أفكار ومواقف

عاجزون عن إقامة حوار..!

يتناقل مستخدمو وسائل الاتصال الاجتماعية -الغربيون غالباً- رسالة من فقرتين صغيرتين باللغة الإنجليزية، مصورتين كما يبدو من كتاب غير محدّد. وتقول ترجمة تلك الرسالة بالعربية: “أدى تعليُمنا تجنُّبَ الحديث عن السياسة والدين إلى افتقار إلى فهم السياسة والدين. كان ما يجب أن يعلمونا إياه هو كيفية إقامة حوار متحضر حول عنوان صعب”.
هكذا يعبر غربيون عن الاحتجاج، بينما تجد في أغلب صحفهم ومجلاتهم الرصينة –إلى جانب الأخبار العادية- أبواباً لا تُفتح هنا، بعناوين: “دين”؛ “جنس”؛ “فلسفة”. وتحت هذه الأبواب، يطالع الزائر مقالات وتنظيرات ونقاشات عميقة في هذه القضايا بالغة الأساسية في تكوين كل فراد ومجتمع. وتفتح هذه المناقشات نوافذ جديدة للعقل وتُشركه في التفكير والتحليل والاستنتاج وتبقيه في حالة من الحركة والتطور.
إذا كان الغربيون أصحاب المجتمعات المفتوحة والديمقراطية يشتكون من ثقافة تعلمهم تجنب الخوض في الدين والسياسة، فماذا عنا نحن، الذين يتلقى معلِّمونا تعليمات صارمة بعدم الخوض في مناقشة ثالوث المحرمات العربي: “الدين، السياسة، الجنس”. سوف نفتقر حتماً إلى فهم هذه القضايا الثلاث جميعاً –بأشواط أكثر من الغربيين. وبالإضافة إلى ذلك، سنعاني من العجز عن إجراء حوار متحضر حول أي عنوان صعب. وسوف تدور حواراتنا “المسموحة” حول قضايا أقل أساسية وبلا تقاليد للحوار. ويُمكن تصور أية سوية هي لمجتمعات تفتقر إلى فهم الدين والسياسة، ولا تعرف كيفيات إدارة حوار متحضر حول أي شيء جوهري!
المشكلة أن هذه السمات للمجتمات العربية تتعمق فحسب، بلا وعد بتغيير. إنها ليست مجتمعات سكونية فحسب عندما يتعلق الأمر بعناصر أساسية في تكون شخصية الفرد ونظرته العالمية، وإنما هي رجعية في وجهاتها في واقع الأمر. من ناحية الدين، تسود الآن أنواع من التعصب ورفض الحوار يصعب تصور مثيلات لها في بدايات الإسلام. وبأي حساب منطقي، لو كان الدين الجديد في ذلك الزمن يقترح فرض مختلف القيود على الفرد واستفزاز عدوانيته ومصادرة حريته، لما انضم الناس إليه ببساطة، خاصة وأنه لم يكن يمتلك أدوات للقوة يفرض نفسه بها على الناس. كما أن الحضارة الإسلامية الناشئة كانت منفتحة على الحوار الداخلي والخارجي، وانشغلت بهوس في استكشاف تأملات الحضارات الأخرى في القضايا الأساسية، من خلال الفلسفة والعلوم. والتاريخ مليء –بما وصل منه- بالحوارات بين الفِرق الفكرية المختلفة التي تفاوضت حول عناوين صعبة في العقيدة أصبحت الآن من المحرمات.
بسبب تعليمهم تجنب مناقشة الدين والسياسة، يجهل المنخرطون في القسمة الأساسية في الإسلام، التي تشكل اليوم عنوان الحرب الداخل-إسلامية، أنها كانت في الأساس سياسية وليست عقائدية، أنجبتها صراعات السلطة والاعتقاد بالأحقية في الخلافة. وفي الحقيقة، ركبت السياسة في كل مراحل التاريخ الإسلامي تقريباً على ظهر الدين لتبرير قمع المسلمين الآخرين المحتجين غالباً على شؤون أرضية، والاستعانة بـ”علماء الدين” للإفتاء بتكفيرهم. وهنا، يرتبط عدم فهم السياسة جدلياً بعدم فهم الدين لإنتاج التعصب الرافض للنقاش، بالطريقة العنيفة التي تصنع الاصطفافات الآن في إقليمنا وتدمر حياة سكانه.
كان استمرار جهل الناس بالسياسة دائماً في قلب استراتيجيات الأنظمة السكونية المتشبثة بالسلطة في منطقتنا. وفي بعض الدول، تتحالف المؤسسة السياسية صراحة مع المؤسسة الدينية، لترويج أفكار أقلها عدم جواز مساءلة الحاكم باعتباره “حاكماً بأمر الله” ونائبا عنه في الأرض، بحيث تساوي معارضته والاحتجاج عليه الكفر بالخالق تعالى. وفهمت الأنظمة معرفة الناس السياسة كخطر وجودي لأنه يعني فهم لامنطقية أعمالها ورفض حيلها.
يساوي تجنب الخوض في قضايا جوهرية مثل الدين والسياسة، وبالتالي حتمية الجهل بها، ترسيخ التعصب وفرض القبول بالقضايا كمسلمات والعوز إلى ثقافة المناقشة -تحت طائلة العقاب القانوني والاجتماعي لأي اقتراحات. كما يلغي ممارسة التفاوض الاجتماعي مع المتغيرات الكونية، والقطيعة الحضارية مع بقية الشركاء في الكوكب ومعاداتهم واستعدائهم. وسوف تكون مجتمعات هذه سماتها قطعاناً معطّلة العقل، تتدافع من دون أن تفهم دوافعها ومحركاتها الخاصة ولمصلحة مَن. ومن الطبيعي أن لا يتوقع أحد من هذه المجتمعات –العاجزة عن إقامة حوار جدّي- أن تُنافس على حصة محلية أو عالمية في أي شيء، ناهيك عن الحكم النهائي عليها بالبقاء في الخلف، على كل وأي صعيد.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock