قضايا

طباعة شرق أوسط جديد

بقلم: أليشيا بولر، متخصصة في مواضيع الأعمال والتكنولوجيا

من المزمع أن يتغير شكل الشرق الأوسط فكريًا وماديًا خلال السنوات المقبلة مع وصول التكنولوجيات المطبوعة بالطابعات ثلاثية الأبعاد. فمع طرح التقنيات والتطبيقات والمواد المطبوعة سريعة التطور، بما في ذلك الخرسانة والمعادن، هذا القطاع الناشئ آخذ في التحول إلى أداة مهمة بدءًا من إعداد النماذج الأولية وحتى الإنتاج النهائي في مختلف المجالات الصناعية.
في أبريل من هذا العام، أعلنت دبي خطتها الطموحة لتصبح إحدى المدن الرائدة في مجال الطباعة ثلاثية الأبعاد، وتغيير شكل المدينة نفسها، والمناطق المحيطة، والعالم بأسره. وقد أصدر صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، حاكم دبي، أوامره بطباعة   %25  من جميع مباني المدينة باستخدام تكنولوجيا الطباعة ثلاثية الأبعاد بحلول عام 2030.
كما كشفت الإمارة النقاب عن مركزها الدولي للطباعة ثلاثية الأبعاد، وهو محور يجمع متعهدي التصميم والتكنولوجيا، فضلًا عن المصانع. ويستهدف المركز في الأساس قطاعات الإنشاء والدواء والمنتجات الاستهلاكية، ويضم مرافق ومختبرات البحث والتطوير من أجل اختبار المواد المستخدمة في المنتجات المطبوعة باستخدام الطباعة ثلاثية الأبعاد.
وقد قال الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، حاكم دبي: “سيعتمد المستقبل على تكنولوجيات الطباعة ثلاثية الأبعاد في جميع جوانب حياتنا، بدءًا من المنازل التي نعيش فيها، والشوارع التي نسير بها، والسيارات التي نقودها، وحتى الملابس التي نرتديها والطعام الذي نأكله”.
وتعتبر مؤسسة دبي للمستقبل المنشأة حديثًا هي الحاضنة المعهود إليها بصناعة الطباعة ثلاثية الأبعاد حديثة العهد في الإمارة، وهي وحدة استراتيجية مكلفة برسم خارطة طريق مستقبلية للقطاعات الرئيسية في دبي وتسهيل الشراكات بين القطاعين العام والخاص من أجل التصميم والابتكار وريادة الأعمال. وقد صرَّح سعادة سيف العليلي، الرئيس التنفيذي لمؤسسة دبي للمستقبل قائلًا: “نحن نشهد بالفعل استخدام الطباعة ثلاثية الأبعاد في إنتاج أشياء كبيرة ومعقدة، مثل محركات الطائرات والأثاث؛ وهذه الأشياء المعقدة تتطلب مواصفات دقيقة والكثير من الإعدادات للوفاء بالحاجات الخاصة. ولهذا السبب أيضا تُستخدم الطباعة ثلاثية الأبعاد في الطب في طباعة الجبائر والعظام والمفاصل والأسنان حسب الطلب”.
وتابع سعادته: “ثمة أيضا نمو سريع وطموح في استخدام الطباعة ثلاثية الأبعاد في مجال الإنشاءات؛ حيث يمكن أن تُستخدم لإعداد أجزاء مصممة مسبقًا من المباني، بدءًا من مقابض للأبواب وحتى الهياكل المصممة خصيصًا حسب الطلب والتي تتمتع بشكل فني بديع أو تؤدي وظيفة أفضل لخدمة مهمة محددة”.
وعلى الرغم من حداثة عهد مركز دبي الدولي للطباعة ثلاثية الأبعاد، فقد أنتج بالفعل أول مبنى مكتبي في العالم باستخدام الطباعة ثلاثية الأبعاد. استُخدمت الطابعة ثلاثية الأبعاد في طباعة المبنى طبقة بعد طبقة مستعينة بخليط خاص من الاسمنت. استغرقت طباعة المبنى 17 يومًا بتكلفة قدرها حوالي 140،000 دولار، وبعد ذلك تمت إضافة تفاصيل التصميم الداخلي والخارجي. وعقب العليلي: “هذا مثال عظيم على كيفية إنشاء المبنى الذي يناسب احتياجاتك بالضبط”.
وقد أدرجت دبي الطباعة ثلاثية الأبعاد أيضا في قطاع النقل، حيث قامت باستخدام مكونات مطبوعة بالطابعات ثلاثية الأبعاد في الحافلات والسكك الحديدية والبنية التحتية المدنية. وتوقع عبد الرضا أبو الحسن، مدير إدارة المرافق والمنشآت، ورئيس فريق تطبيق الطباعة ثلاثية الأبعاد في هيئة الطرق والمواصلات ورئيس لجنة الطباعة ثلاثية الأبعاد، أن محطات الحافلات، ومرافق الشوارع، والمباني والجسور المعقدة المطبوعة بالطباعة الثلاثية ستصبح قريبًا هي السائدة. فيقول: “إن الطباعة ثلاثية الأبعاد تسمح بتطوير الأفكار أسرع من أي وقت مضى، وهي أكثر توفيرًا للتكلفة. كما يمكننا أيضًا تخصيص وتعديل الأجزاء لتناسب الاحتياجات بشكل منقطع النظير”.
ويعتقد راغو مانداجولاتور، نائب الرئيس الأول ومدير البحوث في المركز المالي الكويتي، إن تطوير معرفة دبي بالطباعة ثلاثية الأبعاد يمكن أن يفيد جميع بلدان الشرق الأوسط على العديد من المستويات. فيقول: “يمكن أن يكون للطباعة ثلاثية الأبعاد أبلغ الأثر على تذليل العقارات والرعاية الصحية والنفط والغاز. وقد تتطلب العديد من التطبيقات في مجالات التكنولوجيا الحيوية والرعاية الصحية أدوات معينة بناءً على التطبيق المستخدم”.
ويضيف: “إن معدل استخدام المنطقة لتكنولوجيا الطباعة ثلاثية الأبعاد، وخاصة في قطاعات مثل التصنيع، أعلى من المتوسط بالمقارنة مع معدل الاستخدام العالمي. والمبادرات التي تتبناها حكومات المنطقة لإنشاء مختبرات التصنيع بتكنولوجيا الطباعة ثلاثية الأبعاد – بجانب تزايد الوعي بضرورة ترشيد النفقات – أدت إلى ظهور جيل واعد من الشركات الناشئة المعنية بتكنولوجيا الطباعة ثلاثية الأبعاد”.
ولكن ربما تتعلق أكبر الآمال المعقودة على صناعة الطباعة ثلاثية الأبعاد الوليدة في المنطقة بقدرتها على إصلاح الأضرار التي ألمت بالمدن التي مزقتها الحروب. فالعراق والسودان وسورية تتطلع بالفعل إلى ابتكار الطباعة ثلاثية الأبعاد لاستعادة مبانيها وآثارها. وقد سافر مؤخرًا وفد وزاري عراقي إلى سوجو، بالصين، لزيارة شركة وين صن، وهي شركة رائدة عالميًا في مجال الإنشاءات بالتكنولوجيا ثلاثية الأبعاد، من أجل استعراض تكنولوجيا إعادة إعمار المنازل. وقد أوضح مانداجولاتور: “بما أن التكنولوجيا أصبحت ميسورة التكلفة، فإن بناء المنازل ثلاثية الأبعاد باستخدام البلاستيك الحيوي وغيره من المواد المعاد تدويرها يمكن أن ينهض قريبًا بإعادة إعمار آثار الكوارث ومساعدة المشردين في جميع أنحاء العالم”.
ويرى سيفاج بابازيان، المسؤول بمؤسسة الاستشارات “ستراتيجي&” (سابقًا شركة بوز آند كومباني) أن تقنيات الطباعة ثلاثية الأبعاد ستكون في غاية الأهمية في المساعدة على إعادة بناء المدن التي دمرتها الحروب. فقال: “إضافة إلى سرعة عملية الإنشاء، يمكن أيضًا إعادة رسم تصاميم المباني الأصلية باستخدام تقنيات التصوير المتقدمة، ومن ثم تمريرها إلى الطابعات ثلاثية الأبعاد من أجل تنفيذها. وثمة فرصة للحفاظ على روح التصاميم الأصلية، مع استخدام أنواع جديدة من المواد لضمان بناء هياكل أكثر متانة وصديقة للبيئة”.

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock