أفكار ومواقف

ضد وصمة المرض النفسي..!

علاء الدين أبو زينة

يخوض مجموعة من الأطباء والمختصون النفسيون الأردنيون والعرب حملة بعنوان « المبادرة العربية لمكافحه الوصمة الاجتماعية ضد المرض النفسي 22-2-2022».

وقد أسس المبادرة التي تستمر لعام وترفع شعار «كل العرب معاً ضد وصمة المرض النفسي»، مستشار الطب النفسي الدكتور وليد سرحان.

ومن الواضح أن المختصين في هذا المجال يستشعرون خللاً كبيراً في العلاقة بين المواطن العربي والدعم النفسي.

ويجدون من خبرتهم ودراسات الحقل أن أعداداً كبيرة من الناس الذين يعانون من متاعب نفسية قابلة للعلاج بسهولة يهملون حالاتهم.

والسبب إما ضعف الثقافة النفسية، أو الخوف من الوصم الاجتماعي في حال قرروا الحصول على رعاية نفسية متخصصة.

في الأردن، يقول المختصون في المجال أن أعداد المصابين بالاضطرابات النفسية المختلفة تقدر بنحو 1.75 مليون شخص، أي ما نسبته 25% من السكان، أو واحد من كل أربعة أردنيين، أغلبهم من فئة الشباب.

وعندما تُعلن هذه الأرقام، يميل الناس إلى تجاهل المشكلة في أحسن الأحوال، والتندر بها في أسوئها بقول شيء مثل، «ربع الأردنيين مجانين».

وهذه اتجاهات جاهلة وغير مسؤولة، تشف عن عقلية مستهترة بعيدة عن العلم ومنفصلة عن الواقع.

إذا كانت هذه الأرقام قريبة من الدقة فإن هناك مشكلة ينبغي أن تكون مقلقة، تماماً مثل ارتفاع نسبة مرضى السكري أو السرطان.

وتصف أدبيات الطب النفسي نوعية الاضطرابات التي تنغص حياة الفرد، أو تعيق عمله، أو تصيبه بآلام نفسية وجسدية لا داعي لها إذا تعامل معها كأي عرَض صحي تمكن معالجته والتخلص منه.

لكنّ الوصمة الاجتماعية أو الميل إلى التفسيرات الخرافية للمتاعب تعني الحكم على نحو مليوني مواطن بمعاناة غير الضرورية، بل التسبب في موت بعضهم –حرفياً- حين تتطور بعض حالات الاكتئاب إلى محاولة الانتحار أو تنفيذه.

في الحقيقة، ربما يعبر التجاهل الرسمي لهذه الأرقام وعدم التعامل معها كأي مرض منتشر عن نوع من الوصم الحكومي للمرض أيضاً وعدم الرغبة في الاعتراف به كشيء مخجل مثلاً.

لا أحد يعمل على تطبيع المرض النفسي بين بقية الأمراض ووضع البرامج الوطنية لتغيير النظرة الاجتماعية إليه كخطوة أولى ضرورية للتخلص من تداعياته.

ومن المعروف أن المتاعب النفسية التي لا تعالج قد تفضي في بعض الأحيان إلى إدمان الكحول أو المخدرات، والعصبية المؤدية إلى العنف، وتعطيل قدرات وإنتاجية عدد غير قليل من الأفراد.

تثار في كثير من الأحيان مسألة الكلفة المرتفعة للمعالجة النفسية، حيث يتقاضى المتخصصون النفسيون أجوراً مرتفعة في الحقيقة.

لكن نفس هؤلاء المتخصصين من القطاع الخاص يوجهون في الحملة إلى العيادات الحكومية النفسية، ويوصون بأن تكون مجانية وشبه مجانية لكل من يحتاج إلى الدعم النفسي ويختار مراجعتها.

وهم ينطلقون من موقع معرفة نوع المعاناة التي يعيشها الكثير من الأشخاص الذين يُهمل علاجهم النفسي بسبب الجهل أو الوصم الاجتماعي.

ويعلنون أن هدف الحملة ليس الترويج لعملهم الخاص بقدر ما هو مساعدة الذين يعانون على التخلص من متاعبهم بأي طريقة.

بل ويشير بعض المداخِلين في مواقعة الحملة إلى قبول الحس الشعبي باللجوء إلى المشعوذين لعلاج الاضطرابات النفسية وتفضيلهم على المتخصصين العلميين، باعتبار مراجعة «الشيوخ» أقل وصماً.

وسوف يدفع أهل المريض لهؤلاء أيضاً مقابل «علاج» المريض «الممسوس» أو «المحسود» أو «المتعب بسبب عمل»، بالضرب بسجادة أو شراء ماء «مقدس» شافٍ برقية «الشيخ».

ومن المضحك المبكي أن أحد هؤلاء أعلن على صفحته الإلكترونية رفع سعر الماء «المرقي»، ربما بسبب غلاء المعيشة أو تحسين النوعية (وربما الحرب الأوكرانية).

حسب المختصين، ليست وصمة المرض النفسي حكراً على المجتمعات العربية. لكن معظم الدول المتحضرة قطعت أشواطاً في التوعية بالفرق بين المتاعب الطبيعية الناجمة عن الضغوط العادية والمتاعب النفسية غير العادية والقابلة للعلاج.

وبالإضافة إلى التوعية ومحاربة الوصم، تشرف هذه الدول على عيادات متخصصة للدعم النفسي، تابعة لوزارات الصحة أو تديرها المنظمات والجمعيات المختلفة التي تقدم الخدمة لمن يحتاجها بالمجان أو برسوم رمزية.

سوف تتطلب مساعدة المتأثرين وطمس الوصمة تضافر جهود الإعلام الرسمي والخاص، والمدارس والجامعات، لإبراز هذه القضية القابلة للحل.

ويصح هذا بشكل خاص عندما تكون السياسات والإدارة العامة سبباً في تأزيم النفسية الإجتماعية وإحباطها في المقام الأول.

المقال السابق للكاتب

في يوم الأرض الفلسطيني..!

للمزيد من مقالات الكاتب انقر هنا

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock