أفكار ومواقف

ضرائب على الموبايل وإغلاق الصحف

في المشهد الأردني استأثرت قضيتان باهتمامي ومتابعتي، الأولى زيادة الضريبة على “كروت” شحن الموبايل بنسبة 100 %، وردود الفعل الشعبية عليها، والثانية تعليق صدور جريدة “العرب اليوم” لمدة شهرين واعتصام العاملين احتجاجاً على توقف رواتبهم منذ ثلاثة أشهر وخوفاً على مصيرهم المجهول.
رفع الضريبة على الاتصالات حظيت بإدانة شعبية لا مثيل لها في شهر رمضان، ولم تتعرض حكومة ورئيسها لمثل هذه الحملة من السخرية على مواقع التواصل الاجتماعي، وذاع صيت الرئيس عبدالله النسور باعتباره البطل المتوج في رفع الأسعار وفرض الضرائب، وأن حكومته ستدخل موسوعة “غينيس” في الجباية من جيب المواطن.
الحكومة اعتقدت أن فرض ضريبة إضافية على “كروت الشحن” خاصرة رخوة تستطيع تبريرها بالقول بأن الاتصالات من الكماليات التي لا لزوم لها، وبأنها بذلك تحدّ من أنماط الاستهلاك المتزايد في المجتمع الأردني، وحاولت أن توحي في البداية أن وراء الرفع شركات الاتصالات، وكشرت عن أنيابها تجاه قطاع ناجح أسهم في تقدم الأردن وترويجه على أنه البيئة الأمثل لقطاع الاتصالات.
حيلة الحكومة ربما انطلت في اللحظة الأولى على المواطنين الذين دعوا لمقاطعة شركات الاتصالات، ولكن هجوم شركات الاتصالات بعقدها مؤتمرا صحفيا مشتركا، وما تبعه من حملات إعلانية، كشف “عورات” الحكومة، وأظهر للمواطنين بشكل لا يحتمل اللبس، أن الحكومة وجدت أن أسهل الطرق لجمع الأموال لرفد الخزينة هو فرض الضرائب المباشرة على بطاقات الاتصالات، بعد قرارها رفع أسعار الكهرباء.
لم تفكر حكوماتنا بأن من يستخدم بطاقات الشحن هم الطلاب، والطبقة المتوسطة، وأن المقتدرين لن يتأثروا، وأيضاً لم تدرس التأثيرات السلبية على قطاع الاتصالات وتعاملها معه باعتباره “بقرة حلوبا” للحكومة؟!.
المتوقع أن ينعكس قرار زيادة الضريبة بتراجع شراء البطاقات 20 %، وبالتالي انخفاض العائدات الضريبية التي كانت تتوقعها الحكومة، والأهم اهتزاز ثقة شركات الاتصالات وصناعة الإنترنت بالحكومة الأردنية، وبالتأكيد إحجامها أو تراجعها عن خطط زيادة الاستثمار في الأردن، وهذا يعني حتماً تقلص فرص العمل للشباب الأردني.
الأردن باختصار لم يعد البيئة المناسبة لقطاع الاتصالات والإنترنت، فبعد اللطمة الأولى بإقرار قانون المطبوعات والنشر الذي أثار الرعب بين شركات مثل جوجل وياهو، عندما تأكد لهم بأن قانون المطبوعات ينطبق فعلياً على الجميع، حتى لو قدمت الحكومة رسائل ضمانات لهم.
جاءت الصفعة الثانية بإقرار زيادة الضريبة دون حوار ومشاورات، باعتبار أن شركات الاتصالات مطالبة بإدارة الخد الأيسر وعدم الاعتراض، وشعار الحكومة “اللي مش عاجبه يشرب ماء البحر الميت”!.
هذا ما حدث في قطاع الاتصالات، وليس بعيداً عنه أغلقت صحيفة العرب اليوم أبوابها وعلّقت صدورها، بعد توقف ناشر ومالك الجريدة عن دفع رواتب العاملين، وصبرهم طوال الأشهر الماضية للحفاظ على الجريدة ومصدر رزقهم.
ما جرى مع “العرب اليوم” يعكس تهاوي صناعة الإعلام في الأردن الذي ظل يئن من الضربات الحكومية، فهو دائماً هدفاً للسيطرة والاحتواء والتوظيف، ودائماً كانت القوانين له بالمرصاد، وظلت تستخدم لقمع حرية الإعلام. ورغم الخدمات الجليلة التي يقدمها الإعلام للحكومات المتعاقبة بترويج وتسويق سياساتها، فإنها كانت معادية له وبخيلة في مساعدته، فالضرائب لم ترفع عن مدخلات الطباعة والإنتاج، والإعلان الحكومي ظل “ببلاش”، ولم تقبل الحكومات رفع تسعيرته منذ عقود.
الحكومة تتنصل من مسؤوليتها وتقول إنه لا علاقة لها بملف “العرب اليوم”، فهي جريدة من القطاع الخاص، ولكنها قبل أعوام تدخلت في ذات الجريدة، ولا ننسى موقفها من تلفزيون “atv”، وكيف عصفت به في اللحظات الأخيرة، وهو الآن ملف منسي مهمل رغم كل الإمكانات العصرية لإطلاق تلفزيون بالأردن يعيد الاعتبار للإعلام المرئي؟.
الآن أكثر من 200 صحفي وموظف يفترشون الأرض أمام مبنى “العرب اليوم”، يبحثون عن بارقة أمل لإنقاذهم من العوز والجوع، ويريدون حلاً بعد أن طفح الكيل من استمرار سياسات استهداف الإعلام!.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock