أفكار ومواقف

“ظاهرة أوباما”

                                     


قالت المحررة في مجلة نشين برباره اهنانرخ في مطلع سنة 2007، أي عند بدء سباق الترشح للانتخابات الأميركية: نعم، أميركا مستعدة أن تتقبل في الرئاسة امرأة أو رجلا أسود(إشارة إلى هيلاري كلينتون وباراك أوباما) ولكن أرجو أن تيقظوني حين يحصل ذلك.


لقد أثار ترشيح أوباما، السناتور عن ولاية إلينوي، والبالغ من العمر 47 عاماً، ضجة كبرى في طول البلاد وعرضها، وأخذ كثيرون يتساءلون: من هو باراك أوباما؟ ويأتي الجواب المختصر: هو هذا الشاب الوسيم من أم بيضاء وأب أسود. وهو محام بارع في مدينة شيكاغو.


قال أوباما عن نفسه: “أبي لا يشبه الناس من حوله، كان أسود حالك السواد وأمي بيضاء كاللبن”. وهناك من يقول إن شخصية باراك الكرازماتية هي أبرز أركان نجاحه للوصول إلى البيت الأبيض. دراسته للقانون في جامعة هارفارد ثم نجاحه في أن يترأس المجلة القانونية التي تصدرها الجامعة كانت بمثابة حجر الزاوية والانطلاقة الأولى في حياته السياسية. فقد جاء الجامعة وهو شبه نكرة، وعند تخرجه دخل معترك  السياسة من أوسع أبوابها.


هناك من يقول بأن على أوباما أن يتريث بعض الشيء، فهو مايزال شاباً وأمامه فسحة طويلة من الزمن ليتقدم للترشيح بعد أن تزداد تجربته وتتعمق معرفته بمواطن السياسة، ويرد الكاتب اللامع “وسلي” بقوله: “ربما أن أوباما لا يملك التجربة التي تحتاجها واشنطن، ولكن باراك عنده التجربة التي تحتاجها أميركا”. كثيراً ما يردد أوباما أن أميركا تواجه مشكلة كبيرة، هي أن السياسيين في الولايات المتحدة بينهم فرقة كبيرة وجفاء ظاهر، وأنهم مختلفون بشدة، حتى أن الولايات الخمسين تبدو وكأنها انقسمت فأخذ بعضها يسمى الولايات الحمراء والبعض الآخر الولايات الزرقاء، وهذه التسمية وهذا الانقسام حصل إثر الانتخابات الرئاسية في العام 2004، ودفع إليه التنافس بين الحزبين الكبيرين الديمقراطي والجمهوري.


ويقول أوباما:”لكي تبقى أمتنا قوية وواحدة، علينا رجالاً ونساء أن نحافظ على الحلم وأن ننتخب رئيسنا بحكمة”. ويرى أنصار أوباما إنه المرشح الذي يعكس الأمل الكبير، ولا خوف البتة مع الأمل.


لقد استحوذ أوباما على تأييد واسع بين الناخبين، كونه مرشح التغيير وكونه منحازاً بقوة للوحدة بدل الفرقة في البلاد. وهكذا لم تعد ثلاثية: النوع، الدين، الطبقة، هي الأسس الوحيدة في الاختيار لدى الأميركيين لممثليهم كما في السابق، فالمجتمع الأميركي قطع شوطاً بعيداً في تحقيق المساواة وإعطاء الفرص للجميع، بصرف النظر عن العرق أو الدين أو لون البشرة أو الجنس، ولا يملك المراقب إلا الإعجاب بهذا المجتمع الأميركي، وبالقوانين التي سنّها لتنظيم مواطنيه ومسيرته السياسية والاقتصادية، هذه القوانين التي تعطي الفرصة لابن مهاجر إفريقي من كينيا لأن يصبح المرشح القوي مرشح الحزب الديمقراطي للدخول إلى البيت الأبيض، بيت الرئيس.


يتميز السناتور أوباما بأنه كاتب مرموق ولامع، فقد صدر له كتابان: الأول “أحلام من أبي” Dreams From My Father، وهو أشبه بالسيرة الذاتية وقد أهداه لجدته من أمه، اعترافاً منه بفضلها في رعايتها له. وكما قال:”جدتي كانت بمثابة الصخرة التي قام عليها استقرار حياتي”. أما الكتاب الثاني فهو “جرأة الأمل” The Audacity Of Hope ومضمون هذا الكتاب حول الحلم الأميركي وكيفية تحقيقه، الذي لخصته الإعلامية السوداء الشهيرة والثرية والمحسنة الكبيرة أوبرا وينفري، التي هبّت عند بداية حملة أوباما لمساندته، قائلة في اجتماع حاشد في ولاية كارولينا الجنوبية: كان لدينا حلم، نحن الآن لا نحلم فالحلم أصبح حقيقة وواقعا، بانتخابنا السناتور أوباما.


أما حول ظاهرة أوباما فيقول الصحافي يونغ من مجلة نيشن: “إن أوباما هو الشخص اللامع في الجيل الجديد من السياسيين السود، وهو لا يطرح في أحاديثه مسألة العرق، فقد تجاوز ذلك، وأصبح مثالا للتعددية والتنوع، لذا لا يترك مجالا للخلافات وهو يفتح الباب واسعاً للتغيير وللأفضل.


وجدير بالذكر أنه لا يوجد حالياً في أميركا حركة قيادية سوداء. فالسياسيون السود في الغالب قد جاءوا من الأوساط الأكاديمية ومن رجال الأعمال. لم تدفعهم جماعات السود لقيادة الصفوف، لأن جماعات السود نفسها متباينة تماماً وحتى متباعدة، وأعضاؤها لا ينتظمون خلف قيادات سوداء، وليس من المسلّم به أن الأميركيين السود يعضدون أوباما تلقائياً.


جاء في جريدة نيويورك تايمز أن أوباما وفي كل حياته، وطوال حملته الانتخابية، لم يتصرف كأسود غاضب ومقهور، بل كأميركي ينشد التغيير وتوحيد الجهود، وقد قال في كتابه “أحلام أبي”: تعلمت التأرجح بين عالميّ الأبيض والأسود.


إن نصيب أوباما من الفوز بالرئاسة لا شك كبير وواقعي، فهو يخوض حملته بحماس كبير، وتفاعل مع الناس بصدق يخلو من التصنع، ويتمتع بمقدرة كبيرة على التواصل مع الآخرين، فهو متحدث لبق وحديثه مشوب بالعاطفة ويملك المقدرة على تحريك الناس. ففي أثناء حملته في ولاية بنسلفانيا، وقف سناتور الولاية بوب كاسيب بجانب أوباما ورفع يده قائلاً: “هذا القائد الوطني الذي يوحد بلدنا وسيبدأ بالتغيير من أجل المستقبل”.


لقد لاقت حملة أوباما التأييد الكبير من كبار السياسيين في الحزب الديمقراطي، أمثال جون كيري، ومن أسرة الرئيس الراحل جون كينيدي، فعميد هذه الأسرة السنتور المخضرم تيد كيندي وقف بقوة إلى جانبه، وكذلك ابنة الرئيس الراحل. ويرى البعض أن نهج أوباما يشبه نهج روبرت كيندي قبل 48 سنة، حيث يحاول تضييق فجوة التباعد والخلافات في المجتمع ليجمع أميركا. “ما نحتاج إليه في أميركا ليس الكره ولا العنف والخروج على القانون، إنما نحتاج إلى الحب والحكمة، والتلاحم بالرحمة واحدنا نحو الآخر، نحن في أميركا نحتاج إلى الوحدة، نحتاج إلى الأحساس بالعدل نحو أولئك الذين يعانون من الظلم والضنك في بلادنا من سود وبيض على السواء”.


حاكم ولاية نيو مكسيكو بيل ريتشاردسن، الوزير السابق في إدارة بيل كلينتون، الذي رشح نفسه للانتخابات في العام 2008 ثم انسحب، وقف بجانب أوباما وترك زوجة رئيسه السابق هيلاري كلينتون، فقيل فيه:”هذا هو يهوذا الذي باع سيده!”، وقال ريتشاردسن ببساطة “أنا أدعم أوباما لأني أؤمن أن لديه قوة التمييز والحكم الصائب، ينشد القاعدة لبناء الوحدة الوطنية وليجعل أميركا قوية في الداخل ومحترمة في الخارج”.


لا شك أن انتصار أوباما على السناتور هيلاري كلينتون، وزوجها الحاذق، هو إنجاز مميز بكل المعايير ولا يستهان به أبداً. ولن تكون المفاجأة في انتصاره على المرشح الجمهوري جون ميكن في 4 تشرين الثاني القادم، بل في خسارته. حيث ماتزال هناك جيوب لا بل شرائح معتبرة من الأميركيين، لم تطهر روحها وتفكيرها من الخطيئة الأصلية، أي التمييز العنصري، بجانب خصومة الرأسمالية المتوحشة للانفراج. وثمّة نقطة مهمة أخيرة في صالح السناتور أوباما، هي موقفه الرافض منذ البدء لغزو العراق واحتلاله. فهو يعتبر أن احتلال العراق كارثة، وقال في هذا: “أنا لا أريد أن أنهي هذه الحرب فحسب، ولكني أريد أن اقضي على الفكر الذي يقود لإشعال مثل هذه الحروب بالدرجة الأولى”. وحديثاً، خاطب الصحافيين قائلاً: “دعوني أكون واضحاً بأكبر قدر ممكن، أنني أنوي إنهاء هذه الحرب”. ويقول أنصاره: “أوباما المرشح الذي سوف ينقذ أميركا من نفسها أولاً ومن مستنقع العراق، وبهذا يعيد الأمل للعالم”. ويتعشم بعض أنصاره أنه المرشح الذي سيعمل على التقارب بين المسلمين والمسيحيين، فهو بحكم نشأته يفهم الإسلام، ويدعو إلى التلاحم داخل المجتمع الأميركي نفسه، ناهيك عن أنه يدعو إلى الإصلاح الداخلي لدعم الفقراء وتحسين الضمان الاجتماعي وإصلاح عملية التعليم وعضد المرأة في كافة حقوقها.


قد يكون أوباما عاجزاً عن تحقيق كل هذه الآمال، وقد لا يصل إلى سدّة الرئاسة أصلاً، ولكن شيئاً ما قد حصل أميركياً وفي العالم، هو هذا التغيير غير المسبوق في الرغبة بالتغيير، والتعايش السلمي.


* مؤرخ أردني

تعليق واحد

  1. اوباما …..والأنجلو ساكسون
    لا يحظى المرشح الديمقراطي على الأغلبية في الحزب الديمقراطي أذ حصلت المرشحةالديمقراطية هلاري كلنتون على ذلك ، ولكنه فاز في أغلبية اصوات الممثلين لكل ولاية ، وهذا كاف بالنسبة للميثاق الأميركي الانتخابي..لذا فأن نسبة نجاحه تفتقر الى نصف عدد الناخبين ..فالسكان الآصليون المعروفون بلأنجلو ساكسون ، ومعظمهم من كبار السن يرفضون مبدأ أن بكون افربقي أميركي رئيسا للجمهورية .
    كأن أجدر لأوباماالحدبث جدا في امور السياسة الخارجية أن يكتسب خبرة عملية من كلنتون الرئيس، وزوجنه هبلاري لو قبل ان يكون نائبا لرئيس الجمهورية لمدة 8 سنوات للمرشحة هيلاري ، وثم بستفيد ، ويثيت قدرته وخبرته في السياسة الحارجية ليصبح بعد 8 سنوات المرشح بدون منازع بعد فوز هيلاري لدورتين..وكل دورة 4 سنوات

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock