أفكار ومواقف

عاملات منازل هاربات و”مافيا” مكاتب غير مرخصة

يُحدثني مواطن على أعتاب الثمانين من عمره، حول معاناته وزوجته البالغة من العمر أكثر من سبعين عامًا، مع قضية هروب “عاملة المنزل” لديهم، وكيف تنكر له صاحب مكتب الاستقدام، الذي تم إحضار العاملة عن طريقه، فضلًا عن ضعف القوانين المتعلقة بذلك أو “التراخي” في تطبيقها.
يشرح لي هذا المواطن، الذي أفنى شبابه في وظيفة حكومية بلغت خدمته فيها ما يقرب من الثلاثين عامًا، كيف قامت “العاملة” من الهروب، بُعيد نحو 62 يومًا فقط من العمل في المنزل.
يقول لي، والدمعة في عينيه وهناك حرقة بصوته، كيف يُعاني الأمرين، فهو لا يستطيع ورفيقة دربه المسنة تدبير أمورهما المنزلية، فهما يعيشان وحيدين، وما زاد الأمور تعقيدًا عدم وجود عاملة في البيت، أو بمعنى أدق “هروبها”، بعد أن تكبد مبالغ مالية مرتفعة، واضعًا اللوم كل اللوم على صاحب مكتب الاستقدام الذي أحضر له عاملة المنزل تلك.. وكيف أجابه باستهزاء، غير آبه لسنين عمره أو وقارة شيبته، بأنه “يكفل عاملة المنزل فقط لمدة شهرين”.. ويتساءل وفي صوته “استكانة” من يضمن حقي، وكيف السبيل إلى ذلك؟.
يبدو أن قضية “هروب” عاملات المنازل في المملكة بازدياد، وبسرعة غير متوقعة، وكأنها عبارة عن كرة ثلج تتدحرج، وكل الخوف أن تصل إلى درجة يصعب السيطرة عليها أو إيجاد حل لها… وزارة العمل تقر بأنها تتلقى شهريًا ما بين 10 و12 شكوى مفادها “هروب” عاملات منازل.. مع أن الكثير من أرباب الأسر التي لديها “عاملات” تشككك بمثل هذا الرقم، وتؤكد بأنه أكثر من ذلك وبكثير.
“هروب” عاملات المنازل أصبحت، إن جاز التعبير “ظاهرة”، تُسبب معاناة وأذى كبيرين للعديد من الأسر، وخصوصًا تلك التي يوجد بينها مسنون، لا يقدرون على القيام بالأعباء المنزلية من غير مرافق، ناهيك عما تتكبده الأسرة من مبالغ مالية باهظة شهرية وسنوية… فعملية إحضار “عاملة منزل” تكلف ما بين 2200 و3200 دينار، شاملة رسوم تصريح العمل السنوي، والذي تبلغ قيمته 500 دينار… ولن أتطرق إلى المصروف الشهري، بعيدًا عن أجرتها التي هي حق لها.
ما يجعل الأمر جد خطير، أنه يوجد بالأردن حوالي 52 ألف عاملة منزل، وإذا ما ازدادت تلك الظاهرة، وأعني “الهروب”، فإننا سنكون بعد فترة ليست ببعيدة، أمام مشكلة لا بل قضية، قد يصعب حلها أو السيطرة عليها من قبل أجهزة الدولة المختلفة.
هناك الكثير، ممكن اكتووا بنيران معاناة “الهروب”، يؤكدون بأن عمليات هروب عاملات منازل، تكون بفعل فاعل ومدبرة من قبل بعض مكاتب الاستقدام غير المرخصة، حيث يقوم أصحاب أو المسؤولون عن تلك المكاتب، بتشغيل “العاملة الهاربة” في منازل بأجرة يومية تتراوح ما بين 20 و25 دينارًا، أو استغلالهن بأعمال غير أخلاقية.
لن نقوم بجلد الذات، لكن المسؤولية كلها تقع على كاهل وزارة العمل والجهات المعنية، كونها الجهة الرقابية في متابعة هذا القطاع، حيث لا تقوم بتشكيل فرق تفتيش على عاملات المنازل “الهاربات”، في حين أنها تنشط وتصب جل اهتمامها الرقابي على العمالة الوافدة، و”تتراخى” بطريقة أو أخرى بتفعيل القوانين وتطبيقها.
يتوجب على وزارة العمل عدم ترك “العاملات الهاربات” بين أصحاب مكاتب استقدام غير مرخصة، خوفًا من أن يصبحن عرضة لارتكاب الجريمة أو ضحايا لجرائم الاتجار بالبشر.
لماذا، في ظل تزايد عدد “الهاربات”، لا يتم وضع شروط، تطبق بحذافيرها، تضمن حق المواطن في عدم هروب العاملة؟، لماذا لا يتم اشتراط التعامل مع مؤسسات أو شركات، تكون معتمدة من قبل دولها، لإحضار عاملات منازل؟، ولماذا لا يتم وضع شرط جزائي على تلك المؤسسات، بحيث تكون رادعة لها إن سولت أنفس القائمين عليها بأن يحضروا “عاملات” ثم الاتفاق معهن على الهروب بعد مضي فترة معينة من العمل؟.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock