ترجمات

ضم الضفة الغربية سيكون خطأً استراتيجياً جسيماً

مايكل جيه كوبلو* – (نيوزويك) 17/5/2020

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

يشكل ضم الضفة الغربية مثالاً كلاسيكياً على المناورة التي تنطوي على مخاطر هائلة مع القليل من المكافآت، إن وجدت من الأساس. والحجة المؤيدة لضم الضفة الغربية هي التماس تحقيق انتصار قوي وعاطفي -وإنما رمزي في نهاية المطاف. ومع ذلك، فإن إسرائيل ستخلق لنفسها بتنفيذه مجموعة من المشاكل الواقعية الملموسة التي ستقوض الفوائد المفترضة التي يمكن أن ينطوي عليها ضم الضفة الغربية.
تتعلق الحجج الأكثر شيوعاً ضد ضم الضفة الغربية بالمعارضة التي سيلاقيها من المجتمع الدولي، والتداعيات الدبلوماسية التي سيخلّفها على إسرائيل. واعتمادًا على الطريقة التي تتكشف بها هذه التداعيات، فإنها قد تتراوح من إدانة شبه مؤكدة من الأمم المتحدة والدول الأوروبية، إلى إعادة تجميد العلاقات التي ذاب جليدها مؤخرًا مع مختلف الدول العربية السنية، إلى تعليق معاهدة السلام بين إسرائيل والأردن. وهناك أيضاً مسألة تحويل إسرائيل أكثر إلى قضية تدق إسفيناً في الولايات المتحدة بين الجمهوريين والديمقراطيين، وتعرض مستقبل دعم إسرائيل من الحزبين للخطر بين صناع السياسة الأميركيين. وأخيراً، ثمة حقيقة لا مفر منها، هي أن ضم الضفة الغربية سيجعل احتمال التوصل إلى حل للنزاع الإسرائيلي الفلسطيني، والذي يحترم أحلام الاستقلال والسيادة لكل من الإسرائيليين والفلسطينيين، أبعد منالاً من أي وقت مضى. وهذه كلها اعتبارات مهمة، لكنّ هناك أسباباً أكثر مباشرة وقرباً من الوطن بالنسبة للإسرائيليين، والتي تعمل ضد الضم.
أولاً وقبل كل شيء، سوف يخلق ضم الضفة الغربية سرباً من التحديات الأمنية لإسرائيل، والتي لا تعاني منها في الوضع الحالي. سوف يؤدي ضم الأجزاء من الضفة الغربية التي تستشرفها خطة ترامب للسلام التي كُشف النقاب عنها مؤخراً لتصبح جزءاً من أراضي إسرائيل، إلى صُنع حدود جديدة بين إسرائيل والضفة الغربية، بطول 850 ميلاً؛ أي بأكثر من أربعة أضعاف الـ197 ميلاً التي يشكلها “الخط الأخضر” الحالي، وما يقرب من ضعف طول الحاجز الأمني الحالي البالغ طوله 460 ميلاً، والذي يعمل كحد فعلي بحكم الأمر الواقع.
ولن يقتصر الأمر على اضطرار قوات جيش الدفاع الإسرائيلي إلى مراقبة طول هذه الحدود الجديدة، والتي تمتد أيضاً لتعبر من تضاريس جبلية وغير مضيافة في العديد من المواقع، وإنما سيترتب عليها تأمين الجيوب الخمسة عشر من الأراضي الإسرائيلية التي تتركها خطة ضم ترامب وراءها داخل الجزء الذي لن يشمله الضم من الضفة الغربية. وهذه الجيوب -إلى جانب الطرق بينها، والطرق التي تربطها بإسرائيل، والمناطق العازلة الأمنية التي ستكون مطلوبة لكل عنصر من هذه المكونات- سوف تحرسها قوات جيش الدفاع الإسرائيلي في داخل ما هي في الأساس منطقة معادية. ويمكن تصوُّر ما يمكن أن يبدو عليه ذلك من وضع مماثل موجود اليوم في الخليل، حيث يُطلب من الجيش الإسرائيلي توفير أكثر من جندي واحد لكل مستوطن يهودي من أجل حماية المواطنين الإسرائيليين في المدينة بشكل فعال.
ويصبح هذا الوضع أكثر تعقيداً بما لا يُقاس إذا ضمت إسرائيل ما أطلقت عليه اتفاقات أوسلو اسم “المنطقة ج”، وهي خطة الضم الأكثر شعبية في الأوساط الإسرائيلية، والتي يؤيدها، من بين آخرين، وزير الدفاع الإسرائيلي الحالي نفتالي بينيت. وتحتوي المنطقة “ج”، التي تشكل 60 في المائة من الضفة الغربية، على 169 جزيرة من المنطقتين (أ) و(ب) الخاضعتين لإدارة السلطة الفلسطينية. وسيؤدي ضم المنطقة “ج” إلى ترك إسرائيل مع 169 من الحدود المنفصلة في الضفة الغربية وحدها، والتي يتطلب كل واحد منها بناء جدران حدودية خاصة بها إذا أرادت إسرائيل الحفاظ على معمار بنيتها الأمنية ووضعها الحالي. ولن تقتصر كلفة بناء وصيانة تلك الحدود الجديدة البالغ عددها 169 على مجرد 7.5 مليار دولار في البداية و1.5 مليار دولار من تكاليف الصيانة السنوية فحسب، لكنها ستتطلب وجود الآلاف من جنود جيش الدفاع الإسرائيلي للقيام بدوريات وشَغل تلك الهياكل الحدودية والبوابات، وكل ذلك بينما يتم إنشاء ما قد يكون نظام الحدود الأكثر بُعداً عن العملية والأقل قابلية للدفاع عنه في التاريخ البشري.
بغض النظر عن مصاعب خطة الضم الجزئي في ذاتها، فإنها سوف تعتمد كلها على بقاء السلطة الفلسطينية في السلطة واستمرارها في العمل كحكومة فعالة لفلسطينيي الضفة الغربية. وسواء تعلق الأمر بخطة ترامب أو تضمن ضم المنطقة “ج”، فإن الفكرة المتداولة هي دمج أكبر عدد ممكن من الإسرائيليين في إسرائيل مع أقل عدد من الفلسطينيين. لكن خطر الضم الجزئي هو أنه سيؤدي حتماً إلى إضعاف السلطة الفلسطينية، وسوف يتسبب عند نقطة ما إما في انهيارها غير الطوعي أو رفضها المتعمد لأي تفاهمات سابقة مع إسرائيل. وفي حال حدث ذلك، فإن النتيجة ستكون هي نفسها كما لو أن إسرائيل ضمت الضفة الغربية بأكملها: كابوس أمني يتعين على جيش الدفاع الإسرائيلي معه تطبيق القانون وتولي عمل الشرطة داخل المدن والبلدات الفلسطينية، وتحمل المسؤولية عن إدارة حياة 2.5 مليون فلسطيني بما تدور كلفته حول 20 مليار دولار إضافية سنوياً، والاختيار بين منح هؤلاء الفلسطينيين الجنسية الإسرائيلية أو حرمانهم من الحقوق السياسية والمدنية الأساسية. وبغض النظر عن الطريق الذي يتم اختيار سلوكه، سوف تصبح إسرائيل دولة مختلفة تماماً، وسوف تتلقى رؤية الصهيونية لدولة يهودية يقبلها مجتمع الأمم ضربة رهيبة.
إن ما يجعل افتراض المخاطر التي ينطوي عليها الضم يكشف ما فيه من قصر في النظر هو أن إسرائيل تتمتع مُسبقاً بالعديد من الفوائد التي من المفترض أن يجلبها لها الضم. اليوم، تمارس إسرائيل السيطرة الأمنية الكاملة على وادي الأردن، ويعيش اليهود في المجتمعات اليهودية عبر قلب الأراضي التوراتية في يهودا والسامرة، ولإسرائيل علاقات أمنية مع جيرانها، بما في ذلك السلطة الفلسطينية، والعالم يقبل إسرائيل كدولة يهودية. لن يصنع الضم هذه الإمكانيات، لأنها موجودة بالفعل. وبدلاً من ذلك، سوف يضعها الضم جميعاً في وجه الخطر، بدرجات متفاوتة.
لن يعترف بتوسع السيادة رسمياً وبسطها على الضفة الغربية أي بلد سوى الولايات المتحدة -والتي قد يستمر اعترافها الخاص به فقط طالما ظل الرئيس ترامب في منصبه- ولن يشكل الضم بالتأكيد تأكيداً على الارتباط اليهودي بأرض الآباء الذين يعرف اليهود أنه موجودة مسبقاً. وهو لن يجعل الفلسطينيين يُسقِطون بطريقة سحرية رغبتهم في السيادة والاستقلال أكثر مما محت آلاف السنين من المنفى اليهودي أحلام إقامة وطن يهودي. وبالتأكيد لن يضع حداً للصراع الإسرائيلي الفلسطيني.
ليس البديل عن ضم الضفة الغربية إقامة دولة إرهابية على حدود إسرائيل. تفترض “حجة رجل القش” هذه (1) أن الخيارات المتاحة هي السيادة الإسرائيلية في يهودا والسامرة، أو الانسحاب الإسرائيلي الفوري من الأراضي الفلسطينية، لكنّ أحداً لا يدعو إلى أن تنسحب إسرائيل من جانب واحد أو على الفور من الضفة الغربية. إن الخيارات الفعلية هي إما تقويض متهور بطريقة لا تصدق ومتسرع بحماقة للوضع الراهن، والذي سيدمر حرية إسرائيل في العمل؛ أو الحفاظ على الوضع الأساسي الحالي بينما يجري العمل على خلق بيئة سياسية وأمنية حيث يمكن التوصل إلى اتفاق دائم ومتفاوض عليه حول الوضع الدائم في المستقبل.
سوف يؤدي ذلك إلى تمكين إسرائيل من دمج الغالبية العظمى من الإسرائيليين الذين يعيشون في المجتمعات اليهودية عبر الخط الأخضر في داخل إسرائيل، ووضع ترتيبات أمنية في المنطقة التي تتركها خلفها، بدلاً من المعاناة من التداعيات الأمنية التي ستأتي من ضم الأراضي من جانب واحد. وبالنسبة لأي شخص يهتم بمستقبل إسرائيل، يجب أن يكون القرار سهلاً.

*Michael J. Koplow: مدير السياسات في منتدى السياسة الإسرائيلية
*نشر هذا المقال تحت عنوان:West Bank Annexation Would Be a Strategic Blunder
هامش المترجم:
(1) مغالطة رجل القش، أو “المغالطة البهلوانية”:‏ هي نوع من أنواع الحجج والمغالطات غير الرسمية، وتكون عن طريق إعطاء الانطباع بدحض حجة الخصم، في حين أن ما تم دحضه هو حجة لم يقدمها الخصم أساساً، ويقال إن مستخدم المغالطة “يهاجم رجل القش”.

مقالات ذات صلة

انتخابات 2020
43 يوما
#الأردن_ينتخب
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock