ترجمات

ضربات المسيّرات وممارسات التعذيب ستؤدي إلى ردة فعل كبيرة

برايان كلاوغلي* – (كاونتربنش) 5/11/2021
ترجمة: علاء الدين أبو زينة

يستمر الرئيس بايدن في إخبارنا، كما فعل في ملاحظاته التي أدلى بها في أيلول (سبتمبر) أمام جلسة الأمم المتحدة، بأن “الحقوق المتساوية، وغير القابلة للتصرف لجميع أفراد الأسرة البشرية هي أساس الحرية والعدالة والسلام في العالم”. وأعرب عن أسفه لأننا “فقدنا 13 بطلًا أميركيًا وما يقرب من 200 من المدنيين الأفغان الأبرياء في الهجوم الإرهابي الشنيع الذي شُن على مطار كابول”، ولكن لم ترد أي كلمة عن الأطفال السبعة الذين قُتلوا بصاروخه الذي أطلقته طائرة من دون طيار.

  • * *
    في 29 تشرين الأول (أكتوبر) المنقضي، ورد أن سجينًا في خليج غوانتانامو أدلى بشهادته حول التعذيب الذي تعرض له على مدى سنوات عديدة في “المواقع السوداء” التابعة لوكالة المخابرات المركزية، والقاعدة العسكرية الأميركية في كوبا، حيث تم، من بين أمور أخرى، “تعليقه عارياً من عارضة في السقف لفترات طويلة، وصبّ الماء المثلج عليه مرارًا وتكرارًا لإبقائه مستيقظًا لأيام عدة. ووصف السجين السابق وضع رأسه تحت الماء لدرجة أنه كاد أن يشرف على الغرق، فقط ليُصَب الماء في أنفه وفمه عندما يرفعه المحققون من الماء. كما تعرض للضرب، والحقن بحقن شرجية قسرية، والاعتداء الجنسي عليه وتجويعه…”.
    وقبل أسبوع من ذلك، في “يوم الأمم المتحدة”، كان بيت بايدن الأبيض قد أعلن أن الولايات المتحدة ملتزمة “بالرؤية والقيم الأصلية المنصوص عليها في ميثاق الأمم المتحدة”، والتي تتضمن “إنشاء نظام دولي قائم على القواعد”، وضمان “الالتزام بالقانون الدولي”. وجاء هذا الإعلان بعد شهرين من غارة أميركية شنتها طائرة من دون طيار في كابول، والتي أسفرت عن مقتل عشرة مدنيين، بينهم سبعة أطفال. وكما تشير منظمة الصليب الأحمر الدولية، فإن “الحرمان التعسفي من الحق في الحياة” يشمل “القتل غير المشروع أثناء سير الأعمال العدائية، أي قتل المدنيين والأشخاص العاجزين عن القتال الذين لا يخضعون لسلطة طرف في النزاع غير المبرر بموجب قواعد سير الأعمال العدائية”. وبالتالي، وفقًا لـ”النظام الدولي القائم على القواعد” الذي تتحدث عنه واشنطن، فإن قتل المدنيين هو عمل غير قانوني.
    لكن كل ما فعلته وزارة الدفاع الأميركية بشأن قتل الأطفال في كابول كان الاعتراف بتردد في نهاية المطاف بأنها ذبحت بالفعل رجلاً بريئًا والعديد من أفراد عائلته -ومن غير المرجح أن أي شيء كان ليخرج إلى العلن لولا عمل صحيفة “نيويورك تايمز”، الذي كشف عن وجود خديعة. وكان تحقيق وزارة الدفاع في عمليات القتل مهزلة، وأشارت النتيجة، التي تم نشرها في 3 تشرين الثاني (نوفمبر) الحالي، إلى أنه “لم يكن هناك انتهاك للقانون، بما في ذلك قانون الحرب” في هذه الحادثة.
    والآن تتلوى وزارة الدفاع وتقول إنها آسفة، وأنها ستلقي النقود لحل المشكلة. في 20 أيلول (سبتمبر)، قال الجنرال كينيث ماكنزي لوسائل الإعلام إن الصاروخ الذي أطلقته طائرة من دون طيار “أصاب السيارة عند الساعة 4:53 مساءً، ما أدى إلى وقوع حدث متفجر وألسنة لهب أكبر بكثير مما كان من المتوقع أن ينتجه صاروخ هيلفاير”.
    ربما لا يدرك الجنرال الجنون غير المعقول الذي تنطوي عليه عبارة “حدث متفجر” وإعلانه “إننا نستكشف إمكانية دفع هبات” (وليس تعويضات) هو شأن أكثر سخافة. فقد قتل “حدث” هيلفاير البنتاغون معظم عائلة سائق السيارة، زيمراي أحمدي، الذي “عمل لمدة 15 عامًا في المنظمة العالمية للتغذية والتعليم Nutrition & Education International، وهي منظمة غير ربحية مقرها كاليفورنيا تهدف إلى مكافحة سوء التغذية في أفغانستان”.
    وأفادت وكالة “الأسوشيتد برس” بأن “الأسرة قالت إنه عندما اقترب زيمراي البالغ من العمر 37 عامًا، والذي كان قادما بمفرده في سيارته، من المنزل، أطلق بوق السيارة. وعندئذٍ، ركض ابنه البالغ من العمر 11 عامًا إلى الخارج، وسمح زميراي للصبي بدخول السيارة وقيادتها في الممر قرب المنزل. وركض الأطفال الآخرون للمشاهدة، ثم فجر الصاروخ السيارة وأحرقها، ما أسفر عن مقتل سبعة أطفال وابن بالغ وابن شقيق لزميراي”. وبعد ذلك، كما سجلت صحيفة “نيويورك تايمز”، تم كشف الغطاء عن الأكاذيب المعتادة، و”كل شيء أكده مسؤولو الدفاع الكبار تقريبًا في الساعات، ثم الأيام، ثم الأسابيع التي أعقبت غارة يوم 29 آب (أغسطس) بالطائرة من دون طيار، تبين أنه كاذب”. لقد ضرَب كذابو البنتاغون مرة أخرى.
    ومع ذلك، يستمر الرئيس بايدن في إخبارنا، كما فعل في ملاحظاته التي أدلى بها في أيلول (سبتمبر) أمام جلسة الأمم المتحدة، بأن “الحقوق المتساوية، وغير القابلة للتصرف لجميع أفراد الأسرة البشرية هي أساس الحرية والعدالة والسلام في العالم”. وأعرب عن أسفه لأننا “فقدنا 13 بطلًا أميركيًا وما يقرب من 200 من المدنيين الأفغان الأبرياء في الهجوم الإرهابي الشنيع الذي شُن على مطار كابول”، ولكن لم ترد أي كلمة عن الأطفال السبعة الذين قُتلوا بصاروخه الذي أطلقته طائرة من دون طيار.
    إن “الحادث المتفجر” لصاروخ “هيلفاير” الذي قتل زميراي أحمدي وابنه الصغير والأطفال الآخرين الذين كانوا يحيونه بحماس، بعيد كل البعد عن المذبحة الأولى للأبرياء التي تمت بصواريخ أميركية. وقد تم مسبقاً تدمير الحرية والعدالة والسلام بفعل العديد من الضربات التي نُفّذت بطائرات من دون طيار، ولم تسفر أي منها عن إجراءات ملاحقة قضائية بعد مقتل مدنيين أبرياء فيها.
    وراءً في أيار (مايو) 2016، بعد أن اكتشف الرئيس أوباما جمال ضربات الطائرات من دون طيار التي يمكن أن تقدِّم سياسة الولايات المتحدة حول العالم، كنتُ قد كتبتُ في “كاونتربنش” عن مقتل سائق تاكسي باكستاني يدعى محمد عزام بواسطة طائرة من دون طيار، وهو الذي كان يكسب أجره اليومي الضئيل عن طريق نقل الركاب الذين يعبرون الحدود من إيران إلى باكستان. وفي العادة، كان يأخذهم إلى القرى المجاورة للحدود فقط، لكنه في أحد الأيام التقط رجلاً أراد الذهاب إلى مدينة كويتا، على بعد ثماني ساعات بالسيارة. وقاد عزام سيارته من طراز “تويوتا كورولا”، وبعد بضع ساعات، عندما توقف للراحة، ضرب أحد صواريخ أوباما من طراز “هيلفاير” السيارة ودمرها، وحولها إلى شظايا معدنية ملتوية -وحوّل عزام وزبونه إلى جثتين داخنتين.
    كان الراكب، زبون عزام، هو زعيم طالبان الشرير الملا أختار منصور، الذي كان يسافر تحت اسم مستعار. ولم ينفعه سعيه إلى عدم الكشف عن هويته كثيرًا، لأنها تمت مراقبته وتعقبه، وأثناء وجوده في إيران أو عندما كان يمر بفحص عبور الحدود على الجانب الباكستاني، من المحتمل أن يكون عميل مدفوع الأجر من الولايات المتحدة قد زرع شريحة في ملابسه أو في حقيبته لتشير إلى مكان وجوده لمحترفي ألعاب الفيديو المتحكمين في الطائرات من دون طيار.
    ولم يكن عزام، سائق التاكسي، يعرف الملا منصور ولم يتم ربطه بحركة طالبان أو بأي منظمة من هذا القبيل. كان رجلاً بريئًا تمامًا يحاول كسب ما يكفي من المال لإطعام أسرته -زوجته وأربعة أطفال صغار وشقيق مقعد يقيم معهم.
    وصرح البنتاغون أن “منصور كان عقبة في طريق السلام والمصالحة بين حكومة أفغانستان وطالبان، ومنَع قادة طالبان من المشاركة في محادثات السلام مع الحكومة الأفغانية، والتي يمكن أن تؤدي إلى إنهاء الصراع”. ولذلك قتلوه. ومن دون أدنى تردد، قتلوا أيضًا سائق التاكسي البريء تمامًا، محمد عزام.
    إذا كان أي شخص في بلد أجنبي لا يمتلك إمكانية الرد الانتقامي على ضربات الطائرات من دون طيار يعد عدوًا للولايات المتحدة، فلا داعي لاعتقاله واتهامه ومحاكمته. عندما يكون ذلك ممكنًا، يتم قتل هؤلاء الناس بصاروخ “هيلفاير”. وفي هذه الحالة، قبل خمس سنوات، قام الرئيس أوباما شخصياً بالتفويض بتنفيذ “الحدث المتفجر”، مشدداً على أنه يجب أن يكون هناك “شبه يقين من أن غير المقاتلين لن يتعرضوا للإصابة أو القتل”، وأن الولايات المتحدة “تحترم السيادة الوطنية والقانون الدولي”. وقد تبنى نسخته الخاصة باحترام القانون الدولي الرئيس بايدن الذي يدعو بقوة إلى “الحرية والعدالة والسلام في العالم”.
    في حين أن قتل صبي يبلغ من العمر 11 عامًا وهو يقود سيارة أبيه في ممر منزلهم يعد جريمة حرب واضحة مثلما هو حال تفجير سائق سيارة أجرة بريء وتحويله قطع صغيرة، فإن ما لا يقل بشاعة القيام بتعذيب أسير لسنوات، بل إن في هذه الانتهاكات لحقوق الإنسان ما هو أكثر من الجوانب القانونية والأخلاقية الواضحة. ثمة عامل الضربة الارتدادية.
    قد يعتقد الرئيس بايدن حقًا أن ضربات الطائرات من دون طيار وممارسات التعذيب التي تستخدمها واشنطن تسهم بطريقة ما في تحقيق العدالة والسلام، لكن آثار هذه الفظائع في جميع أنحاء العالم لا يمكن حسابها. يمكننا قياس عدد الأبرياء الذين قتلوا بصواريخ “هيلفاير”، ولكن لا يمكننا أبداً قياس حجم الكراهية التي سببها موتهم.
    وتستطيع واشنطن أن تنتهك القانون الدولي مع الإفلات من العقاب فيما يتعلق برد الفعل الفوري، سواء كان ذلك من جانب المؤسسات الدولية أو تلك المتضررة بشكل مباشر من الخراب الذي أحدثته عمليات وزارة الدفاع -لكن أنشطتها البربرية المستمرة منذ فترة طويلة جدًا، كانت تثير مشاعر الاشمئزاز في جميع أنحاء العالم؛ الاشمئزاز والتصميم على الانتقام. وعلى الرغم من أن العواقب بعيدة المدى لا يمكن قياسها، فلا شك في أن “الأحداث المتفجرة” سترتد عليك لفترة طويلة مقبلة. لقد كان المجمع الصناعي العسكري عاكفاً على تصنيع أحداث 11 أيلول (سبتمبر) المقبلة.

*Brian Cloughley: معلق يكتب عن السياسة الخارجية والشؤون العسكرية، متخصص في جنوب آسيا، وهو محلل الدفاع والأمن والإرهاب والاستراتيجيات في جنوب آسيا في وكالة جين سينتينال للاستخبارات الدفاعية من المصادر المفتوحة، Jane’s Sentinel، حيث يغطي أفغانستان وبنغلاديش وبوتان والهند ونيبال وباكستان وسريلانكا. ويقوم بتحديث أقسام الموقع في شبه القارة شهريًا ويكتب لمنشورات الوكالة الأخرى. نشرت الطبعة الثالثة من كتابه “تاريخ الجيش الباكستاني”، بعد المراجعة والتحديث حتى وقت زلزال تشرين الأول (أكتوبر) 2005 في كانون الثاني (يناير) 2006. يعيش في فوتيناي سور كيور في فرنسا.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: Drone Strikes and Torture Will Cause Big Blowback

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock