أفكار ومواقف

ضرورة المنطق..!

علاء الدين أبو زينة

في الأسبوع الماضي، مر، من دون أن يُلحظ تقريباً «اليوم العالمي للمنطق». وقد أقرت منظمة «اليونسكو» يوم 14 كانون الثاني (يناير) من كل عام للتذكير بهذا المبحث المهم.

لكنّ المنطق ينتمي، على ما يبدو، إلى جملة الأشياء التي لا تحبها المنظومات السكونية، خاصة وأن «المنطق» يُفهم على أنه ينتمي إلى الفلسفة.

والفلسفة لا تعترف بترك الأشياء كما هي لأن شُغلها الاستنطاق. والاستنطاق ليس شيئاً ترغب هذه المنظومات في مواجهته.

كتبت المديرة العامة لليونسكو، السيدة أودري أزولاي، في رسالة بالمناسبة: «أصبح المنطق في القرن الحادي والعشرين، أكثر من أي وقت مضى، تخصصاً عصرياً لا غنى عنه في مجتمعاتنا واقتصاداتنا.

فالمعلوماتية والتكنولوجية هما، على سبل المثال، تقنيات تستند في الأساس إلى التفكير المنطقي والخوارزمي». وكتبت: «ويعزى انتشار دراسة المنطق، أيضاً، وربما في المقام الأول، إلى تطبيقاته العملية الكثيرة.

فقد كان للمنطق بالفعل دور رئيسي في تطوير العلوم والهندسة، وعلم النفس المعرفي، واللغويات، والاتصالات؛ وكان حافزاً حقيقياً للتحول والتغيير، ومَعيناً لا ينضب للابتكار».

ينبغي أن يشير الاستعمال العملي الكثيف للمنطق في العالم المادي، الذي تذكر بعضه هذه الرسالة، إلى عبث تشبث مجتمعاتنا بربط المنطق بالزندقة.

في الأساس، يمكن حتى الاستدلال بالفلسفة، التي بابها المنطق، على الإيمان. وسيعني إنكار المنطق، المرتبط بالعلوم الضرورية المذكورة، اختيار البقاء في منطقة استهلاك المعرفة نفسها التي لا تسعى مجتمعاتنا إلى إنتاجها عن طريق حظر العقل الجدلي اللازم لإنتاجها.

يُعرّف المنطق بأنه «الدراسة المنهجية لشكل الاستدلال الصحيح، وقوانين المعرفة الحقيقية الأكثر شيوعًا؛ والاستنتاج الصحيح هو الذي يُوجِد علاقات محددة للدعم المنطقي بين افتراضات الاستدلال ونتائجه».

ويُعرَّف أيضاً بأنه «آلةُ قانونيةُ تعصم مراعاتُها الذهنَ من الخطأِ في الفكر». وهو «يُدْرَس في تخصصات الفلسفة، والرياضيات، وعلم الدلالة وعلم الحاسوب».

وتكتب مديرة اليونسكو في رسالتها: «عندما نستخدم برنامجاً يعمل بالذكاء الاصطناعي، أو عندما نشغِّل حاسوباً، أو حتى عندما نسوق حجة منطقية، يكتنفنا المنطق من كل حدب وصوب. المنطق علم عالمي معاصر».

إذا كانت الفلسلفة تُستبعَد من مجال التعليم لأنهم يعتبرونها تمريناً فائضاً غير عملي في المجرّدات، فإن المنطق لا يمكن أن يكون فائضاً أو غير عملي، وهو الذي تُبنى عليه العلوم العملية.

إن الإنسان، حسب التعريفات هو «حيوان عاقل، أي «حيوان منطقي»، بمعنى أن المنطق يميزه عن بقية الكائنات، وسيكون حرمانه من إتقان ما يتميز به هبوطاً به إلى درجة أدنى والحكم عليه بالتخلف، إنسانياً وعملياً. إنه يعجز حتى عن امتلاك آلية لكشف المغالطات والمفارقات، وفهم بناء الجمل والدلالات.

تعلُّم المنطق يجعل من الممكن تحويل الخطاب إلى معادلات رياضية قابلة لقياس الصواب والخطأ، تماماً مثلما يجب أن ينتج حاصل جمع أرقام معينة حتماً رقماً معيناً لا بديل عنه، أو كما يتم استخراج قيمة متغير مجهول من حساب متغيرات معلومة.

وهو الذي تُبنى عليه كل أنواع الأطروحات التي لها فرضيات وسياق ونتائج، وتستعمل البراهين والاستدلال، سواء كانت في العلوم أو الإنسانيات.

وهو بهذه الكيفيات، يعلِّم الاعتراف بصحة منطق الحجة «الأخرى»، حتى لو كانت مختلفة عن حجتنا. ولذلك، يرتقي المنطق بسوية الحوار وإمكانية إقامته على أساس غير متعصب، ويتيح لنا ترتيب حججنا ودعمها، ويوفر الأدوات لتفكيك السرد المتهافت وكشف عيوبه البنيوية.

بذلك، من الطبيعي أن يأتي المنطق إلى المقدمة والمركز عندما يجري الحديث عن تطوير المناهج التعليمية، أو صناعة العقل الاجتماعي المتقدم، أو التحديث من أي نوع ومستوى. وسوف يتيح تقييم مشروعاتنا كلها، كما تفعل دراسات الجدوى التي تتوقع النتائج من المقدمات.

إذا استطعنا الاتفاق أولاً على ضرورة العقل النقدي – على كراهية كلمة «النقد» عند الأنظمة التي يديمها الاستقرار- للتقدم، فإننا نتحدث عن إتقان المنطق. فمن دون عقل نقدي، ليس ثمة عقل علمي ولا مبتكر ولا قادر على التخيُّل ولا إدارة مشروعات ناجحة.

ودون هذه المواصفات، لا فرصة للمجتمعات للنهوض من جلوسها في النفق والشروع في المسير نحو النور. وسيبدأ شيء جديد ومختلف من إدراج المنطق في المباحث المدرسية الأساسية، لتأهيل أجيال يمكن أن تفكك القيد الذي يعتقل هذه المجتمعات.

المقال السابق للكاتب

ما نفع صحافة خائفة..؟!

للمزيد من مقالات الكاتب انقر هنا 

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock