أفكار ومواقف

عامان غيرا العالم

عامان مرّا الآن على ظهور أولى حالات الإصابة بمرض «كوفيد19» في مدينة ووهان الصينية، شهدت خلالهما الأجيال الحاضرة من البشرية خبرة غير مسبوقة، خبرة حققت سيناريو كابوسياً كان في منطقة الخيال الجامح، حيث تعرض العالم كله لهجوم عدو شبحي قاتل لا توقفه حدود ولا جيوش ولا أسيجة. وقد أسفرت الحرب العالمية مع هذا العدو عن ما يقارب 5 ملايين شخص، وبلغ العدد الإجمالي للحالات 241.9 مليون شخص تقريباً. وما يزال العدّ مستمراً. وما يزال الفيروس يعود في أشكال جديدة أكثر ضراوة، موقعاً المزيد من الضحايا برغم كل محاولات البشر إيقافة.
يصعب حصر المظاهر والتغييرات التي يحدثها الفيروس وتقدير تداعياته التي ما تزال مجهولة. وأصبح الحديث شائعاً عن عالم ما قبل كورونا والعالم المختلف بعده. وكان من بين أبرز التداعيات السابقة فرض حظر تجوال عالمي على البشرية جميعاً، بين الدول وداخلها. ولأول مرة شاهدنا شوارع العالم مقفرة والناس حبيسي منازلهم. وتوقف السفر والمواصلات، ومعها سلاسل التوريد العالمية وحركة شحن البضائع.
توقفت المصانع والأعمال، وخلت رفوف الأسواق من البضائع. وشهد العالم نقصاً غير معتاد في المستلزمات، بما فيها المواد والمعدات الطبية والصحية، من الكمامات والمعقِّمات إلى مجموعات الكشف عن العدوى، إلى الأدوية وأجهزة التنفس الاصطناعي. وأغرقت أعداد المصابين المستشفيات واجتاحت غرف العناية المركزة والكوادر الطبية. ووصل الأمر إلى إجبار الأطباء على المفاضلة بين مريضين لتقرير أيهما يُترك للموت وأيهما يمنح فرصة الحياة بشغل سرير في وحدات العناية.
فقد الكثيرون في العالم وظائفهم أو مصادر دخولهم. وأُغلقت أعمال تجارية وشركات أبوابها بعد إفلاسها بسبب التوقف الطويل عن العمل. وتوقفت الأنشطة الجماهيرية وحُظر التجمع. ونشأت عادات اجتماعية إجبارية جديدة كوسائل ضرورية لتخفيف العدوى، مثل التباعد الجسدي، وعدم التزاور، والتخلي عن المصافحة والعناق، والتواصل بوسائل التواصل الاجتماعي وتطبيقات الإنترنت، سواء على مستوى العلاقات الشخصية أو أداء الأعمال وعقد المؤتمرات. وظهر شكل جديد من العمل، «العمل من المنزل»، الذي أثار بحثاً مستمراً لإعادة تقدير أهمية المكتب، وما إذا كان بالوسع الاستغناء عنه أو ندرته جملة وتفصيلاً. ومن أبرز التداعيات كان التحول إلى التعلُّم عن بعد، الذي تسبب في أزمات للطلبة والعائلات، وتتوقع الدراسات أن يساوي كل عام منه تخلف ثلاث سنوات في التحصيل المعرفي العالمي.
اختبر الوباء استعداد الدول وأداء الحكومات. وظهر أن أكثر الدول تقدماً تعاني من هشاشة بنيوية في منظوماتها الصحية. وأشّرت القرارات بشأن كيفية وتوقيت تبني الوسائل المقترحة لضبط التفشي مدى حكمة صناع القرار أو طيشهم، وأثرت قراراتهم على حجم الخسارات في الأرواح أو الاقتصاد ومستويات الاستدامة. كما كشف البلاء العالمي عن التفاوت الهائل في حصص وإمكانيات الدول، سواء من حيث القدرة على التعامل مع تداعيات الوباء، أو حصتها من اللقاحات والعلاجات وقدرتها على التعافي.
وفي الحوكمة والسلطة، رصد المراقبون استغلال حكومات فرصة فرض حالات الطوارئ لتمرير قوانين ولوائح لا تقبل النقاش. ووجدت بعضها فرصة لاستعادة مركزية القرار والهيبة. وفي مفارقة واضحة، تعرضت بعض الديمقراطيات للانتقاد بسبب ترددها في فرض التدابير والإجراءات الموصى بها لضبط التفشيات، على أساس صيانة حرية مواطنيها. وفي المقابل، تلقت الدول التي عادة ما توصف بالاستبدادية المديح لأنها فرضت إجراءات الوقاية من فوق وبلا استشارة، واستطاعت التعامل مع الوباء بطريقة أنجع من الديمقراطيات.
مع ذلك، لكل دولة خصوصياتها في تجربتها مع الجائحة. وبالنسبة لنا في الأردن، تمكنا في البداية من إيقاف الوباء إلى حد الاغترار والتعالي المتسرع، قبل أن يستغل الفيروس الثغرات وخطأ القرارات ويوقع بنا خسائر فادحة حقاً في الأرواح والاقتصاد. وقد أديرت مواجهة البلد مع الوباء بالاجتهاد واحتمال الصواب والخطأ، مثل معظم الدول. ومن المؤكد أننا تحتاج التي مراجعة جادة ومستمرة لتحديد الأخطاء وعدم تكرارها، خاصة وأننا ما نزال عرضة للمزيد من هجمات الفيروس. وسوف تكون إدارة مرحلة التعافي التي تعيقها الموجات الجديدة معتمدة على طرق التفكير التي ينبغي أن تستفيد من تجربة محاربة الوباء نفسها. ولعل أكبر ضرر يمكن أن يلحق بأي بلد، هو التفكير في العودة إلى الوراء واستعادة ما كان على عيوبه، في عالم لم يعد كما كان.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock