أفكار ومواقف

طيور جهنم

في صيف 1908، قدم الفرنسي ايميل كول على مسرح الجمنازيوم الباريسي رؤيته الجديدة للعالم من خلال تقديم أول فيلم للرسوم المتحركة بالتاريخ، كول الذي سيموت فقيرا معدما في 1938 اعتمد في صناعة فيلمه الكرتوني الأوهام “Fantasmagorie” على نظرية العالم الانجليزي “بيتر مارك روجيت” التي ولدت قبل ما يقارب القرن من عرض فيلمه المبتكر.
وتنص نظرية (روجيت) المعروفة علمياً بـ”خاصية استمرارية الرؤية في العين” على أن العين تحتفظ بانطباع عن الصورة بعد زوالها لمدة 1/10 ثانية، هذا الفهم دفع لتسارع التطور في المجال في حينه؛ حيث ظهر جهازا الفانتا سكوب والزيوتروب في الثلث الأول من القرن التاسع عشر اللذان نقلا النظرية للتطبيق من خلال آلية الأسطوانة المرسوم عليها سلسلة من الصور، وعند دورانها حول نفسها تظهر حركة مجموعة الصور بصريا وكأنها سلسلة متحركة، وقد عرفها أجدادنا بصندوق العجائب.
كان لاختراع تقنية السيليولويد الشفاف مطلع العقد الثاني من القرن العشرين في نيويورك الأثر الأكبر لهيمنة الولايات المتحدة على هذا العالم الخيالي المذهل، بقي عالم الرسوم المتحركة صامتا حتى دخل العملاقان (والت ديزني) و(وارنر بروذرز) وبعثا الروح والألوان في هذا المجال، ولعل أجمل ما قام به ديزني هو اعتماد الروايات العالمية كأساس لأفكار أفلامه، فبدأ في عام 1923 برواية عالم الرياضيات الإنجليزي تشارلز دودسون مغامرات أليس في بلاد العجائب التي نشرت في عام 1865، وفيما بعد اختار رواية الأخوين غريم “بياض الثلج” التي نشرت عام 1812 لتنطلق سلسلة الأفلام المتحركة الطويلة 1937.
وفي أوج استعمار الحرب العالمية الثانية، قدم الثنائي هانا وباربيرا عام 1940 فكرتهما العبقرية التي ستبقى بعد رحيلهما من خلال ثنائية (توم وجيري) التي اختصر أحد خبراء النفس سر جاذبيتها، بقوله: “الناس في أنحاء العالم يمكن أن يروا شيئا من أنفسهم في الشخصيتين”.
في نهاية السبعينيات من القرن الماضي، ولج الأردن لعالم دبلجة أفلام الكرتون، وكانت عملية اختيار الأعمال التي ستعرض للأطفال تمر من خلال مجموعة معايير عامة أكثر صرامة مما نعيشه اليوم بعد تسونامي الشبكة التي ابتلعتنا جميعا؛ حيث تغير معدل ثبات الطفل الانفعالي وقدرتنا جميعا على متابعة الأشياء بشكل أعمق، فلم يعد من السهل أن يتسمر الأطفال أمام أحداث رواية أبي طويل الساقين التي يعرفها جيلنا بعنوان (صاحب الظل الطويل)، وليس من السهل إقناع طفلك أن يختار مخلص صديق الحيوان ضمن عروض يوتيوب اللامتناهية.
مع نهاية الألفية، شنت جماعة متطرفة في العالم الإسلامي هجوما شرسا على مسلسل الأطفال (بوكيمون) تحت ذريعة أنه يمس الذات الإلهية، وكان الغريب في حينها أن هذه الحملة وجدت حاضنة اجتماعية لدرجة أن التلفزيون الوطني خضع لهذه الهجمة الشرسة وأوقف بث الفيلم الكرتوني، وما يزال الكثيرون يذكرون بخجل مشاركتهم بثورة حراس الدين للإطاحة ببيكاتشو يختلط الضحك والبكاء عند مطالعة المطبوعات التحريضية التي وزعت في حينها.
فيما بعد، تبين أننا نواجه شبكة على المستوى العربي؛ حيث تؤكد تقارير اتحاد الإذاعات العربية 2014 أنه خلال خمسة أعوام ولدت (225) قناة دينية، واللافت أن مقر بثها في عواصم غربية، فيما كان نصيب الأطفال في فوضى القنوات هامشيا، بحيث تصدت له قنوات أناشيد عبثية تميل للخط الديني ذاته أو قنوات على قلتها تفيض بمشاهد كرتونية مقززة بلا أي قيمة.
اليوم، في ظل إغلاق المدارس ورياض الأطفال، ما مشروع الحكومات حول المحتوى التعليمي والترفيهي الذي وفرناه لمنافسة منتجات معاتيه الفوضى وطيور جهنم؟!

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock