ترجمات

ظريف في مقابل بومبيو.. الواقعية تكسب

*شكر خلخال (معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى) 8/2/2019

أعادت زيارة وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف إلى بغداد المشروع الأميركي في مواجهة النفوذ الإيراني في العراق إلى نقطة الصفر. وجاءت تلك الزيارة عقب الجولة التي قام بها وزير الخارجية الأميركي، مايك بومبيو، في بغداد وبعض دول الشرق الأوسط، والتي سعى من خلالها إلى “تشكيل تحالف شرق أوسطي لمواجهة إيران” في المنطقة على وجه العموم، وفي العراق على وجه الخصوص. وقد ناقش بومبيو مع المسؤولين العراقيين مسألة تفعيل العقوبات الأميركية ضد إيران، والحد من النشاط التجاري معها، وتحجيم دور الفصائل المدعومة إيرانياً.
ما إن غادر بومبيو العراق حتى حل ظريف في بغداد ليبعث رسالة مباشرة إلى الإدارة الأميركية، مفادها أن شيئا لم يتغير على صعيد الروابط العراقية الإيرانية، وأن محاولات الولايات المتحدة لاحتواء إيران في العراق، لم تثمر شيئاً على الساحة العراقية حتى الآن، بل على العكس؛ فالنفوذ الإيراني في العراق أخذ في التوسع والتمدد. كما أطلق ظريف تصريحاً شديد اللهجة، والذي ادعى فيه أن “أميركا لا يحق لها التدخل بين العراق وإيران لأن العلاقات بينهما قائمة قبل وجود أميركا”.
وعلى الرغم من أن تصريحات ظريف اتسمت بالمبالغة في استعراض الروابط بين البلدين، إلا أنها كانت أقرب إلى الواقعية من الخطة الأميركية التي تسعى إلى تحجيم دور إيران في العراق، وهذه هي المسألة.
تتمثل الخطة الأميركية لمواجهة النفوذ الإيراني في العراق في العمل على تحجيم دور الأحزاب السياسية العراقية المقربة من إيران، وحظر نشاط الفصائل المسلحة المدعومة إيرانياً. وعلى حد تعبير بومبيو، ترى الولايات المتحدة أن النفوذ الإيراني في العراق “يحد من حرية العراق واستقلاله”. ولذلك، يجب العمل جنباً إلى جنب مع الحكومة العراقية لتحجيمه. وفى هذا الصدد، دعت الولايات المتحدة الحكومة العراقية إلى الالتزام بالعقوبات الأميركية المفروضة على إيران، بالحد من النشاط التجاري معها، والاستغناء عن الغاز والكهرباء الإيرانيين.
من الناحية النظرية، قد يبدو هذا المشروع سهلا وقابلا للتحقيق. لكنه من الناحية العملية بالغ الصعوبة ويفتقر إلى الكثير من الواقعية. فالمصالح الإيرانية العراقية متداخلة ومتشابكة ومعقدة إلى الحد الذي يصعب معه فك ارتباطها بقرار خارجي. وهذا بالتحديد ما عبر عنه ظريف خلال جولته الاستعراضية في العراق.
واقع الفصائل الموالية لإيران
هناك العشرات من الفصائل السياسية والعسكرية المدعومة من إيران والتي تعمل حالياً في العراق، وكان أغلبها قد تشكل خلال المعارك التي خاضها العراق لتحرير مدنه من احتلال تنظيم الدولة الإسلامية “داعش”. ويغلب على تلك الفصائل الطابع العقائدي الذي يدين بالولاء لدولة ولاية الفقيه. وكانت الإدارة الأميركية قد تحسبت مبكرا لهذا الأمر واستشعرت الخطر من مستقبل تلك الفصائل على العراق والمنطقة ككل. وعلى الرغم من الضغوطات التي مارستها الإدارة الأميركية على إيران والعراق، و”سياسة التهديد والوعيد” التي اتبعتها خلال الأعوام الثلاثة الماضية، فإن تلك الفصائل ما تزال مستمرة بالنمو، وتواصل نشاطها العسكري داخل العراق وخارجه.
نتيجة لتخبط السياسة الأميركية في العراق وعدم فهمها لواقع العلاقات العراقية-الإيرانية، جلبت الانتخابات العراقية البرلمانية الأخيرة إلى السلطة بعضاً من هذه الفصائل الموالية لإيران والتي شكلت كتلة قوية مكرسة لخدمة المصالح الإيرانية، حيث حصد اثنان فقط من تلك الفصائل المعنية، هما منظمة بدر وعصائب أهل الحق، أكثر من 30 مقعداً في البرلمان العراقي. ومن المفارقات أن هذين الفصيلين يعملان الآن على إعداد مشروع سيقدم إلى البرلمان العراقي قريباً، والذي يقضي بسن تشريع لإخراج القوات الأجنبية من العراق، ويستهدف بطبيعة الحال الوجود العسكري الأميركي هناك. وعلى الرغم من أن هذا المشروع قد لا يحظى بالأصوات الكافية لإقراره، لكنه يشكل تطوراً بالغ الأهمية على صعيد نقل المواجهة إلى أعلى سلطة تشريعية في البلاد.
يقتضي صعود تلك الفصائل إلى أعلى هرم السلطة في العراق، اتباع سياسة تستند إلى رؤى أكثر واقعية. فسياسة التهديد واتخاذ القرار من جانب واحد، لن تنجح في تحقيق المطلوب بل على العكس، ربما تؤجج الأزمة وقد تأتي بنتائج عكسية. ولعل أحد أوضح الأمثلة على ذلك هو تلك النتائج العكسية شهدناها في شهر تموز (يوليو) من العام الماضي، حيث تم توقيع اتفاقية التعاون العسكري المشترك بين العراق وإيران. وجاء ذلك في ذروة الإصرار الأميركي على تحجيم دور إيران في العراق. ومع ذلك، لم يتبدل أسلوب التعاطي الأميركي مع القضية، مع مطالبة الحكومة العراقية بالحد من التبادل التجاري والتوقف عن التزود بالطاقة الإيرانية.
التبادل التجاري بين العراق وإيران
بصرف النظر عن التأثير المتزايد لأولئك الذين يدعمون إيران في البرلمان، فإن العراق مرتبط بشدة تجارياً بإيران، حيث يتقاسم العراق مع إيران حدوداً يبلغ طولها أكثر من ألف ميل تتوزع عليها عشرات المنافذ الحدودية الرسمية وغير الرسمية. وعلى الرغم من أن تلك المنافذ الحدودية تبقى تابعة نظرياً للحكومة المركزية، فإنها خاضعة على أرض الواقع لسلطة مجالس المحافظات التي تتحكم بحركتها ونوعية البضائع المتبادلة من خلالها. ويعد العراق ثاني أكبر شريك تجاري لإيران بعد الصين، وبحركة تجارية تبلغ قيمتها 12 مليار دولار سنوياً في مجالات المنتجات الزراعية والصناعية والصناعات النفطية.
استناداً إلى ما ذكر أعلاه، يبدو أن هذه العلاقة التجارية بين إيران والعراق آخذه في التعمق، حيث اعلن الرئيس الإيراني حسن روحاني، خلال استقباله الرئيس العراقي برهم صالح في تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، عن عزم البلدين زيادة حجم التبادل التجاري بينهما إلى 20 مليار دولار، والشروع في التخطيط لمشروع مد خط السكك الحديد بين البلدين لربط السكك الحديدية الإيرانية المملوكة للجمهورية الإسلامية الإيرانية بنظام السكك الحديدية في العراق من خلال نقطة التقاء في البصرة.
ومن المتوقع أن يساهم هذا الربط في تسهيل الأنشطة التجارية ونقل أعداد كبيرة من الأشخاص الذين يسافرون مسبقاً بين البلدين. كما أن السياحة الدينية بين البلدين تشهد نشاطاً ملحوظاً، حيث يستقبل مطار النجف العراقي يومياً العشرات من الرحلات الجوية القادمة من طهران وأصفهان ومشهد. وتعود السياحة الدينية على العراق بمليارات الدولارات سنوياً، حيث يأتي 85% منها من الزوار الإيرانيين.
مع أخذ هذه الروابط الاقتصادية العميقة بين إيران والعراق في الاعتبار، فإن الحكومة العراقية ستكون عاجزة عن تنفيذ المطلب الأميركي بتحجيم التبادل التجاري مع إيران، حتى لو أنها عزمت فعلاً على ذلك. ولم تقدم الولايات المتحدة بديلاً يحل محل التبعية التجارية التي تأمل في انتزاعها من العراق، ولا يوجد بديل واقعي للعراق في الوقت الحاضر.
ملف الطاقة
يعتمد العراق على إيران في معظم بنيته التحتية الأساسية، حيث يعاني العراق من أزمة مستعصية في مجال الطاقة الكهربائية تمتد إلى زمن نظام صدام حسين، حيث أسهمت الحروب التي خاضها العراق في تدمير أجزاء كبيرة من قطاع الكهرباء لديه، فيما أسهم نقص المياه في النهرين العراقيين في إضعاف قدرات محطات التوليد الكهرومائية. وبعد تحسن الوضع الأمني في البلد، تصدرت مشكلة الكهرباء قائمة الملفات الأكثر تعقيداً. ويعتمد العراق الآن على الغاز الإيراني لتشغيل بعض محطاته الغازية، وعلى استيراد الكهرباء بشكل مباشر لتغطية احتياجات بعض مدنه. وعلى مدى السنوات الخمس عشرة الماضية، فشلت الحكومات العراقية المتعاقبة في وضع حلول لهذه المشكلة المستعصية.
في إطار سعيها إلى إنهاء التعاون بين إيران والعراق في مجال الطاقة، عرضت الولايات المتحدة على العراق إمهاله بضعة أشهر للاستغناء عن التزود بالكهرباء والغاز الإيرانيين، في مقابل مساعدة الحكومة العراقية على تطوير هذه الصناعة في العراق وإيجاد البدائل المطلوبة. ومع ذلك، يفتقر هذا المقترح إلى الواقعية ويحمل عدة مخاطر، حيث من المستحيل إيجاد حلول أو بدائل خلال الفترة التي تقترحها الإدارة الأميركية. وكمثال على أهمية الاعتماد العراقي على كهرباء إيران، اشتعلت الاحتجاجات في مدينة البصرة الجنوبية منتصف العام الماضي في إثر إقدام إيران على قطع التيار الكهربائي عن العراق بسبب تراكم الديون.
تصور أميركي خاطئ
يقوم التصور الأميركي للعلاقة بين العراق وإيران على اعتبار العراق مجرد ضحية ينبغي إنقاذها. وهذا التصور يفتقر، هو الآخر، إلى بعض الواقعية. فعلى الرغم من النفوذ الإيراني الكبير في العراق على الصعيدين السياسي والعسكري، فإن للبلدين مصالح مشتركة كثيرة يعبر عنها حجم التمثيل الدبلوماسي الواسع بواقع سفارة وخمس قنصليات لكل بلد.
بالإضافة إلى ذلك، يرتبط البلدان بعشرات الاتفاقيات الأمنية والعسكرية والتجارية. ولديهما لجان مشتركة للتنسيق الأمني وضبط الحدود. ونتيجة لتلك الاتفاقيات، تحركت إيران لدعم العراق خلال حربه لتحرير مدنه من احتلال تنظيم “داعش”. وبصرف النظر عن دوافع إيران من تلك الخطوة، فإن الكثير من العراقيين يشعرون بالامتنان للاستجابة الإيرانية السريعة لدعمهم في تلك الحرب.
أسفرت السنوات الثلاث الأخيرة من التعاطي الأميركي مع قضية التمدد الإيراني في العراق، عن صعود التيارات السياسية والفصائل المسلحة المقربة من إيران إلى أعلى مستويات هرم السلطة في العراق. ومن المفارقات أن الضغط الشديد الذي فرضته الولايات المتحدة على العراق قد أتى بنتائج عكسية، حيث ساهم بشكل غير مباشر في تهديد الوجود الأميركي ومصالحها في العراق. ومع مرور الوقت، تزداد المهمة صعوبة، وما لم يتم اتخاذ خطة بديلة تقوم على رؤية واقعية لطبيعة العلاقة بين العراق وإيران؛ رؤية لا تغفل الحوار؛ فإن الجهود والتضحيات الأميركية التي بذلت طيلة خمسة عشر عاماً من أجل نشر الديمقراطية في العراق والنهوض بواقعه، ستكون في مهب الريح.
*كاتب وإعلامي عراقي. عمل في الصحافة العراقية والعربية لسنوات عدة. يهتم بشؤون العراق والثقافة العربية والتاريخ الإسلامي. عمل في مجال الانتاج التلفزيوني كاتباً ومنتجاً للعديد من البرامج التلفزيونية والأعمال الوثائقية.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock