ولو أن الحملة التي أطلقها سمو الأمير الحسين بن عبدالله جاءت في وقت عصيب جدا على اللغة العربية، لكنها من الصعب جدا أن تؤتي ثمارها بسهولة ويسر، حسب المشاهدات والقراءات والملاحظات على “كتابات” الشباب هذه الأيام!
مبدئيا، حرف الضاد في بلادنا بالكاد نسمعه أو حتى نقرأه كما هو سليما معافى كما جاء من منبته. فإما يكون “ظاد” أو “داد” حسب جنس الكاتب أو المتحدث من الصبايا والشباب.
هذه بالنسبة للحرف نفسه الذي وبالمناسبة فعليا يتم اضطهاده كل دقيقة بين سطور المنشورات أو في سياق الكلام المسموع. حتى الطلاب في المدارس والجامعات صاروا يستسهلون كتابة الحرف، حسب ما يلفظونه في حياتهم اليومية. فعلى سبيل المثال يمكن أن تصادف وبشكل عادي جدا جملة “أناس ماتت ظمائرهم ودفنوها في الأرظ وقبلوا الظيم على إخوتهم”!! أو الجملة ذاتها ولكن بتحويل حرف الظاء إلى دال إن كانت الكاتبة بنتا.
فماذا عن اللغة الأم ككل؟ إنها وتبعا لما نراه ونرصده كل يوم، من قبل الجيل الحالي تنحسر تدريجيا إلى هوامش اللغات، أو اللهجات إن صح التعبير، وتنمحي شيئا فشيئا من ذاكرة شبابنا القديمة والحديثة، ومع سبق إصرار غير مفهوم.
بل الأنكى من ذلك هو الدعوات إلى نبذ اللغة العربية باعتبارها إرثا متخلفا لا يتماشى مع “لغات العصر” المليئة بحروف ورسومات تكنولوجية معاصرة. يحدث هذا في الوقت نفسه الذي لا نلمس فيه تطورا واضحا في اللغات الأخرى لتحل مكان اللغة الأم. وهذه حقيقة!
فشاباتنا وشبابنا غير المتمكنين من اللغة العربية إملاء وقراءة، هم في غالبيتهم لا يجيدون التحدث والكتابة بأي لغة ثانية حتى نقول إنهم استغنوا عن حروفهم الأولى لأجل ثقافة لغوية بديلة.
قليلون من أبناء الجيل الجديد ممن مكنتهم ظروفهم المادية للدراسة في مدارس وجامعات أجنبية، استعاضوا عن اللغة العربية باللغة الإنجليزية، باعتبارها سبيلهم المتاح للتعلم والحفظ والتعبير. لكن حتى هؤلاء كان من الممكن إنقاذ لغتهم الأصيلة، بجهد قليل من قبل الأهالي والمدارس. إنما في الغالب، نجد أن اللغة السائدة اليوم هي اللغة المحكية أو المتخصصة في مجالات معينة، على حساب الحفاظ على لغة القرآن الكريم، وثقافة العصور المستنيرة وجماليات النص المعبرة، والتي لا يوجد لها بديل في لغات العالم أجمع، إن بحثوا في بحورها الممتدة، وفضاءاتها الواسعة.
ثم إن أكذوبة تتردد على مر الأجيال بأن اللغة العربية لم تعد تحاكي عصور النهضة والتطور العلمي والتكنولوجي، أصبحت ماسخة وغير جديرة بالاحترام، في ظل ارتباط أمم كبرى بلغاتها الأصلية، حتى لو كانت بعيدة كل البعد عن لغة عالم الاتصالات والعلوم الحديثة. الألمان يتحدثون الألمانية والإسبان والروس والبرتغاليون والهنود واليابانيون، كلهم يجيدون الإنجليزية بطلاقة حين يستدعي الأمر، ولكنهم يتمسكون بثقافاتهم وحروفهم وأصوات لغاتهم.
ضروري أن نمتلك لغة حية حيوية مثل اللغة الإنجليزية، وضروري أن نتابع كل مستجدات العلوم والآداب والفنون والتكنولوجيا، لكن لا يمنع ذلك أبدا أن نتقن لغتنا العربية بل ونفاخر بها بين الأمم. وهذا يحتاج جهدا وخططا وإصرارا على القرار يبدأ من المنزل ولا ينتهي عند مراسلات العمل.
مبادرة “ض” رائعة وخلاقة إن حققت أهدافها في الحفاظ على مكانة وألق اللغة العربية، وطورت تقنيات تمكينها رقميا لتثري المحتوى العربي على الانترنت، كما جاء في كلمة سمو ولي العهد. وعلينا جميعا أن ندعمها ونحفز كل من يتبناها أسرا ومدارس وجامعات وصفحات تواصل اجتماعي.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock