أفكار ومواقف

ظاهرة جندريّة في الترجمة..!

أحد المظاهر اللافتة في بعض الترجمات هي أنها تستسهل في مسألة تعريف «النوع الاجتماعي» للناس الذين ترد أسماؤهم/ أسماؤهن في المادة المترجمة، سواء كانوا الكُتاب/ الكاتبات أو الذين ترد أسماؤهم/ أسماؤهن في المَتن -فيُعرَّف الجميع دائماً كذكور.
مثلاً، يقول تقرير نشره الموقع الإلكتروني لمحطة عربية إخبارية مهمة: «ورد ذلك في مقال نشره موقع ‘فورين بوليسي’ الأميركي للكاتب أنشال فوهرا المتخصص بشؤون الشرق الأوسط، والذي عزا كثيراً مما يجري في أوروبا…». وأنشال فوهرا في الحقيقة هي كاتبة وصحفية وليست كاتباً. واللافت أيضاً أن أنشال فوهرا هي مراسلة لهذه المحطة العربية نفسها التي نشرت التقرير. وفي الحقيقة، قد لا يدل اسم أنشال في حد ذاته على النوع الاجتماعي لصاحبه/ صاحبته، لكن بالوسع استشارة «غوغل»، ببساطة، إذا توفرت النية للتعرُّف.
وأيضاً في ترجمة لموضوع يستمزج مجموعة من المفكرين حول أحد العناوين، عرّف المترجم هؤلاء المفكرين كلهم كذكور. ومن بين أسماء المفكرات اللواتي حوّل المترجم جنسهن؛ شانون أونيل، ولوري غاريت، وكوري شاك. وفي الحقيقة، يمكن أن يكون التعريف بالشخص باللغة الإنجليزية فقرة كاملة، وإنما من دون أن تمر كلمة واحدة تحمل إشارة جندرية. وإذا لم ترد في التعريف كلمات he أو she، فإن النعوت والصفات والمهن والأفعال ومعظم الضمائر في الإنجليزية، مثلاً، ليس فيها علامة تحدد الجندر: «تاء التأنيث» أو «التاء المربوطة» المحددة للجنوسة في العربية، من نوع «صحفية تكتب في…»، أو «باحثة تعمل مع». وسوف يكتبون في التعريف: a journalist writes، أو a researcher works، وعليك أن تتدبّر أمرك.
في هذه الحالة، قد يحتاج المهتم بمعرفة النوع الاجتماعي إلى البحث عن صورة لصاحب/ صاحبة الاسم. وحتى عندئذٍ، قد يُظهر بحث «غوغل» صوراً لعدد من الناس من الجنسين الذين لهم الاسم الكامل نفسه. وعندئذٍ سوف يتوجب البحث في شروح الصور. مثلاً، قد يكون من بين الذين لهم/ لهن الاسم نفسه ممثلون/ ممثلاث، أو عارضو/ عارضات أزياء، أو أساتذة جامعات. وسوف يتدخل الحس السليم والربط المنطقي فقط لتقدير الشخص المقصود حسب السياق -بأكبر قدر ممكن من التقريب.
هل هذا يهم حقاً؟ أعني التعريف بأنشال وشانون ولوري وكوري بما هُنّ؟ قد يقول البعض إن «المهم هو الفكرة»: لا تهم معرفة النوع الاجتماعي للذي قال/ قالت كذا عن كذا. وسيقول آخرون إن التحديد مهم -على الأقل لجهة صحة المعلومة والدقة المعرفية. وربما تكون معرفة النوع الاجتماعي للقائلين مهمة أيضاً في تكوين فكرة أدق عن المقولة نفسها؛ حيث قد يكون «الجندر» عاملاً متدخِّلاً في تكوين وجهة النظر كما هي. قد يكون الرأي منطلقاً من موقف نسويّ، أو ذكوري، أو مهني، أو أيديولوجي، حيث تكون للتعريف الدقيق لصاحبه/ صاحبته أهمية في التأويل.
ربما يكشف اختيار تغليب التذكير للأشخاص الذين يكون جنسهم الاجتماعي ملتبساً أيضاً عن انحياز جندري باطني. قد يفترض البعض أن «المفكرين» يغلب أن يكونوا ذكوراً لأن «التفكير» نشاط عالٍ؛ وكذلك «الصحفيين» و»المحللين» و»الباحثين»… إلخ. وقد يكون ذلك فقط نتيجة اختيار الكسل عن إجراء بعض البحث، والاعتماد على فكرة أن أغلبية ساحقة من المتلقين لا يعرفون أصحاب/ صاحبات الأسماء ولن يدقّقوا. وفي الحقيقة، «جلّ من لا يسهو» والخطأ في التقدير وارد، لكنّ الافتراض الأسلم هو بذل هذا الجهد الإضافي الصغير غالباً في الترجمة، واستشارة المراجع القريبة المتاحة واستنفاد الوسائل، ثم الاجتهاد إذا تعذر العثور على المعلومة.
من الواضح، حتى من هذا النص نفسه، أن الإفلات من «جندرية» اللغة العربية مسعى يتاخم المستحيل، ويتطلب بالتأكيد إحداث تغييرات مفصلية ليست سهلة مطلقاً في بنية اللغة. دائماً ستقول في العربية «الكُتاب والمعلمون والوزراء» أو الاضطرار إلى تكرار وضع «شَرطةٍ مائلة» بين لفظتين لشمول الجنسين والاستجابة لمطلب ظهور المرأة أيضاً في الفكرة، كما تصرّ النسويات. لكنّ مسألة تحديد النوع الاجتماعي لدى تعريف الأسماء في الترجمة مطلب يتعلق بالمهنية والحِرفية والدقة المعرفية، وأتصوّر أنه يستحق العناء.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock