ترجمات

ضد “منافسة القوى العظمى”: على أميركا أن لا تخلط بين الوسائل والغايات

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

دانيال نيكسون*– (فورين أفيرز) 15/2/2021
في أيامه الأولى في المنصب، قصد الرئيس الأميركي جو بايدن إلى إحداث قطيعة تامة مع سلفه. أعاد الانضمام إلى اتفاقية باريس للمناخ، وعرض تمديد معاهدة الأسلحة النووية الجديدة (ستارت)، وعكَس سياسة “مكسيكو سيتي” التي تقيد الوصول إلى الإجهاض. كما شدد المسؤولون المعينيون مرارا وتكرارا على أن الإدارة ستعطي الأولوية للدبلوماسية والتعددية على قومية “أميركا أولا” التي انتهجها الرئيس السابق دونالد ترامب.
لكن مصير بند مركزي في سياسة ترامب الخارجية ما يزال غير مؤكد: التركيز على المنافسة بين القوى العظمى، والتي “عادت”، وفقا لاستراتيجية الأمن القومي لإدارته. وقد شدد بايدن في خطاب رئيسي ألقاه في وزارة الخارجية الأميركية، على نيته “العمل مع بكين عندما يكون القيام بذلك في مصلحة أميركا”، لكنه أشار بعد أيام من ذلك إلى احتمال “المنافسة الشديدة” مع الصين. وربما يعكس هذا الخطاب إما البراغماتية، أو أن المنافسة بين القوى العظمى في طريقها إلى احتلال مكانة مهيمنة في سياسة إدارة بايدن. وحتى لو كان بايدن يهدف إلى التقليل من أهمية المنافسة في مجالات معينة، فمن المؤكد أن الجمهوريين سينتقدون الإدارة باعتبارها ضعيفة وغير فعالة في مواجهة التحديات الدولية. وما لم تحدث بعض التغيرات الرئيسية في بيئة التهديد العالمي، ستظل المنافسة بين القوى العظمى نقطة محورية في المناقشات الجارية حول سياسة الأمن الخارجي والقومي للولايات المتحدة.
وهذا مؤسف. فعلى الرغم من كل تأثير المفهوم في السنوات الأخيرة، ليست المنافسة بين القوى العظمى إطارا متماسكا للسياسة الخارجية للولايات المتحدة. ويعرض التعامل معه كمبدأ إرشادي للاستراتيجية الأميركية الكبرى خطر الخلط بين الوسائل والغايات، وإهدار الموارد المحدودة على تهديدات وهمية، وتقويض التعاون الممكن في مواجهة التحديات الأمنية المباشرة والفورية، مثل تغير المناخ وانتشار الأسلحة النووية. وعلى المدى الطويل، من المرجح أن يؤدي التركيز على المنافسة بين القوى العظمى إلى تقويض قوة الولايات المتحدة ونفوذها بدلا من تعزيزهما.
المشكلة في المنافسة
وفقا لاستراتيجية الدفاع الوطني التي انتهجتها إدارة ترامب في العام 2018، فإن “المنافسة الاستراتيجية بين الدول، وليس الإرهاب، هي الآن الشغل الشاغل للأمن القومي للولايات المتحدة”. وبعد عام واحد فقط، لاحظ المحلل أوري فريدمان في مجلة “الأتلانتيك” أن منافسة القوى العظمى الآن “يستدعيها، من منطقة أسبِن إلى إسرائيل إلى كوريا الجنوبية، المسؤولون الأميركيون الذين يريدون إقامة الحجة لجميع أنواع السياسات”. وأشار إلى أن هذه العبارة “حققت حتى مكانة المختصر المقدس” في شكل “GPC” (الأحرف الأولى من Great-Power Compition). وينظر إليها البعض في واشنطن على أنها تكملة للحرب الباردة الأصلية، حيث تأخذ الصين محل الاتحاد السوفياتي. وينظر آخرون إلى المزيد من التنافسات الجيوسياسية التقليدية كنموذج.
تعكس الشعبية المكتشفة حديثًا لمنافسة القوى العظمى حقائق واقعية على الأرض. في الواقع، لا يمكن للمنافسة بين القوى العظمى أن تعود، ببساطة، لأنها لم تختف أبدا. إن التنافسات بين الدول الرائدة توجد في كل نظام دولي. وحتى خلال التسعينيات -ذروة “اللحظة أحادية القطب”- تنافست الولايات المتحدة وروسيا في البلقان. وتنافست الولايات المتحدة وفرنسا في أجزاء من إفريقيا. وتنافست العديد من الدول على النفوذ في آسيا الوسطى.
ولكن، الآن مع تضاؤل مكانة القطب الأوحد التي تمتعت بها واشنطن في السابق، تجد قوى مثل الصين وروسيا أن تحدي القيادة الأميركية أصبح أسهل مما كان عليه في السابق. ونظرا لأن الدول تميل إلى اعتبار العداء العلني خيارا أكثر جاذبية عندما تتوقع أن تصعد إلى احتلال الصدارة، فسوف يكون هناك حتما المزيد من المنافسة بين القوى العظمى مع تراجع القوة النسبية للولايات المتحدة. ومع وجود واشنطن في موقف ضعيف، يرى القادة الأجانب فرصة لتحقيق مكاسب اقتصادية، وتعزيز مصالحهم الأمنية، وتحدي الأعراف والقواعد القائمة، أو تغيير مكانة بلدانهم في هيكلية النظام الدولي.
وعلى الرغم من ذلك، فإن مراقبة واشنطن للمنافسة المتزايدة بين القوى العظمى والتكيف مع عالم يكون لها فيه بنفوذ أقل مما كان في السابق هي شيء، بينما رفع المنافسة نفسها إلى مكانة المبدأ الموجِّه للسياسة الخارجية للولايات المتحدة -كما اقترحت إدارة ترامب، وما قد قد ينتهي بايدن إلى فعله- هو شيء آخر تماما. إن مجرد حقيقة وجود بيئة دولية أكثر تنافسية لا تجبر الدول على الانخراط في صراع لا هوادة فيه. بدلا من ذلك، تحدث فترات من التنافس الشديد بين الدول عندما تختار القوى العظمى -أحيانا كمسألة استراتيجية كبرى، وأحيانًا من خلال مراكمة القرارات التكتيكية الفردية- أن تعطي الأولوية للصراع على التعاون. لا شيء، على سبيل المثال، يتطلب من الولايات المتحدة أن تقاوم كل تحد هامشي لنفوذها أو وضعها أو تفضيلاتها السياسية. ولا تشكل كل خطوة تتخذها موسكو أو بكين بالضرورة تهديدا مباشرا لمصالح واشنطن الوطنية.
كما أنه من المضلل الاعتقاد، كما اقترح البعض، بأن المنافسة بين القوى العظمى تجعل المعايير والقواعد والجوانب الأخرى للنظام الدولي (ليبرالياً كان أم غير ذلك) غير ذات صلة. حتى أثناء حقبة الحرب الباردة، وضعت الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي مجموعة متنوعة من القواعد الرسمية وغير الرسمية التي ساعدتهما على إدارة المنافسة، والحد من الانتشار النووي، وهيكلة العلاقات الدولية. وعنى كسر هذه القواعد فرض تكاليف حقيقية تتعلق بالسمعة، كما يشهد على ذلك عدد التدخلات السرية خلال الحرب الباردة. وقد واجه كلا طرفي الصراع مقاومة شديدة عندما انتهكا معايير السيادة أو تقرير المصير الوطني.
غالبا ما تكمل هذه المعايير والقواعد والمؤسسات سياسات القوة. إنها تعمل كأهداف وأدوات لمنافسة القوى العظمي في نفس الوقت. في القرن التاسع عشر، على سبيل المثال، طالب رجل الدولة الألماني، أوتو فون بسمارك، بالمعايير والأعراف المشتركة في جهد ناجح لتقليل المقاومة الأوروبية لتوحيد ألمانيا. واليوم، تستمد الولايات المتحدة الكثير من قوتها النسبية من الترتيبات المؤسسية -لا سيما شبكتها التي لا مثيل لها من التحالفات والشراكات- التي تعكس، وتستمد الشرعية، في كثير من الأحيان من القيم الليبرالية.
تؤكد هذه العلاقات على مشكلة مركزية في التعامل مع منافسة القوى العظمى على أنها المبدأ المنظم للسياسة الخارجية: إنها لا تقدم سوى القليل جدا في طريقة توجيه صانعي السياسات. لا توجد استراتيجية كبرى واحدة لإدارة حِقب تنافس القوى العظمى. ولا توجد أدوات لإدارة الحكم تجعلها المنافسة ذات صلة أو غير ذات صلة. ولا تعني منافسة القوى العظمى حتى تبني نهج أكثر عدائية تجاه المنافسين: كما أدرك الرئيس الأميركي رونالد ريغان والزعيم السوفياتي ميخائيل غورباتشوف بحلول العام 1987، فإن أفضل استجابة للمنافسة المتعاظمة ربما تكون تخفيف التوترات من خلال إعمال تدابير بناء الثقة والتعاون.
يساعد عدم التعيين على هذا النحو في تفسير الجاذبية الواسعة للمفهوم: يمكن للمرء استخدام منافسة القوى العظمى لتبرير أي شيء تقريبًا. في تسعينيات القرن الماضي، احتاجت الولايات المتحدة إلى ميزانيات عسكرية ضخمة لمنع ظهور منافسين جدد من القوى العظمى. والآن، أصبحت تحتاج إلى تلك الميزانيات للتنافس مع القوى العظمى القائمة. ودعا الليبراليون ذات مرة إلى استثمارات كبيرة في البنية التحتية والتعليم والبحث للحفاظ على التفوق الأميركي. والآن يدعون إليها لإبقاء الولايات المتحدة قادرة على المنافسة في عالم متعدد الأقطاب. وقد تتطلب منافسة القوى العظمى تقليصًا استراتيجيًا للنفقات، أو عملية موازنة في الخارج، أو إلى انخراط عميق. وربما تعني أن على واشنطن التخلي عن أوهامها الليبرالية، وانتهاج سياسة واقعية أحادية الجانب مطلقة العنان. أو ربما تحتاج الولايات المتحدة إلى الالتزام بالتعددية وبعلاقات أكثر مساواتية مع الحلفاء.
المنافسة في السياق
في النهاية، ليست المنافسة هدفا استراتيجيا. إنها وسيلة لتحقيق غاية. ويجب أن يكون قرار التنافس مع قوة عظمى أخرى دائما متركزا على شيء محدد؛ يجب أن يتركز على فعالية المنافسة (باعتبارها نقيضاً لنهج أكثر تعاونية)، وعلى قيمة الشيء المعني، وكيف يساهم الهدف المحدد في تحقيق الأهداف طويلة الأجل.
على سبيل المثال، يجادل الكثيرون بأن للولايات المتحدة مصلحة حيوية في منع قوة واحدة من الهيمنة على أوراسيا. ومع أخذ ذلك في الاعتبار، يمكن لصانعي السياسة في الولايات المتحدة أن يقرروا، على سبيل المثال، ما إذا كانت المنافسة مع روسيا على النفوذ في أوكرانيا تخدم هذا الهدف -وإلى أي درجة- ومن ثم تعديل السياسة الأميركية وفقًا لذلك. ولكن، كما يلاحظ مركز الأبحاث “ميتر” MITER الأميركي الممول فيدرالياً، فإن المنافسة بين القوى العظمى تنطوي على “صراع عالمي مستمر من أجل التفوق العسكري والاقتصادي والأيديولوجي بين الولايات المتحدة وروسيا والصين”، مع عدم وجود هدف استراتيجي منفصل في الذهن، حيث الوسائل تتحول إلى غايات.
وليست هذه مجرد مشكلة نظرية. حتى من دون تفسير متطرف لمنافسة القوى العظمى التي تفرض العداء في كل منعطف، من المرجح أن تواجه الإدارات الأميركية ضغوطًا مستمرة للرد بشكل متماثل على المساعي الصينية والروسية إلى النفوذ. وسيدَّعي السياسيون في الداخل، وكذلك في البلدان الشريكة، أن عدم القيام بذلك يهدد مصداقية الولايات المتحدة. وإذا تُركت هذه الضغوط من دون رادع، فإنها ستعني حتماً تصعيداً غير ضروري ومعضلات أمنية وسوء تخصيص للموارد. بالنسبة للولايات المتحدة، وهي قوة في حالة تدهور نسبي مع التزامات أمنية عالمية واسعة، ثمة خطر حقيقي من فرط التمدد عسكرياً واقتصادياً. وبعد كل شيء، ليس كل إجراء تتخذه بكين أو موسكو يشكل ضربة كبيرة للمصالح الوطنية الأميركية. كما أن الصين وروسيا لا تسترشدان باستراتيجيين بارعين.
تمتلك الولايات المتحدة الكثير من الخبرة في التعامل مع سلبيات المنافسة من دون أهداف واضحة ومحددة بدقة. فقد أدت “الحرب الباردة” إلى وقوعها في مستنقع عنيف ومكلف في الهند الصينية. ودفعت “حرب واشنطن على الإرهاب” بها إلى خضم سلسلة من الصراعات الأهلية منخفضة المستوى، وإنما الطاحنة، في العالم الإسلامي الأكبر. وعلاوة على ذلك، كان يمكن لواشنطن ذات مرة أن تستوعب هذه التكاليف بفعالية أكبر مما يمكنها الآن: كانت الولايات المتحدة أكثر ثراءً بكثير وأكثر اندماجًا في الاقتصاد العالمي من الاتحاد السوفياتي، الذي لم يكن ناتجه المحلي الإجمالي يزيد مطلقاً عن خمسي ناتج أميركا. وحتى في ذروة تدخلها في أفغانستان والعراق، لم تواجه واشنطن منافسين أنداداً محتملين.
اليوم، على النقيض من ذلك، يبلغ الناتج المحلي الإجمالي للصين (بالقيمة الاسمية) ما يقرب من ثلثي حجم نظيره في الولايات المتحدة، وتعد بكين الشريك التجاري الأكبر لما يقرب من 130 دولة في العالم. وتتمتع الصين وروسيا أيضًا بميزة إضافية تتمثل في نشر مواردهما العسكرية والسياسية قريباً من الوطن، بينما يجب على واشنطن نشر قدراتها في جميع أنحاء العالم للحفاظ على وضعها الحالي. وإذا اعتقد صانعو السياسة الأميركيون أن بكين وموسكو تلعبان الشطرنج بمستوى رفيع، فيجب على واشنطن أن تشعر بالقلق بشكل خاص من احتمال أن تكون كلتاهما بصدد حفز الولايات المتحدة بنشاط على إهدار مواردها في مسابقات هامشية.
التعاون والتكيف
يجب على الولايات المتحدة أن تتكيف مع عالم تزداد فيه قوة الصين وروسيا، عسكريًا واقتصاديًا على حد سواء. لكن التعاون في كثير من الحالات -بما في ذلك مع المنافسين- سيعزز أمن الولايات المتحدة وازدهارها بشكل أكثر فاعلية من المنافسة. الآن، يواجه العالم تحديات وجودية مثل تغير المناخ، وانهيار النظام البيئي، وانتشار الأسلحة النووية، والتي ستزداد سوءًا إذا فشلت الولايات المتحدة والصين وغيرهما في التعاون. وهناك نماذج لكيفية تجنب هذه النتيجة المظلمة، حتى خلال اللحظات الأكثر عدائية في السياسة العالمية. على الرغم من التهديد بالإبادة النووية خلال الحرب الباردة، تمكنت واشنطن وموسكو من التعاون في مجموعة من مجالات الاهتمام المشتركة، بما في ذلك أبحاث لقاح الجدري، وفي النهاية، منع الانتشار النووي.
واليوم، على النقيض من ذلك، تسببت جائحة “كوفيد-19” في توتير العلاقات بين الولايات المتحدة والصين -وهو ما لا يبشر بخير لقدرة البلدين على التعامل مع المشاكل العابرة للحدود الوطنية. وعلى الرغم من تمديد معاهدة “ستارت” الجديدة، فإن نظام الحد من التسلح في حقبة “الحرب الباردة” بين الولايات المتحدة وروسيا ما يزال معلقاً بخيط رفيع أيضاً. ولا أحد يعلم تمامًا كيف ستتواءم الصين في هذه الصورة القاتمة: حيث تعمل بكين، إلى جانب الولايات المتحدة وروسيا، على تحديث مخزونها النووي. وتلوح في الأفق اختراقات في تقنيات تنطوي على إمكانية زعزعة الاستقرار.
كل هذه المشاكل تدعو إلى حلول تعاونية، وليس إلى تعميق الخصومات بلا داعٍ. ولكن، عندما يتم تبنيها كنموذج تأسيسي للعلاقات الخارجية، فإن المنافسة بين القوى العظمى تحيل التعاون إلى فكرة ثانوية -أو الأسوأ من ذلك، ترفضه باعتباره اختياراً ساذجًا. ويمكن للقادة في إدارة بايدن أن يتعاملوا بشكل أفضل مع حقائق المنافسة المعاصرة بين القوى العظمى إذا هم تعاملوا معها باعتبارها إحدى الطرق الممكنة لتحقيق أهداف محددة، بدلاً من أن تكون هي المبدأ الأساسي الناظم للسياسة الخارجية الأميركية.

*Daniel H. Nexon: أستاذ في قسم الحكومة وفي كلية إدموند وولش Edmund A. Walsh للخدمة الخارجية بجامعة جورجتاون.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: Against Great Power Competition: The U.S. Should Not Confuse Means for Ends

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock