أفكار ومواقف

طعنة إنجليزية في ظهر الاتحاد

لا أعرف لماذا أنا متضايق جداً من البركزست (Brexit) أي من الخروج البريطاني من الاتحاد الأوربي.ربما لأنني أحببت هذا الاتحاد عندما وُلِد، فقد رأيت فيه نموذجاً أو مثالاً لكل شعبٍ ممزق، أو لأمة ممزقة، أو لشعوب وأممٍ متعادية تاريخياً؛ في تجاوز التاريخ الذي بتعليمه التقليدي تعشش كل كوامن الكراهية والتعصب والوطنية الضيقة والحروب.
كنت في حينه ولا أزال بالحماس نفسه أتطلع إلى وحدة عربية أو إلى اتحاد عربي ديمقراطي إنساني على نمط هذا الاتحاد الأوروبي، حيث يستطيع الواحد فيه التحرك بحرية بسيارة أو بقطار. من الخليج العربي شرقاً وحتى شواطئ الأطلسي غرباً، ومن جبال زاغروس والبحر الأبيض المتوسط شمالاً وحتى خط الاستواء جنوباً والعمل أينما يريد، ويتعلم أينما يريد، ويسكن أينما يريد.
كانت أحلامنا كبيرة جداً بعد الاستقلال. كنا نأمل بوحدة أو باتحاد يضيع فيه المرء فلا يسأله أحد عن أصل أو فصل، أو عن دين، أو عن طائفة، أو عن عِرق، أو عن فيزا. وعليه بقيت شديد الاهتمام بالاتحاد الأوروبي،وتمنيت وما أزال أن يتسع وأن يدوم، وقد شعرت بالضيق عندما قررت بريطانيا أو على الأصح انجلترا الخروج من الاتحاد، لأنه قد يفتح الباب لغيرها ليخرج منه،وبالتالي إلى انهيار النموذج والمثال. وعليه أتضايق من فوز الأحزاب الشعبوية في أوروبا في الانتخابات العامة خشيةً على الاتحاد ؛ لأتبين فيما بعد أن خوفي ليس في محله.
لكن “إنجلترا” بتاريخها الاستعماري دولة مارقة أوروبياً،فقد ترددت كثيراً قبل انضمامها إلى الاتحاد، ولم تكتمل عضويتها فيه. ومن ذلك احتفاظها دون بقية الأعضاء، بعملتها الخاصة، وكأن الجنيه الاسترليني هو درة التاج ومن أجله يصح طعن أوروبا في الظهر،ومع هذا يبدو أن الاتحاد راضٍ عن خروج “بريطانيا” الشاذة أو المشاكسة منه.
“بريطانيا” نفسها دولةٌ اتحادية (United kingdom) تحن إلى أميركا حيث ناسها ومستعمراتها السابقة التي تتكلم لغتها الإنجليزية، وهي لذلك تنسق معها مع أنها -أي أميركا- كانت قد أسهمت في خسارتها مستعمراتها وحلت نفوذاً محلها فيها. ومع هذا تعتبرها بريطانيا/انجلترا أقرب إليها ثقافياً من أوروبا جغرافياً. وقد تجلى ذلك في أيام مرجريت تاتشر ورونالد ريغان اللذين أطلقا اقتصاد السوق،وقضيا على الحركة العمالية في البلدين، وتعاونا وتواطآ لتدمير الاتحاد السوفييتي أو إمبراطورية الشر كما كان يصفه ريغان، وهكذا كان. ثم تجلى ثانياً على يد بوريس جونسون (فرخ ترامب) الذي شجعه على هجر الاتحاد الأوروبي الحليف والند الناعم لأميركا سياسياً وثقافياً.
إنني أتمنى وأنا أكتب هذا المقال في مساء يوم الخميس الماضي من كل قلبي فشل بريطانيا في الخروج من الاتحاد، وإلا ّإذا تم فسيتبعه خروج اسكتلندا وإيرلندة الشمالية، أيضاً من الاتحاد البريطاني نفسه، لأن كلاً منهما لا ترغبان في البقاء فيه، وترغبان بقوة في البقاء في الاتحاد الأوروبي.
إنني أتوقع تدهور الاقتصاد والاجتماع في بريطانيا نتيجة الخروج،وأتوقع عودتها ذليلة إلى الاتحاد وقبولها جميع شروطه،وبحيث تؤدي عودتها إلى امتناع كل عضو فيه عن التفكير بالخروج منه.
الاتحاد الأوروبي أروع اتحاد توصلت البشرية إليه، فقد تم بالاختيار، وبالتحرر من عبودية التاريخ،والقوميات،والأعراق،والأديان، والمذاهب…، والتسامي على جراحاته.
لا يضع اعضاء الاتحاد الماضي على الطاولة كلما نشأت مشكلة أو طرأت قضية طارئة بعدما صاروا يكتبون التاريخ ويعلمونه بلغة سياسية صحيحة،لا كما نفعل نحن العرب إلى اليوم باستحضار التاريخ في كل مرة على مستوى العشيرة، والقبيلة، والطائفة، والشعب، والأمة، وحتى على مستوى العائلة. إن تاريخنا بطريقة عرضه وتعليمه يطاردنا ويلاحقنا ويفتك بنا في صحونا ونومنا. إنه يمسك بتلابيبنا ويخنقنا لأننا نعيش فكرياً وواقعياً به وفيه.
قد ينبري قارئ قائلاً: ما أهيمة موقفك من هذا الموضوع؟ فأرد عليه: لا أهمية له، ومن أكون منه! ولكنني أصف حالي منه، ربما أيضاً لأن بريطانيا/إنجلترا تسببت لنا في هذا العصر بعدة كوارث لم نخلص منها بعد، فقد استعمرتنا، وقد قسمتنا،وقد هودت فلسطين ورتبت قيام اسرائيل فيها. غير انه على الرغم من كل ذلك لا يحب كثير من عرب آسيا بلداً أجنبياً أكثر من حبهم لبريطانيا /إنجلترا فهي بالفعل مربط خيولهم.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock