أفكار ومواقف

عاصفة البطالة وأوتاد الحكومة

البطالة التي تفشت بين صفوف الشباب والنساء ظلت عديمة التأثير على الاوضاع الداخلية حيث تواطأ الجميع على قبولها وتسكين آثارها بمساعدة الاسر وسمة التكافل وبعض التدخلات الرمزية على هيئة مشروعات ومبادرات مؤقتة لا تسمن ولا تغني من جوع.
الحكومات التي تجاهلت المشكلة واكتفت بالاشارة اليها في بيانات نيل الثقة ومناقشة الموازنات واللقاءات الاعلامية تواجه اليوم اعنف عاصفة في تاريخها السياسي حيث تتدحرج كرات الثلج التي تشكلت من جموع العاطلين عن العمل وتتوجه جميعا صوب العاصمة في اكبر مسيرة مطلبية شهدتها البلاد منذ عقود.
في معان والطفيلة والكرك ومادبا وذيبان والزرقاء واربد والسلط واحياء عمان المختلفة يتهيأ الشباب للالتحاق بأبناء العقبة الذين امضوا الايام التسعة الماضية سيرا على الطريق الصحراوي الموحش لا يعنيهم التعب ولا البرد ومخاطر السير التي نالت من احدهم فقد قرروا ان يتوجهوا الى العاصمة في مسيرة احتجاجية تحمل مطلبا رئيسيا واحدا وعددا من المطالب الضمنية.
“شغلني” هو الشعار المعلن لمسيرة العقبة التي يزيد عدد اعضائها على 400 متظاهر يتقدمهم احد النواب الذي طالما تحدث علنا عن التجاوزات والممارسات التي شكلت انتهاكا لمبدأ العدالة وتكافؤ الفرص. النواب والحكومة وسلطة العقبة الاقتصادية في مرمى المحتجين الذين يهتفون للأردن ويرفعون العلم في الوقت الذي يشكون فيه من الظلم والتجاوزات التي حدثت من خلال التعيينات التي قامت بها السلطة والحكومة لحساب النواب وأقربائهم ومحاسيبهم.
التحاق الآلاف من شباب وشابات المحافظات الاخرى بالمحتجين العقباويين يثير تساؤلا كبيرا حول مدى استعداد الحكومة لتقديم حلول مرضية ومقنعة للمشكلات التي يعرضها المحتجون وقدرة الحكومة على الصمود في وجه اعصار البطالة الذي يشتد يوما بعد يوم؟
لا اظن ان الحكومة تملك اجابات او حلولا للمطالب التي تتصاعد فلم يكن في حسابات الرئيس الذي اعتقد ان تمرير قانون الضريبة اكبر المعضلات التي قد تعترض مسيرته ليفاجأ بان في كل شبر نذرا اوان الطريق مليئة بالمنعطفات التي يصعب تجاوزها.
الاستجابة الاولية لسيل المسيرات لا يوحي بوجود ارنب في قبعة الساحر فقد قال الرئيس “لن يتمكن القطاع العام من توفير فرص عمل لكل العاطلين عن العمل”. لا اظن ان الشباب الذين ساروا على الاقدام لمدة تسعة ايام ينتظرون مثل هذه الاجابة فقد سمعوها مرارا وسمعوا بان لدى قطر 10 آلاف وظيفة وان الحكومة ستوفر 30 الف وظيفة ويسمعون ويشاهدون ان عشرات الشركات والمصانع والاستثمارات تغلق ابوابها كل يوم .
المطلب الموحد والواضح والمشروع “شغلني” يضع حكومة الرزاز في حرج كبير ويفرض عليها تقديم اجابات سريعة وعملية ومقنعة للاسئلة التي يطرحها الآلاف بصوت واحد.موقف الحكومة وحججها قد لا تكون مقنعة خصوصا وهي تأتي على خلفية تعيينات اشقاء النواب وخارج آلية المقابلات التي سارت عليها الحكومات السابقة.
البطالة التي تعايش معها الشباب والشابات لعقود وسنوات اصبحت اكثر القضايا قدرة على توحيدهم وتوجيههم الاكثر وضوحا والحاحا فالعمل حق اساسي كفله الدستور وفي توفره برهان على صحة الاقتصاد وسلامة التخطيط ورشاد الادارة. في الحراكات الجديدة رسائل من نوع خاص فهي تتجاوز مطالب الاصلاح والاختلاف حول الاولويات الى الحكم على سلامة الادارة من خلال تحقيق الاهداف. الشباب القادمون من كل جنبات البلاد نحو عمان يقولون بصوت واحد لقد انتظرنا طويلا ولم يعد بمقدورنا الانتظار.
لو كنت مكان الرئيس لاتخذت جملة من القرارات قبل ان ينتهي نهار اليوم. اولا اغلاق سوق العمل على غير الأردنيين وفتح مئات فرص العمل لمن يرغب. ثانيا لانشأت اربع قرى زراعية للشباب في جنوب المملكة وبالقرب من مصادر المياه التي تستغلها السعودية في عشرات آلاف المزارع. ولقررت زراعة محاصيل القمح والشعير والبرسيم والبطاطا بأي كلفة وصولا الى الاكتفاء الذاتي وبما يرفع نسبة العاملين في القطاع الزراعي الى 7 % بدل 2 %. ثالثا خصصت مبلغ 200 مليون دينار لمشروعات صغيرة تتوجه الى انتاج سلع يحتاج لها السوق مع قرار يحترم وقف استيرادها. بغير مثل هذه الاجراءات فان المشكلة ستتصاعد وقد تؤدي الى مشكلات يصعب التنبؤ بمدى تأثيرها.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock