أفكار ومواقف

طاهر المصري والمعادلة الصعبة

يستحق طاهر المصري حجم الحضور المبهر الذي أمّ منتدى عبدالحميد شومان، لحضور حفل توقيع كتابه “حصاد الزمن الصعب”. فطاهر المصري ليس كأيّ سياسي أردني مخضرم، ولا كأيّ رئيس وزراء، ولا رئيس مجلس أعيان، أو وزير، أو نائب؛ هو له نكهة استثنائية خاصة به، جعلت منه “ظاهرة سياسية” فريدة.
الكتاب مجموعة من المقالات والمقابلات والآراء التي قدّمها أبو نشأت خلال مسيرة سياسية خصبة في العمل العام والسياسي، بدأت من تحت قبة مجلس النواب، ثم وزيراً في حكومة زيد الرفاعي في العام 1973، وهو ابن 31 عاماً. ثم شغل مناصب متعددة في الحكم الأردني، من النيابة إلى الأعيان، وبينها وزارة الخارجية. كما عمل سفيراً أردنياً في دولٍ عدة، وشكّل حكومته في العام 1991. وشغل موقع رئاسة “النواب” و”الأعيان” والحكومة، ولجنة الحوار الوطني 2011، التي جاءت في فترة دقيقة خلال مرحلة ثورات “الربيع العربي”.
عن أيّ نكهة نتحدث؟
نكهة المصري الفريدة هنا تتمثل بكلمة واحدة في قدرته على إدارة “التوازنات” والعمل تحت الضغوط. وإذا أردتُ أن أجمل موقعه السياسي بكلمات معدودة، فهو إصلاحي من داخل النظام، وليس من خارجه.
تلك المعادلة التي نجح فيها المصري معقدة؛ فهناك إصلاحيون، ديمقراطيون، ليبراليون كثيرون في البلاد، لكن أغلبهم يجد نفسه بعد مدّة قصيرة بين خيارين رئيسين: الأول، الخروج من “السيستم”، والمعارضة من الخارج. وهي عملية أسهل وأقل تعقيداً من خيار “الإصلاح الداخلي”. وآخرون ينساقون مع “السيستم” ويتحولون إما إلى محافظين معادين للإصلاح، أو إلى مجرد ماكينات تنفيذية وعملية، بلا أي نكهة أو قيمة أو لون سياسي خاص.
شعبية المصري ومصداقيته واستثنائيته، تبدّت من قدرته على إيجاد “القطبة المخفية” (على حدّ تعبير الزميل فهد الخيطان) بين رؤيته الإصلاحية والمدنية من جهة، ودوره في داخل الدولة من جهة أخرى. وهي المعادلة التي لم تعجب، بالضرورة، أطرافاً من الجانبين؛ ففي داخل الدولة هناك تيار كان دائماً يسعى إلى “الإيقاع” بالمصري وترويج الإشاعات والاتهامات بحقه، والتشكيك بـ”ولائه” للنظام. ومن التيار الإصلاحي من كان يهاجم الرجل ويتهمه بالمرونة المبالغ فيها، وبتمرير سياسات لا تنسجم مع قناعاته وأفكاره.
ربما ما سبق يقودنا إلى ميزة خاصة أخرى في شخصية المصري نفسه؛ فهو شخص توافقي، يلمّ الناس حوله، ويلجأ إليه الجميع لتسوية الخلافات السياسية، بخاصة بين المعارضة والسلطة، وتجده الدولة في الأوقات الحرجة والمهمة، ليكون صاحب كلمة دافئة مهدئة. وربما ذلك ما يفسّر براغماتيته-واقعيته التي منحته مرونة في السلوك السياسي مع حفظ خطه الإصلاحي المعروف.
هذا وذاك يقودنا إلى “مفارقة الشخصية”، التي قد تبدو هكذا في الظاهر؛ فهو توافقي ووفاقي، ويبدو كشخصية بسيطة واضحة. لكنّه في الوقت نفسه قادر على خوض معارك وصراعات سياسية وشخصية غير معلنة، في الظل، ما يعكس الجانب السياسي المحنّك، الذي يفسّر هو بصورة أكبر من غيره الجوانب المتعددة من شخصية المصري.
هذا سرّ نجاح المصري في محطّات ومراحل متعددة ومعقدة وصعبة في “الزمن الصعب”. وكان يفترض أن يكون هناك إدراك أعمق لدى “خصومه” بقيمته التي من الصعب جداً تعويضها في اللحظة الراهنة داخل النظام السياسي، سواء كان الأمر مرتبطاً بموقع رسمي، أو خارجه.

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. أباً نشأت
    عرفت ابا نشأت منذ كان سفيرا في باريس خلال مرافقتي للراحل العظيم الحسين كما كان لي شرف الخدمة معه في مجلس الأعيان . وكان مقربا من اصحاب القرار وخاصة الامير زيد بن شاكر ولكن ذلك لم يمنعه من المعارضة البنّاءة واكسبه ذلك ما يستحقه من الاحترام، وقد رأيت منه المعارضة الشجاعه في تحمله المسؤليه الشخصيه عندما كان رئيساً لمجلس الأعيان ولم يرضخ لضغوط كانت ستؤدي الى البلبلة في البلد وأفضل ما آصف به ابا نشأت هو انه يجسد " المعارضة الأكثر إخلاصا "

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock