أفكار ومواقف

عامان على الثورة: الاستقطاب الكبير

ما يحدث في مصر هذه الأيام أكبر من احتجاجات عادية في ذكرى مرور عامين على الثورة، بل يتجاوز ذلك ليؤكد عمق الانقسام السياسي والاجتماعي الذي أخذ يصل إلى القواعد الاجتماعية ووصل إلى الحياة اليومية للناس، ولم يعد مجرد ترف سياسي تحركه النخب السياسية والفكرية. ما يعني من المنظور التاريخي أن معركة الخيارات التاريخية الكبرى قد بدأت ومنطلقها مصر؛ وقد تنتشر على ساحات واسعة في العالمين العربي والاسلامي، ولا يمكن تصور أن تحسم هذه المعركة في عام أو حتى في عقد من الزمن.
أحداث الأسبوع الماضي التي أوقعت أكثر من عشرة قتلى من بور سعيد والسويس والاسماعيلية مرورا بالإسكندرية وصولا إلى القاهرة،  ليست منقطعة عن سلسلة الأحداث المتواصلة منذ وصول الإخوان المسلمين إلى السلطة، وبداية الجدل حول ماهية الخيارات الديمقراطية وإلى أي حد يمكن إن تصل، والتي أخذت عمقا اجتماعيا خطيرا بعد الاستفتاء الاخير على الدستور. اليوم إلى ماذا يقود التراكم الكمي والنوعي الهائل لحالة الاستقطاب السياسي والاجتماعي التي تحولت، للأسف، إلى حالة انقسام كبير؟ وما هي الخيارات المتاحة أمام كتلتين شبه متساويتين في القوة والتأثير والانتشار؟
لا يمكن تصور حالة هدوء على المديين القصير والمتوسط، ولكن السؤال الأكثر جدية؛ ما نوع حالة عدم الاستقرار التي ستتواصل في الاشهر القادمة؟ السيناريو الأسوأ يبدو في تهديد السلم الأهلي في مصر على مسطرة الانقسام الحاد، ويمكن قراءة ذلك في تهديدات قيادات إخوانية نهاية الأسبوع الماضي بالدعوة إلى حمل السلاح علنا في الوقت الذي تصاعد حضور الجماعات المسلحة التي يطلق عليها (بلاك بلوك)، والتي تستهدف ميليشات وجماعات من الإخوان. هذا السيناريو سيقود مصر إلى نموذج الدولة الفاشلة على المدى المتوسط، اذا ما علمنا أن معدل الاحتجاجات وأعمال العنف يصل إلى 70 احتجاجا يوميا خلال الاشهر الثلاثة الأخيرة.
  المرجح أن نمط حالة عدم الاستقرار لن تصل إلى حد الإضرار الفادح بالسلم الأهلي الذي يقود إلى حرب أهلية، ولكنّ عدم الاستقرار المحتمل سيراوح في المعدلات الراهنة ويزيد قليلا، بحيث يبقى على المستوى السياسي وينال جانبا من المجتمع، وهو ما سيشكل مقدمة حقيقية لأحداث حاسمة مفاجئة، نتيجة التراكم الكمي، تماما كما حدث مع الثورة، ولكن هذه المرة سيكون الموعد مع محاولات لحسم الخيارات السياسية والاجتماعية للدولة المصرية وفي مقدمتها مكانة ودور الدين في الحياة العامة.
  ما تشهده مصر ومجتمعات الربيع العربي اليوم هو حالة من السيولة وإعادة التشكل السياسي – الثقافي تزداد فيها سرعة ووتيرة التغيير، وتتزايد المطالب المتناقضة، والمشهد بمجمله يعود في جذوره إلى حالة الاستقطاب الثقافي- السياسي التي كانت سائدة في مصر قبل ثورة عبد الناصر، وما دامت الأطراف تتصارع داخل حدود الوطن وعلى أرضية الشراكة في اللعبة الديمقراطية يبقى الاستقطاب في حدود الظاهرة السياسية الطبيعية، إلا أن التحولات الأخيرة في نوع الاستقطاب وحجمه باتت تثير الريبة بعد أن دخلت مرحلة  الفرز الاجتماعي.
المجتمع المصري يكاد يكون المجتمع العربي الوحيد الذي أنجز كتلة ديمقراطية تاريخية، تلك الكتلة تتشكل من طيف واسع من المرجعيات منها الليبرالية والقومية واليسارية والاسلامية، ما يجعل مسألة حسم الخيارات التاريخية الكبرى حول الديمقراطية والدين والمجتمع معركة مصر الحقيقية التي ستشكل روح القرن العربي الجديد.

[email protected]

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock