ترجمات

ضوء تركيا الأخضر في سورية تحول الآن إلى الأصفر

إدوارد جي ستافورد* – (أحوال تركية) 4/11/2019

بعد نجاح تركيا في الحصول على الضوء الأخضر من الرئيس الأميركي دونالد ترامب للهجوم على قوات سورية الديمقراطية (قسد) ووحدات حماية الشعب في سورية، ازدادت شعبية الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في بداية الأمر، غير أن الموقف سرعان ما تحول إلى إجراء مفاوضات حذرة مع أطراف فاعلة أخرى في سورية.
ففي ظل ما يواجهه أردوغان من عقوبات اقتصادية لن تطيقها تركيا، ولا يتحملها موقفه السياسي، وافق الرئيس التركي على تعليق الهجوم على قوات وحدات حماية الشعب للسماح لها بالانسحاب من المنطقة الآمنة البالغ عمقها 32 كيلومتراً بمحاذاة الحدود السورية مع تركيا.
وبالتالي، اضطر أردوغان إلى مواءمة طموحاته مع أجندة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وبالتالي مع هدف الرئيس السوري بشار الأسد المتمثل في إعادة بسط سيطرته على البلاد بأكملها. ويمكننا أن نتوقع من إيران أن تساعد الأسد في ذلك وتشجع على مصالحة وحدات حماية الشعب/ قوات سورية الديمقراطية مع نظام الأسد. وعلى الرغم من التعهد الأميركي بالمغادرة، ما تزال القوات الأميركية موجودة في شمال شرق سورية مع تفويض بتأمين حقول النفط المربحة.
إن العمليات العسكرية باهظة التكلفة، وعلى الرغم من أن الاستعانة بالميليشيات غير النظامية تقلل من الخسائر البشرية التي قد تتكبدها تركيا، إلا أنها لا تخفف كثيرا من العبء المالي. في الوقت نفسه، لا يزال المستثمرون الأجانب يعزفون عن الاستثمار في تركيا، إذ يرى الكثيرون منهم أنها باتت أقل استقرارا من الناحية المالية عقب التوغل في شمال سورية مقارنة بما كانت عليه من ذي قبل.
صحيح أن الشعب التركي يؤيد بقوة جهود أردوغان في مواجهة وحدات حماية الشعب، بيد أن المكاسب السياسية ربما تتبدد سريعا إذا لم تظهر علامات تحسن على الاقتصاد قريبا. كما أنه بالإعلان عن نجاحه في مواجهة وحدات حماية الشعب، يفتح أردوغان الباب أمام معارضيه لدعوته إلى التركيز الآن على المسائل الاقتصادية المحلية بعد تغلبه على الإرهابيين في الخارج.
سيكون من الصعب تحقيق نمو اقتصادي، لأسباب من بينها شبح العقوبات. فحتى إذا لم يمض الكونغرس الأميركي قدما في فرض العقوبات – إما لأن مجلس الشيوخ تحت قيادة ميتش ماكونيل لن يصوت على العقوبات أو لأن الرئيس ترامب يعرقل تطبيقها – فإن احتمال فرض العقوبات سيجعل المستثمرين الأجانب وقطاع الأعمال المحلي مترددين في تنفيذ أي مشروعات جديدة. ذلك أن مستثمري قطاع الأعمال يحبون المناخ الذي يسهل التنبؤ بحاله، وهذا ليس متوافرا في العلاقات بين الولايات المتحدة وتركيا.
ثمة بواعث قلق أخرى أيضاً. فالتصويت الذي أجراه مجلس النواب الأميركي على قرار يتعلق بالإبادة الجماعية للأرمن، والذي تم إقراره بأغلبية ساحقة بلغت 405 أصوات مقابل رفض 11 صوتاً، يظهر أنه لم يتبق لتركيا -أو على الأقل لأردوغان- سوى بضعة أصدقاء في الكونغرس الأميركي. وغياب التنسيق الواضح مع تركيا في تعقب زعيم تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) أبو بكر البغدادي، على الرغم من أنه لم يكن يبعد سوى خمسة كيلومترات عن الحدود التركية، يثير الشكوك في مدى ثقة الجيشين الأميركي والتركي في بعضهما البعض. هناك بعض صناع القرار الذين يشتبهون -من دون دليل- بأن تركيا كانت على الأقل على دراية بمكان البغدادي، إن لم تكن قد وفرت له الحماية الشديدة، وهو ما يشبه كثيراً تلك الشكوك التي راودت بعض المسؤولين الأميركيين بأن مسؤولي الاستخبارات العسكرية الباكستانية وفروا الحماية لأسامة بن لادن، نظراً لأن مكانه كان قريباً من الأكاديمية العسكرية في باكستان. ولا بد أن تفضي مثل هذه الشكوك، وإن كانت تكهنات بلا دليل أو سند، إلى تآكل العلاقات بين البلدين.
رداً على مداهمة البغدادي، ألمح أردوغان في الآونة الأخيرة إلى أن تركيا قد تطارد الإرهابيين في بلدان أجنبية وتقتلهم، مثلما فعل الأميركيون. غير أن هذا التلميح يغفل حقيقة أن أردوغان وحده هو الذي يصنف أولئك الخصوم بأنهم إرهابيون في حين أن البغدادي قد صنفته كل دول العالم إرهابياً. ولعل الإشارة إلى أن مطاردة قاتل خسيس تماثل إرسال فرق اغتيال وراء خصوم سياسيين يعيشون في الخارج قد تلقى صدى جيدا لدى أنصاره الأشد تأييدا له، ولكن ما من عاقل يمكن أن يرى وجه شبه بين الحالتين بأي حال من الأحوال. وأي إجراء من هذا القبيل يُتخذ في الولايات المتحدة من شأنه أن يدمر ما تبقى من العلاقات الإيجابية بين أميركا وتركيا.
كما أن الشراكة المتنامية بين تركيا وروسيا أيضا تستدعي الحذر. صحيح أن تركيا ربما تشارك في تسيير دوريات مشتركة مع القوات الروسية في بعض المناطق الحدودية، غير أن مقاتلي الميليشيات المناوئة للأسد الذي تستعين بهم أنقرة كقوات برية اشتبكوا بالفعل مع قوات النظام.
ومن المؤكد أن قوات الأسد تود في النهاية القضاء على مقاتلي المعارضة الذين تستعين بهم تركيا، وهم بدورهم يرغبون في العودة لممارسة أنشطتهم ضد النظام السوري. ومن ثم، تجد تركيا نفسها الآن معتمدة على روسيا للعمل معها على تأمين حدودها الجنوبية مثلما عملت من قبل مع الولايات المتحدة لكبح جماح قوات سورية الديمقراطية/وحدات حماية الشعب. ويبقى أن نرى إلى متى يمكن الحيلولة دون انتقام الأطراف المختلفة لنفسها من الآخرين.
لقد توصلت وحدات حماية الشعب/ حزب الاتحاد الديمقراطي بالفعل إلى نوع من التسوية مع نظام الأسد. فهم يدركون أن خطط إقامة جيب كردي شبه مستقل داخل المنطقة الشمالية من سورية باتت موءودة في الوقت الحالي. ونظام الأسد يريد استخدامهم كقوة مضادة للميليشيات المناوئة للنظام التي تدعمها تركيا حاليا. ولكن يبقى السؤال القائم هو: كيف سيعملون ضد القوات التركية والميليشيات المتحالفها معها إذا كانت الولايات المتحدة لن تسمح بذلك؟
ولعل ما يخيم على ذلك كله هو تعهد الرئيس أردوغان بإعادة مليون لاجئ سوري أكثر من تركيا إلى سورية. ولكن قبل أن يفعل ذلك سيحتاج إلى موافقة، أو على الأقل قبول ضمني، من مختلف الفصائل والجهات الفاعلة في شمال شرق سورية وكذلك من اللاجئين أنفسهم. بالطبع يمكن أن يحاول إجبارهم على العودة إلى سورية، غير أن ذلك لن يزيد إلا من التنديد بسياساته من جانب السياسيين الأوروبيين والعرب (باستثناء قطر) والساسة في أميركا الشمالية، وسيقلل من شهية مواطني تلك البلدان للاستثمار في تركيا.
خلاصة القول أن مقتل البغدادي لا يحل مشكلة داعش، وأن الضوء الأخضر الذي أعطاه ترامب لأردوغان (والأفضل أن يُنظر إليه على أنه إزالة لإشارات توقف متعددة) لا ينبئ بطريق سهل أمام تركيا في سورية. فمن غير الولايات المتحدة كشريك لها، سيزاد ارتماء تركيا في أحضان الشراكة الدافئة مع روسيا بقيادة بوتين. وفي ظل كل هذه المنعطفات الموجودة في الطريق، والمركبات المتضاربة عليه، يتعين على أردوغان أن يمضي بحذر لتفادي التصادم.

*أكاديمي عمل في أقسام تابعة للشؤون الخارجية الأميركية ومتخصص بالشأن التركي.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock