تحليل إقتصادي

ضريبة الدخل والإصلاح الاقتصادي!؟

محمد البشير

عمان- إن وضع القوانين الضريبية أو تعديلها خلال السنوات الماضية عبر عن مخرجات قوى المراكز الاقتصادية وتداخل مصالحها وعلاقاتها مع الطبقة السياسية التي توارثت الحكم منذ تأسيس المملكة التي حاولت تزيين هذه المخرجات بعقد حوارات علنية مع قوى المجتمع المختلفة.
وتمثلت هذه القوانين في اقرار قانون ضريبة المبيعات ورفع النسب الضريبية وتعديل قانون ضريبة الدخل بتخفيض النسب الضريبية مترافقا ذلك مع توسع أفقي في اخضاع السلع الإستهلاكية.
وأدى ذلك الأمر إلى توسيع الفجوة في الدخول بين المواطنين وإلى انحسار الطلب على السلع والخدمات انعكاسا لانخفاض القدرة الشرائية للغالبية العظمى من المواطنين مما رفع من نسبة البطالة والفقر الذي أدى إلى التأثير على النسيج الإجتماعي وقد كان من أبرز مظاهره انتشار ظاهرة العنف المجتمعي الذي نشهد.
وفيما يلي استعرض لأهم السياسات الضريبية التي جرى عليها تغيير أو أهم البنود ذات التأثير على اقتصادنا وقوانا الاستهلاكية بعد دراسة قانون ضريبة الدخل المقترح، حيث أن معالجة هذه السياسات بشكل جذري قد يساعد على معالجة حقيقية لآثارها على الاقتصاد الوطني والمجتمع على حد سواء:
أولا: النسب الضريبية والفئات
انسجمت القوانين السابقة المتعلقة بالضريبة بعد مراعاتها للتصاعدية في الفئات والنسب الضريبية، فمنذ وضع التشريع موضع التطبيق وحتى 31/12/1995 كانت النسب الضريبية تبدأ من (5 %) على مبلغ ألف دينار وتتوالى متصاعدة حتى مبلغ (25) ألف دينار حيث توقف التصاعد وخضع ما زاد على ذلك للأفراد بنسبة (45 %) والصناعة بنسبة (38 %) والشركات المالية بنسبة (55 %) وتم منح القطاع الزراعي اعفاء كاملا.
ابتداء من 1/1/1996 تم تنزيل هذه النسب عدة مرات حتى وصلت في القانون الساري من (7 % – 20 %) على الافراد ومن (14 % – 24 %) على القطاعات المختلفة ونسبة (35 %) على والبنوك، بالإضافة إلى منحها جملة من الإعفاءات خاصة المخصصات، حيث أصبحت تدفع بالنتيجة بحدود (22 % – 24 %) فقط ذلك القانون كان سخيا في ظل عجز كبير في الموازنة وتآكل في دخول الأفراد المستهلكين وتراجع في معدلات الإنتاج وتباطؤ في النمو وزيادة في البطالة.
ثانياً: الدخول الخاضعة
1.اخضع مشروع القانون التصدير للضريبة خلافا لما استقرت عليه السياسات الضريبية حسب التشريعات السابقة والسارية مما سيؤثر على الصناعة والزراعة على وجه الخصوص وهذا سيؤثر على التجارة الخارجية من جهة وعلى ميزان المدفوعات من جهة اخرى وسيزيد ذلك من معاناة الصناعة التي تتعرض لتحديات كثيرة بسبب السياسات الحكومية التاريخية سواء كانت تتعلق بكلف مدخلات الانتاج أو المصاريف المباشرة لو كانت بإغراق السوق بالسلع الاجنبية وفق اتفاقية التجارة الحرة.
2. تعويض نهاية الخدمة الذي تم إعفاؤه في القانون السابق لسنة 1996 تم إخضاع ما زاد عن (5) آلاف دينار منه لضريبة الدخل اعتبارا من 1/1/2015 دون مراعاة لمقدرة المكلفين على الدفع أو مراعاة لاوضاع هؤلاء المتقاعدين ولدور هذا التعويض في إنشاء عمل يرفع من دخلهم كمدخل لرفع مساهمتهم في الناتج المحلي الإجمالي من جهة ولمساعدتهم على مواجهة الاعباء المختلفة سواء كانت تعليمية أو صحية أو معاشية من جهة اخرى.
ثالثاً: الدخول المعفاة:
1. تم إعفاء دخل الأفراد الناتج من المتاجرة بالأسهم ومنع القانون تنزيل خسارة هؤلاء من هذا النشاط، وحيث أن الهدف كان تشجيع الأفراد على المتاجرة بالأسهم وبما أن هذا المبرر قد انتفى فمن العدالة إخضاع هذه الدخول للضريبة، لإعادة توجيه رأس المال المتوسط والصغير إلى حقول إنتاجية أخرى، لمواجهة الخسائر التي تكبدها هؤلاء فمن العدالة ايضاً الاعتراف بخسائرهم وتنزيلها من دخولهم الأخرى.
إن إعفاء أول (10) آلاف دينار من تعويض نهاية الخدمة وإخضاع ما زاد عن ذلك لضريبة الدخل فيه عدالة أكثر للطبقى الوسطى ولذوي الدخول العالية.
2. إعفاء الدخل الذي يحققه المستثمر الأجنبي شريطة أن يكون هذا الاستثمار في مشاريع بحاجة لها السوق الأردني وان لا يتعارض الاستثمار المعفي مع الاستثمار الوطني الخاضع للضريبة بحيث لا يكون الاستثمار الأجنبي وإعفاء دخله أضعاف للمستثمر الأردني من جهة ومدخلا لإغلاق منشأته الوطنية من جهة ثانية.
3. أعفى القانون الارباح الرأسمالية الناتجة عن بيع الاراضي.
إن إخضاع الأرباح الناتجة عن المتاجرة بالأراضي من قبل الأفراد إلى ضريبة الدخل يحقق العدالة ويحرم الخزينة من حقوقها الناتجة عن المتاجرة بالعقارات بشكل عام.
رابعاً: (الدفع على الحساب):
إن القانون المقترح فرض جبريا على الأردنيين أن يقرضوا الخزينة أموالا دون مراعاة لأوضاعهم ومقدرتهم على الدفع أولا أو اقراض الخزينة تحت عنوان الدفع على حساب الضريبة المستحقة، ولم يرد في الدستور أو قانون الدين العام إن من حق الحكومة أن تفرض على مواطنيها اقراضها جبرا خلافا لما سرت عليه القوانين تاريخيا.
إن شطب المواد المتعلقة بتحصيل (2 %) من الاستيراد و (5 %) من الخدمات، والضريبة المقدرة مرحليا على الشركات بواقع مليون دينار أو (100) ألف دينار فيه تحميل اعباء جديدة للمكلفين وعدم مراعاة لمقدرة المكلفين على الدفع الذين يعانون من السيولة في تصريف أعمالهم.
خامسا: الغرامات والتعويضات:
– فرض القانون المقترح غرامات على المكلفين غير القادرين على تسديد الضرائب المستحقة عليهم دون تحديد لسقف أو التزام بما هو سائد من أسعار للتسهيلات والقروض الممنوحة للأفراد أو للشركات من قبل المؤسسات المالية سواء كانت خاصة أو عامة.
فالمادة (33) من القانون فرضت (5 %) على رصيد الضريبة المستحقة عن كل شهر تأخير أو جزء من الشهر وبحد أقصى (25 %) مما يشكل مبالغة في المخالفة وتهديدا للاستثمار الخارجي، الذين يقومون بدراسة التشريعات الضريبية قبل اتخاذهم قرار الاستثمار.
سادساً: الازدواج الضريبي
1. اخضع مشروع القانون في المادة (12) الأرباح الموزعة من قبل الشركات المساهمة العامة الى نسبة (10%) باستثناء الاشخاص الاعتباريين ذوي العلاقة، واعتبر هذه الضريبة قطعية.
2. اقترح مشروع القانون اعتبار المسقفات نفقة خلافا لما استقر عليه التشريع من انها ضريبة واجبة الخصم من ضريبة مستحقة.
يعيدنا مشروع القانون الى موضوع الازدواج الضريبي فإخضاع أرباح الشركات الى ضريبة هو اخضاع للوعاء الضريبي، واخضاع الارباح الموزعة من هذا الوعاء، وعدم الاعتراف بضريبة المسقفات بحجة انها مدفوعة لامانة عمان والبلديات فيه تكريس للازدواج الضريبي وفيه تغييب للعدالة الضريبية التي تؤكد عليها الاسباب الموجبة للمشروع.
سابعاً: شركات الأموال وشركات الأشخاص
لقد ميزت القوانين السابقة بين شركات الأشخاص بما فيها المؤسسات الفردية وشركات الأموال من ناحية أن شركات الأشخاص بشكل عام تنتمي إلى المنشآت المتوسطة والصغيرة وبالتالي فقد راعت القوانين تاريخيا مقدرة مالكي تلك المنشآت على الدفع من حيث أن المنشآت وشركات الأموال اعتبرتها التشريعات أموالا عامة في كثير من الأحيان وأفرد لها المشرع واجبات وحقوق لا تتمتع بها منشآت الأشخاص باعتبارها تشكل القاعدة الأوسع والأكبر على الصعيد الاقتصادي لكنها تعكس دخلا متوسطا أو متدنيا في كثير من الأحيان.
إن الشركاء في شركات الأشخاص يتحملون المسؤولية المطلقة تجاه التزامات هذه الشركات ما عدا الموصين منهم اللذين لا يتحملون أي شيء، في حين أن شركات الأموال من مساهمة خاصة أو مساهمة محدودة أو مساهمة عامة لا يتحمل شركاءها إلا بحدود رؤوس أموالهم المدفوعة خلافاً لشركات الأشخاص، اللذين راعى المشرع معاملتهم عبر السنوات الماضية من عمر التشريع الضريبي لمبدأ (المقدرة على الدفع) إلا أن القانون الحالي تجاوز وتعمد إهمال هذه القاعدة القانونية فالمساواة بين هاتين المنشأتين (شركات الأموال وشركات الأشخاص) فيه تغييب للعدالة الاجتماعية واعتداء على مبدأ دستوري فرض على المشرع أن يراعيه.
إن الغالبية العظمى من الأفراد والأسر كانت تنتمي إلى شركات التضامن والمؤسسات الفردية وأن فرض ضريبة مباشرة على دخولها فيه إفراغ لمضمون الإعفاءات الواردة في القانون من ناحية إعفاء الشخص الطبيعي (12 و 9) الاف دينار وزوجته وعائلته (12 و 9) الاف دينار، إذ سيتأثر الكثير من أفراد الطبقة المتوسطة والدنيا من هذا القانون من ناحية  إخضاع شركاتهم إلى ضريبة مقطوعة قبل توزيع دخلها عليهم، أي سيخضع هذا الشخص إلى ضريبة مقطوعة قبل الحصول على الإعفاءات التي وردت في القانون وتفائل بها الكثير من المواطنين..!                                                                  
إن التفريق في المعاملة الضريبية بين شركات الأشخاص والشركات المساهمة فيه تحقيق للعدالة من ناحية المسؤوليات التضامنية التي يخضع لها الشركاء في شركات الأشخاص والتي لا يخضع لها الشركاء في شركات الأموال (المساهمة) بالإضافة إلى إن 95 %  من شركات الأشخاص هي شركات صغيرة ومتوسطة الحجم والتي أكدت الدراسات والمؤسسات الدولية أهمية رعايتها والاهتمام بها لدورها في تجفيف منابع البطالة والفقر.

*خبير اقتصادي

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock