاكتشاف المتواصل لهويات جديدة والأسس المتغيرة للخطاب المقبول. وفي مجتمع يكون متناغماً بقوة مع هوية المجموعة، تستمر خطوط جديدة للحدود بالظهور، وتصبح الطرق التي كانت مقبولة في السابق للحديث والتعبير عن الذات مسيئة. واليوم على سبيل المثال، ربما يؤوّل مجرد استخدام كلمات “هو” أو “هي” في سياقات معينة على أنه علامة على فقدان الحساسية تجاه ثنائيي الجنس أو المتحولين جنسياً. لكن مثل هذه الألفاظ لا تهدد أي مبادئ ديمقراطية أساسية؛ وإنما تتحدى بدلاً من ذلك كرامة مجموعة مخصوصة، وتؤشر على افتقار للوعي أو التعاطف مع نضالات تلك المجموعة.
في الواقع، ثمة عدد قليل نسبياً فقط من الكُتاب والفنانين والطلاب والمفكرين على اليسار ممن يعتنقون الأشكال الأكثر تطرفاً من اللباقة السياسية. لكن الإعلام المحافظ يلتقط هذه المناسبات، ويستخدمها لتطليخ اليسار ككل. وربما يفسر ذلك أحد العناصر غير العادية للانتخابات الرئاسية الأميركية للعام 2016، والمتمثل في الشعبية التي تمتع بها ترامب لدى مجموعة أساسية من المؤيدين على الرغم من سلوكه الذي كان كفيلاً في فترة سابقة بالحكم بالفشل على مصير مسعاه الرئاسي. وخلال الحملة، سخر ترامب من الإعاقة الجسدية لأحد الصحفيين، ووصف المكسيكيين بأنهم مغتصبون ومجرمون، وسُمع وهو يتبجح في أحد التسجيلات بأنه كان يمسك الأماكن الحساسة للنساء بيديه. ولم تكن تصريحاته تلك تجاوزات على اللباقة السياسية بقدر ما كانت تجاوزات على الكياسة الأساسية، ولم يكن الكثيرون من أنصار ترامب يوافقون عليها بالضرورة أو على غيرها من التعليقات الفاضحة التي أدلى بها. ولكن، في وقت يعتقد فيه الكثيرون من الأميركيين بأن الخطاب العام يعاني من إفراط في الرقابة الشرطية، فقد أحب أنصار ترامب كونه غير خاضع للضغط من أجل تجنب الإساءة لذوق الناس. وفي منطقة تشكلها اللباقة السياسية، يجسد ترامب نوعاً من المصداقية والأصالة اللتين تثيران إعجاب الكثير من الأميركيين: ربما يكون شخصاً خبيثاً، متعصباً، ومواصفاته غير رئاسية، لكنه يقول ما يفكر فيه على الأقل.
ومع ذلك، لم يعكس صعود ترامب رفضاً محافِظاً لسياسات الهوية. ويشعر الكثيرون من مؤيدي ترامب من الطبقة الوسطى البيضاء بأنهم تعرضوا للتجاهل من النخَب. والناس الذين يعيشون في المناطق الريفية، الذين يشكلون العمود الفقري للحركات الشعبوية، ليس في الولايات المتحدة وحدها وإنما في الكثير من الدول الأوروبية أيضاً، غالباً ما يعتقدون بأن قيمهم أصبحت تحت التهديد من النخب الحضرية. وعلى الرغم من كونهم أعضاء في مجموعة عرقية مهيمنة، فإن العديد من أعضاء الطبقة العاملة من البيض ينظرون إلى أنفسهم على أنهم ضحايا ومهمشون. وقد مهدت مثل هذه العواطف الطريق لصعود سياسات الهوية اليمينية التي تتخذ، في حالاتها الأكثر تطرفاً، شكل القومية البيضاء العنصرية بصراحة.
أسهم ترامب بشكل مباشر في هذه العملية. وقد بدأ تحوله من قطب عقارات ونجم لتلفزيون الواقع إلى منافس سياسي بعد أن أصبح أكثر المروجين شهرة لنظرية مؤامرة “بيرثر” العنصرية، التي تلقي بظلال الشك على أهلية باراك أوباما لشغل منصب الرئيس. وكمرشح، كان يراوغ عندما يُسأل عن حقيقة أن الزعيم السابق لعصابة كو كلوكس كلان، ديفيد دوك، قد أيده، واشتكى من أن قاضياً فيدرالياً أميركياً ينظر في قضية قانونية ضد جامعة ترامب كان يعامله “بلا عدالة” بسبب الإرث المكسيكي لذلك القاضي. وبعد تجمع عنيف للقوميين البيض في شارلوتسفيل، فرجينيا، في آب (أغسطس) 2017 –حيث أقدم قومي أبيض على قتل متظاهر من الجانب المقابل- أكد ترامب أن هناك “أناساً طيبين للغاية على كلا الجانبين”. وأمضى الكثير من الوقت وهو يستهدف الرياضيين والمشاهير السود بالنقد، وكان سعيداً باستغلال حالة الغضب من إزالة التماثيل التي تكرم قادة الكونفدرالية الأميركية.
بفضل ترامب، انتقلت القومية البيضاء من الأطراف إلى ما يشبه التيار السائد. ويشتكي أنصارها من أنه على الرغم من أن التحدث عن حقوق السود، أو حقوق النساء أو حقوق المثليين مقبول سياسياً، فإن من المستحيل أن يدافعوا عن حقوق الأميركيين البيض من دون أن يوصموا بالعنصرية. وسوف يجادل ممارسو سياسات الهوية من اليسار بأن التأكيد على الهوية في اليمين غير مشروع، ولا يمكن أن يكون على نفس السوية الأخلاقية مع الحقوق الخاصة بالأقليات والنساء والمجموعات المهمشة الأخرى، بما أنها تعكس منظوراً لمجتمع مالك للامتيازات تاريخياً. وهذا صحيح بكل وضوح. فالمحافظون يبالغون إلى حد كبير في تقدير المدى الذي تقوض به اللباقة السياسية حرية التعبير. وما يزال واقع العديد من المجموعات المهمشة بلا تغيير: ما يزال الأميركيون السود يعانون من عنف الشرطة؛ والنساء يتعرضن للاعتداء الجنسي والتحرش.
لكن الجدير بالملاحظة، مع ذلك، هو الكيفية التي تبنَّى بها اليمين لغة اليسار وتأطيره وعدّلها لتلائم أفكاره: فكرة أن البيض يتحولون إلى ضحايا، وأن وضعهم ومعاناتهم غير مرئيين لبقية المجتمع، وأن البنى الاجتماعية والسياسية المسؤولة عن هذا الوضع –خاصة الإعلام والمؤسسة السياسية- يجب تحطيمها. وعبر كامل الطيف الأيديولوجي، تشكل الهوية العدسة التي تتم من خلالها رؤية معظم القضايا الاجتماعية في الوقت الراهن. (يُتبَع).

*زميل أوليفييه نوميليني الرفيع في معهد فريمان سبوغلي للدراسات الدولية في جامعة ستانفورد؛ ومدير ماسباخر لشؤون الديمقراطية والتنمية وحكم القانون في المعهد. هذه المقالة مقتبسة من كتابه: “الهوية: المطالبة بالكرامة وسياسة السخط”، Identity: The Demand for Dignity and the Politics of Resentment
*نشر هذا المقال تحت عنوان: Against Identity Politics: The New Tribalism and the Crisis of Democracy
[email protected]

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock