صحافة عبرية

ظاهرة عباس.. نجاح هائل لحكم اليمين

معاريف
بقلم: د. دورون مصا 7/5/2021

تثير ظاهرة منصور عباس حوارا جماهيريا وسياسيا، ولا سيما بسبب آثارها المحتملة على الساحة السياسية ومسألة تشكيل الحكومة التالية. نقاش شديد يجري في هذا السياق في دوائر الصهيونية الدينية أساسا والتي تبدي موقفا متحفظا من إمكانية الاعتماد على قائمة عباس لغرض تشكيل الحكومة. ويقوم التحفظ على أساس موقف يرى في الموحدة “راعم” كممثلية لحركة الإخوان المسلمين وخطوة شراكة سياسية معها تعد فعلا كمثل حصان طروادة الى السياسة اليهودية-الصهيونية ومن شأنها أن يكون لها آثار جسيمة للمدى الزمني البعيد.
ولكن هذه المواقف التي تقوم على أساس تضاربات فكرية تفوت المعنى التاريخي الذي يقف خلف ظاهرة عباس والتي بشكل مفاجئ لا تشكل فقط نوعا من إنجاز غير مسبوق لسياسة اليمين الإسرائيلي في مسألة عرب إسرائيل، بل وتنسجم أيضا مع أساسات السياسة الصهيونية تجاه الأقلية العربية. هذه الأساسات لم تتغير في شيء منذ العام 1948 عندما “ولدت” عمليا في أعقاب الحرب “مشكلة عرب إسرائيل” في مجرد تواجد أقلية عربية فلسطينية لا بأس بها في الدولة اليهودية التي قامت في أعقاب الحرب.
وصلت العملية ذروتها مع نشر وثائق الرؤية العربية في العامين 2006 و2007 عندما طرحت القيادة مطلب جعل إسرائيل دولة ثنائية القومية توزع المجال العام، رموز ومقدرات الدولة بين القوميتين، اليهودية والفلسطينية بحكم مبدأ المساواة السياسية. والمحاولة العربية لاستخدام فكرة المساواة المدنية لغاية تحطيم نموذج الجيب الصهيوني-اليهودي الذي طبق على الأقلية فشلت بشكل مطلق وانهيار النموذج الليبرالي والأممي الذي وفر الإلهام للخطوة العربية أدى الى نتيجة مزدوجة: الأولى، خطوة وضع حدود متجددة للأقلية العربية من قبل الدولة اليهودية-الصهيونية؛ والثانية إعادة تعريف جوهر المجال الوسط الذي تحدد للأقلية العربية.
في هذه النقطة، قام اليمين الإسرائيلي بالثورة الفكرية الكبرى، وعمليا استبدل فكرة المساواة المدنية التي حددتها حكومات اليسار منذ منتصف السبعينيات من القرن الماضي بفكرة الاندماج الاقتصادي الذي قام على أساس الجهود للتمكين الأهلي للوسط العربي في مجالات اقتصادية واجتماعية. قوة الفكرة التي استندت الى أساسات مفهوم “السلام الاقتصادي” لليمين وإلى المفهوم الاقتصادي الليبرالي الجديد، جاءت انطلاقا من تفاعلها مع رياح التغيير في اسرائيل.
لقد أصبح الخطاب الاجتماعي-الاقتصادي في الدولة ذا مغزى في احتجاج صيف 2011، وانسجم الأمر أيضا مع رياح التغيير في الشرق الأوسط ومع هزة الربيع العربي في العام 2010، والذي كان عمليا احتجاجا اقتصاديا قبل أن يكون احتجاجا سياسيا بأسلوب أفكار الثورة الفرنسية (المساواة، الحرية، الأخوة). ولكن الدراما الكبرى كانت في أن فكرة الاندماج الاقتصادي انسجمت مع طموحات الجمهور العربي الإسرائيلي.
وجه الجمهور العربي في إسرائيل نفسه الى جدول أعمال وضع في المركز ليس الأفكار الثورية التي اتخذتها القيادة العربية للجبهة وللتجمع والتي غايتها تحطيم الفكرة الصهيونية بل السعي لما عرف سياقات “أسرلة” تقوم على أساس التعاون في سياقات النمو الاقتصادي التي اجتازتها الدولة في العقود الأخيرة.
إن النهج الإسرائيلي الذي تبنته كل حكومات إسرائيل دون صلة بهويتها السياسية كان يستند الى الجهد لإقامة الكيان العربي الإسرائيلي كجيب. نوع من كيان من جهة يوجد له حضور وسيطرة في داخل المجال الإسرائيلي-اليهودي، ولكن من جهة أخرى توجد له أيضا نقطة سيطرة خارجه، لمجرد صلته العرقية والثقافية بالمجال العربي الفلسطيني. وكانت البدائل الاستراتيجية مثابة متعذرة لأنها كانت تنطوي على تحدٍ لمجرد الفكرة الصهيونية للقومية اليهودية.
وعليه، فإن البديل الوحيد للتصدي لواقع الأقلية العربية كان أن تتموضع في المجال الوسط الذي بين الصهيوني اليهودي وبين العربي الفلسطيني. لقد كان التحدي الأكبر لدولة إسرائيل منذ قيامها، وبقوة أكبر منذ أواخر 1966 -حين رفع الحكم العسكري عن الأقلية العربية بشكل سلمت فيه دولة إسرائيل مع تواجدها الدائم في داخل الدولة- هو شحن هذا المجال الوسط بنوع من المحتوى الذي يسمح بجعل اليـأس أكثر راحة، سواء للأقلية أم للأغلبية.
من أواخر الستينيات من القرن الماضي وحتى بداية القرن الحالي، تحدد محتوى المجال الوسط من خلال فكرة المساواة والمواطنة المشتركة. بمعنى أن الأقلية العربية الفلسطينية لا يمكنها أن تستوعب من جهة ولا يمكنها أن تقرر مصيرها بتعابير قومية من جهة أخرى، ولكن يمكنها أن توجد في الدولة على أساس مبدأ المساواة المدنية، على أساس شخصي وقدرة وصول وظيفية-مدنية الى المجال العام الإسرائيلي.
غير أن فكرة المساواة المدنية تحولت مع السنين، وأساسا مع حلول التسعينيات، مع الثورة الليبرالية في إسرائيل، الى أداة في يد الزعامة العربية السياسية والثقافية لرفع الكفاح في سبيل ردم الفوارق الاجتماعية-الاقتصادية بين الوسط العربي واليهودي. مثل يد دخلت الى الكم لقلبه على جانبه الآخر، هكذا مفهوم المساواة المدنية الذي يستهدف من ناحية الدولة أن يكون محتوى المجال الوسط -أصبح أداة بواسطته تكافح الزعامة العربية لتقويض فكرة الدولة اليهودية الديمقراطية. وذلك من خلال استبدال المطالبة بالمساواة السياسية من فكرة شخصية-خاصة الى فكرة جماعية-قومية.
انسحاب زعيم “راعم” منصور عباس من القائمة المشتركة وإنجازاته الأخيرة في الانتخابات تعكس مسيرة مهمة وذات مغزى من التغيير في مفهوم العمل والتفكير لدى أجزاء من القيادة العربية أيضا. إن الخطاب الاجتماعيالاقتصادي الذي تبناه عباس على حساب التضييق المطلق للخطاب القوميالسياسي ليس فيه فقط نوع من التسليم التاريخي من جانب الزعامة العربية للفكرة الصهيونية وللنموذج الوسط، ذاك الذي يسعى لموضعة الأقلية في المجال الوسط الذي بين الخارج وبين الداخل بل المحتوى الجديد والمحدث لذلك المجال القائم على نموذج الاندماج والوحدة الاقتصادية الذي عرفه في حينه رئيس الوزراء نتنياهو كـ”نموذج دبي”.
يدور الحديث بلا شك عن نجاح عظيم لسياسة حكومات اليمين في العقد والنصف تجاه الأقلية العربية والتي الى جانب مسيرة ترسيم الحدود التي تمت بالنسبة للأقلية، بما في ذلك من خلال قانون القومية في العام 2018، نجحت في وضع محتوى فكري ترجم أيضا الى خطوات عملية. في هذا الجانب، فإن رفض محافل في السياسة اليهودية-الصهوينية لإمكانية التعاون السياسي مع منصور عباس يفوت فرصة فهم الثورة التي اجتازها الوسط العربي، فما بالك أجزاء من قيادته -ثورة توجد للمقيمين في صهيون مصلحة واضحة في تشجيعها والسماح بتطورها.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock